عرف الإنسان الصيام من قديم
الزمان, فقد اتخذه المتدين وسيلة لإرضاء الرب, كما
مارسه الوثني والكافر طريقا لتهذيب النفس وترويض
البدن, وعلى ذلك فقد كان الصيام شائعا من الجنس البشري
منذ أول ظهور الإنسان على الأرض, وأما الصوم في شريعة
الإسلام فهو ركن من أركان الدين مفروض في شهر رمضان
الذي أنزل فيه القرآن, وقد أوضحت الآيات القرآنية التي
فرضت الصيام الحكمة السامية من فرضية هذا الركن
العظيم, فالغاية النهائية للصوم كما بيّنها ووضحها
القرآن الكريم هي التقوى, يقول الله تعالى؛û كُتب
عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم
تتقون(سورةالبقرة,182), فهو ليس رياضة جسمانية أو
بدنية الهدف منها إنقاص الوزن وتعذيب النفس وقهرها,
ليسهل انقيادها والسيطرة عليها, أو رياضة روحية
بالمعنى الذي تمارس به بعض الطقوس الهندية بهدف زيادة
التركيز أو الترقي أو غيره من أغراض دنيوية, وإنما
الصوم عبادة لله من أجّل العبادات, فهو سر بين العبد
وربه, والله -تبارك وتعالى- هو الذي يجزي به, حيث
قال؛"كُل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي
به"(رواه البخاري).. وإنما تأتي كافة المنافع الأخرى,
تبعا لذلك أو زيادة على ذلك, ويتفق هذا مع المعنى
القرآني ؛û وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون
(سورةالبقرة,183).
ومن غايات الصوم؛ الصبر, فعن سلمان الفارسي-رضي الله
عنه-قال؛"خطبنا رسول الله غ آخر يوم من شهر شعبان,
فقال؛ "أيها الناس, قد أظلكم شهر عظيم, شهر مبارك, فيه
ليلة خير من ألف شهر, جعل الله صيامه فريضة, وقيام
ليله تطوعا, من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى
فريضة فيما سواه, هو شهر الصبر, والصبر ثوابه
الجنة"(أخرجه ابن خزيمة في صحيحه), فالصوم يُؤصل في
المسلم فضيلة الصبر وقوة التحمل, ومن ثم يجعله أكثر
قدرة على ضبط انفعالاته وردود أفعاله وإكسابه مناعة ضد
المعصية بشتى أنواعها, فيقوى بذلك على مقاومة شياطين
الإنس والجن ونوازع النفس, ولعل سائلا يسأل ؛ لماذا
كان للصبر الذي ينميه فينا رمضان ويؤصله هذا الدور
الكبير وتلك المكانة العالية..؟
من رحمة الله تعالى بنا أنه -تبارك وتعالى- أوجد لكل
داء دواء والصبر الذي أمرنا به تارة, وجاء ثمرة من
ثمار صوم رمضان تارة أخرى هو دواء لأدواء كثيرة, بل
إنه الدواء الذي يكفل الوقاية من الوقوع فريسة للأدواء
والأمراض الاجتماعية والنفسية والخلقية يعين عليها,
ويكفل للإنسان النصر في مواجهة الشيطان, ولذلك يقول
النبي غ؛"الصوم نصف الصبر, والصبر نصف الإيمان" (رواه
ابن ماجة في سُننه), وعلى هذا فإن تعوّد المسلم على
الصبر وتثبيت نفسه عليه يضمن له نصف المسافة إلى منتهى
الإيمان, فرمضان بذلك فرصة عظيمة للتدريب والتمرين
والتعوّد على هذه الخصلة النبيلة والقيمة الإيمانية
العالية, والمؤمن كيّس فطن, فعليه أن يعمل فكره, حتى
يتفطن إلى أمور لايستطيع إدراكها من غفل وترك النظر,
فالمؤمن من يرى بنور الله ولديه من الشفافية وقوة
الحدس والفراسة ما يجعله ذا نظرة ثاقبة تخترق القشور
وتصل إلى اللباب وجواهر الأشياء, وعلى هذا النحو فهو
إذا نظر إلى صبره واحتماله الجوع والعطش وغيره مما أحل
الله في غير نهار رمضان, فإنه يحس بحاجة الفقير الذي
عجز عن توفير مأكله ومشربه حين ذلك يزداد عطفه ورعايته
لذلك الفقير, كما أنه بصبره يدرك لذة الطاعة وضخامة
المعصية وقبحها في نفسه المؤمنة الصابرة, وعلى هذا
أفلا يكون للمؤمن الصادق الإيمان أن يُوطن نفسه
ويعوّدها الصبر على ترك العادات السيئة والضارة في
رمضان وغيره من شهور العام.
ومن هذه العادات ؛ تعاطي المخدرات على اختلاف أنواعها
من منشطات ومهبطات ومهدئات ومنومات, والتدخين وغيرها
مما يسبب الإدمان والإذعان, ومن بين العادات الضارة
بالصحة؛ العشوائية في تناول الطعام والإسراف فيه
واختلال نوم الإنسان والمبالغة في السهر في غير طائل,
وبالجملة ؛ فقدان النظام والالتزام في حياة المسلم,
ناسين أو متناسين أن رمضان شهر إلتزام ونظام, ولما كان
ترك المعاصي مقدم على فعل الطاعات كما يراه بعض
الفقهاء, فكلاهما يحتاج من المؤمن الصادق إلى جلد
وصبر, وعلى هذا فقد فرض الله علينا الصوم للصبر
والإمساك, فغض البصر وكف الأذى وإمساك اللسان وحفظ
الفرج وكظم الغيظ وإيثار الغير على النفس والنهي عن
المنكر, كلها خصال تحتاج إلى معاناة وصبر, وإذا كان
ترك المعاصي والاقبال على الطاعات يحتاج كل منها إلى
صبر وجلد, حتى أن الله -تبارك وتعالى- قال في وصف
المحافظة على الصلوات ؛ûواستعينوا بالصبر والصلاة
وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (سورة البقرة,
الاية44).. والله -تعالى- يُعطي لكل حسنة جزاءها
ويضاعف لمن شاء حتى إذا ذكر جزاء الصابرين, قال ؛ûإنما
يُوفى الصابرون أجرهم بغير حساب(سورة الزمر,
الآية11).