شبح يهدد الحياة الزوجية، ويعد أحد الأسباب الرئيسية في فشل الكثير من الزيجات؛ فهو أحد أعداء الاستقرار الأسري ووجوده يعني دق المسمار الأخير في عش الزوجية.. لا تطيقه المرأة ولا يحبه الرجل.

إنه البخل، أحد السلبيات التي انتشرت بشدة في مجتمعاتنا العربية وأصبحت كابوسا يهددها؛ ففي أغلب المواجهات الزوجية التي تحتدم خلف جدران المنازل يتقاذف الزوجان سلسلة طويلة من الاتهامات، تنحصر غالبا حول البخل والإسراف؛ فالزوج الذي يتهم زوجته بالإسراف تتهمه هي بالشح والعكس، وتظل الوسطية حلقة مفقودة بينهما. والمثير حقا أن الشكوى القديمة والحديثة من البخل لا تقتصر فقط على البخل المادي، لكنها تمتد إلى بخل المشاعر وفقر العاطفة.

ازدواجية الرجل

“سوسن الدويك” (كاتبة) تؤكد أن البخل أحد عيوب السلوك الاجتماعي المكتسب من البيئة؛ فالإنسان -رجلا كان أو امرأة- ليس إلا ابنا لبيئته وظروفه التي نشأ فيها، ولا يمكن إنكار تأثير تزايد الفقر وما نتج عنه من انتشار قيم جديدة وغريبة على المجتمع العربي من بينها صفة البخل أو الحرص الزائد عن الحد.

وتضيف قائلة: إن الرجل الشرقي عادة ما يكون أكثر كرما بعيدا عن أسرته؛ حيث يريد أن يبدو دائما في مظهر الغني و”البحبوح”، في حين أنه قد يكون بخيلا ومقترا على أهل بيته، وهذا الأمر يعود إلى ما يعانيه من ازدواجية جعلت منه -أمام معارفه- شخصًا آخر غير الذي تعرفه زوجته “داخل المنزل”.

أما بالنسبة للبخل العاطفي فتؤكد أن الموروث الاجتماعي والثقافي للرجل الشرقي أدى به إلى أن يصبح شحيحا في مشاعره؛ فقد تربى في بيت لم يسمع به كلمة حب من أبيه لأمه، بل إنه شبع بمفاهيم سلبية تصور له أن الرجل لا بد أن يكون عنيفًا واجمًا حتى يكون قويا، أما الرجل الذي يلاطف زوجته فهو رجل ضعيف، وهكذا اعتاد الرجل الشرقي إخفاء مشاعره تجاه زوجته حتى ماتت أي كلمات يمكن أن تعبر عنها إلا أن يقول لها: “تسلم إديكي” على الأكل، لتصبح هذه الجملة أقصى صورة التعبير عن الحب لدى الرجل.

وتضيف: لا بد أن يعلم الرجل الشرقي أن شحه في عاطفته تجاه زوجته يسبب اضطرابها وتوترها وإصابتها بمختلف الأمراض النفسية، على رأسها الاكتئاب وفقد الثقة في نفسها؛ حيث تشعر أنها غير جديرة بالحب؛ الأمر الذي يدفعها للسخط على حياتها أو المطالبة بالانفصال والطلاق، وربما يؤدي بها في أسوأ الأحوال إلى الانحراف والخيانة الزوجية في وقت يستعيض فيه الزوج عن مشاعره -التي كبتها بيده تجاه زوجته- بالنظر إلى أخريات والتعبير لهن عن مشاعره الجميلة تجاههن في حين أن زوجته كانت أولى منهن بذلك.

أما السيدة ماجدة بدر (ربة منزل) فتؤكد أن قسوة الظروف المادية هي المسئولة عن اختفاء قيمة الكرم، وذلك بالنسبة للمادة والمشاعر في آن واحد؛ لأن المشقة التي يعانيها الإنسان في السعي نحو الرزق جعلته أكثر حرصا على ماله وأفقدته الوقت الذي يمكنه أن يجود فيه بمشاعره تجاه شريكه. وتشير إلى أن الزوج الشرقي هو الأكثر بخلا مع زوجته بينما تكون الزوجة الشرقية أكثر بخلا مع الآخرين.

الظروف الاقتصادية

أما من وجهة النظر الذكورية فيرى محمد عبد الغني (مهندس) أن السبب في تراجع مظاهر الكرم يعود إلى سوء الأوضاع الاقتصادية، وإن كان يؤكد على أن أخلاقيات الناس أيضا قد اختلفت عما كانت عليه قديما؛ بسبب تخلي الآباء عن دورهم في غرس القيم النبيلة لدى أبنائهم بل إنهم صاروا مشغولين عن مجرد التربية.

ويضيف قائلا: لا يمكن الحكم على رجل ما بالبخل استنادًا إلى شكوى زوجته، فقد تكون “شكاية” بطبيعتها أو تكون مسرفة. أما بالنسبة لفقر عاطفة الرجل وشحه في مشاعره فتكون المرأة أيضا هي المسئولة عن ذلك؛ لأنها عادة ما تهمل في مظهرها وجمالها داخل المنزل؛ فلا تشجع زوجها على مغازلتها وملاطفتها، في حين أنها إذا اعتنت بمظهرها أمام زوجها فسوف تجد منه فيضًا من العواطف والمشاعر الدافئة.

ويرى سعيد جاد أسبابًا أخرى للبخل فيقول: لقد جعلت الحياة الحديثة -بسماتها العصرية والتكنولوجية- لكل فرد عالمه الخاص الذي يعزله عن الآخرين، وبالتالي اختفى التزاور واختفت معه العلاقات الإنسانية الاجتماعية؛ لذلك كان اندثار قيم جميلة وقديمه مثل الكرم.

أما من الناحية العاطفية فسخاء العواطف أو ترشيدها ليس مقرونا بطبيعة الرجل الشرقي وإنما بطبيعة المرحلة التي يعيشها الزوجان؛ فالمشاعر قبل الزواج تختلف عنها بعد الزواج وتختلف أكثر في خريف العمر؛ فعادة ما يكون الرجل أكثر كرمًا في مشاعره قبل الزواج، ثم تأخذ المرأة هذا الكرم ليصبح سمتها بعد الزواج. أما في خريف العمر فتكون مشاعرهما أكثر تعقلاً؛ حيث تنصب على طرف ثالث هو “الأبناء”.

الرجل متهم

ومن الناحية العلمية تقول د. عزة كريم، أستاذة علم الاجتماع ومستشارة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر: إن البخل يعني امتلاك شيء ما والامتناع عن بذله والجود به، وهو سمة ليس لها علاقة بالجنس -رجلا أو امرأة- وإن كان الرجال هم الأكثر اتهاما بها؛ لأنهم من يتولون عادة مسئولية الإنفاق بينما لا تظهر في المرأة إلا في حالة توليها لهذه المسئولية. ونلاحظ أن هذه الصفة قد تتسبب في فشل العديد من الزيجات؛ بل إن الرجل الذي يتقدم لخطبة فتاة يظل موضع مراقبة واختبار حتى إذا اكتشف بخله رفض عرضه للزواج، وعلى العكس نجد أن الرجل يعتبر بخل زوجته نوعا من الحرص على نقوده.

وتضيف: عادة ما تخلط الزوجة الشرقية بين بخل الرجل ومحدودية إمكانياته فتعتبر عدم قدرة زوجها على تلبية احتياجاتها نوعًا من البخل، وبذلك لا تكون محقة، في حين أنها تكون محقة غالبا في حالة اتهامها له بالبخل العاطفي؛ وذلك لأن المجتمع الشرقي يرفض أن يسهب الرجل في مشاعره تجاه زوجته حتى لا يصبح ضعيفًا أمامها فتحاول السيطرة عليه وإلغاء شخصيته، وهذه النظرة السلبية من قبل المجتمع تؤدي في كثير من الأحيان إلى انهيار الزواج؛ لأن الحياة التي نعيشها مليئة بالأعباء والضغوط وتحتاج إلى مزيد من العاطفة من قبل كلا الزوجين كمساحات تعويضية عن هذه الأعباء حتى يتمكنا من الاستمرار، وبدون هذه المشاعر تنهار الأسرة وتزداد حالات الطلاق والزواج الثاني والزواج العرفي، وفي هذه الأحوال لن ينتج المجتمع سوى أبناء ليسوا أسوياء.

واجب ديني

يعرف د.مسعود صبري -الباحث الشرعي بشبكة إسلام أون لاين سابقا- البخل بأنه الامتناع عن العطاء بمعناه المطلق، سواء في المادة أو العاطفة، وهو أمر غريب على المجتمع المسلم الذي بني على العطاء في صورة مختلفة. ويؤكد أنه عندما جاء الإسلام وجد العرب كرماء فأقر هذه الصفة؛ حتى إن الرسول أكرم ابنة حاتم الطائي عندما وقعت في الأسر إكراما لكرم أبيها. ودعا ديننا الحنيف إلى إكرام الضيف، واعتبر أن ذلك من الإيمان. أما الشح في معاملة الناس أمر من شأنه نزع البركة.

وواصل قائلا: بالنسبة للزوجين فلا بد ألا يضن أحدهما على الآخر؛ لأن الإنفاق على الأهل أعلى مراتب الإنفاق، فقد قال رسول الله : “خير درهم، درهم تنفقه على أهلك”، وقال أيضا: “اللقمة في فيّ امرأتك لك بها صدقة”؛ لذلك فكرم كل زوج على زوجه أمر واجب ومؤشر لوجود الحب، بينما يدل البخل على وجود المنغصات؛ لأن من يحب ينفق وهو أعمى ومن يكره يقتصر وهو مبصر.

أما عن بذل المشاعر في العاطفة فلا شك أنه الطريق لتحقيق الاستقرار الأسري، وقد ضرب لنا رسول الله أروع مثل عندما كان يدلل السيدة عائشة ويناديها “يا عائش ويا عويش. وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تروي أنه كان يشرب من مكان شربها ويمص العظم مكان مصها، وربما أكثر من ذلك كذلك كانت زوجات الرسول يروين أن النبي عليه السلام كان يداعبهن ويلاعبهن حتى إذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفهن ولا يعرفنه.

ويؤكد د. مسعود أنه يمكن للنفس البخيلة أن تتغلب على هذه العادة إذا أقرت أولاً بوجودها واقتنعت بضرورة العلاج وأخذت تتدرب على الإقلاع عنها بالإنفاق في سبيل الله ومرافقة من يعيش على هذا الإنفاق، كذلك يمكن أيضا التغلب على الشح من خلال النذر؛ لأنه واجب الوفاء به ويساعد على التخلي عن البخل.


نشوى أحمد – صحفية مهتمة بالشأن الاجتماعي