|
سورة الحجرات انموذج انفردت الآداب القرآنية عن الآداب التي أتت بها
الأديان السابقة برسوخ أسسها الأخلاقية خطابا وتوجيها,
وعمق أصولها العقائدية بلاغا وسلوكا حتى وضعت أوامر
الله سبحانه وتعالى وتعاليم رسوله غ في قواعد الحق
والعدل موضع التنفيذ, لتكشف عن منهج أخلاقي راقٍ,
ونظام تربوي عالٍ, يأخذان بالفرد والمجتمع إلى معابر
العمل الصالح وسبيل الحبّ والخير في مصاف التقوى
والهدى والسداد.. وسورة الحجرات مدنيّة وهي على قلة آياتها حيث لا
تتجاوز ثماني عشرة آية, سورة جليلة ضخمة تتضمن حقائق
كبيرة من أمور العقيدة والشريعة ومن حقائق الوجود
البشري وتشمل مناهج التكوين والتنظيم وقواعد التربية
والتهذيب وأصول التشريع والتوجيه وأسس المدنيّة
والأخلاق حتى سماها بعضهم بـ"سورة الأخلاق".
الدكتور ؛ مشكور العوّادي
لقد سميت هذه السورة الكريمة بالحجرات لأن الله سبحانه
وتعالى ذكر فيها حجرات النبي -غ- وهي منازله الكريمة
التي كان فيها أزواجه الطاهرات, وقد أشارت إلى وفد من
بني تميم حين قدموا على رسول الله -غ- في عام الوفود
وكانوا أعرابا جفاة فنادوا من وراء حجرات أزواج النبي
-غ- المطلة على المسجد النبوي الشريف, نادوا؛ يا محمد
أخرج إلينا فكره النبي هذه الغلظة والجفوة, لذا نزلت
هذه السورة لتعلم الناس محاسن الآداب تنبيها على قدر
الرسول الأعظم فقال تعالى؛ إن الذين ينادونك من وراء
الحجرات اكثرهم لا يعقلون, ولو أنهم صبروا حتى تخرج
إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم. وقد جاء في هذه السورة خمسة نداءات بلفظ الإيمان يا
أيها الذين آمنوا وجاء فيها نداء واحد بلفظ ûيا أيها
الناس لأن الخطاب كان عامّا للمؤمنين والكافرين وذلك
في قوله عزّ وجل؛ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر
وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند
الله أتقاكم, إن الله عليم خبير. ابتدأت هذه السورة بتوجيه المؤمنين إلى احترام أوامر
الله وأوامر رسوله وألا يبدوا رأيا أو يقضوا حكما أو
يبرموا أمرا قبل أمر الله وأمر رسوله, فإن ذلك من أسس
الإيمان, ثم تناولت الآية أدبا آخر مع رسولنا الكريم
-غ- خاصة هو ألا يرفعوا أصواتهم في حضرته, تعظيما
لمقامه الشريف وتوقيرا لجلالة قدره فهو رسول الله
الرحمة المهداة إلى العالمين. ومن الأدب الخاص مع الرسول إلى الأدب العام مع
المؤمنين , تنتقل السورة لتوجيه الأنظار إلى وجوب
التثبت من الأخبار وألا يتلقفوا الأنباء على أنها
حقائق مؤكدة , لذلك جاءت الآيات تأمر بالتثبت من مصدر
الأنباء والأخبار لا سيما إذا كانت من فاسق أو فاجر ,
ثم تنتقل السورة إلى صيانة المجتمع الإسلامي من عوامل
التفكك والخصام ودرءا للشرور والآثام وإقرارا للحق
والعدل والسلام تأمرنا آياتها الكريمة بالإصلاح بين
الفئات المتخاصمة وصولا إلى ردع الظالم وكفّه عن ظلمه
حتى ولو أدى ذلك إلى قتال الباغي, لأن البغي فساد في
الأرض واعتداء على العدل الذي يأمر الله به.. وبعدها تنتقل السورة لتقيم دعائم المجتمع الفاضل على
أسس أخلاقية متينة من الحب والخير والوئام فتأمر
بصيانة كرامة الفرد وتنهي عن السخرية والهمز واللمز
بأحد من المؤمنين لأنهم يجب أن يكونوا وحدة متماسكة
كأعضاء الجسد الواحد, وهذه هي الأخوة الإسلامية التي
يجب أن يعي المسلمون مضمونها وحقيقتها ومآلها في كل
زمان ومكان.. وتطهيرا للضمير من أن يتلوث بالظن السيىء فيقع في
الإثم تأمرنا السورة باجتناب الظن السيىء بالآخرين
ليظل المجتمع نقيّا بريئا من الهواجس والشكوك وتنهى عن
التجسس لكشف العورات وتتبع الهفوات, وتحذر من الغيبة
التي تهدم بنيان المجتمع, يجيء النهي في تعبير عجيب
يبدعه القرآن إبداعا ويصوره على نحو تنفر منه النفوس
حتى ولو كانت ضعيفة الشعور والاحساس, وهو تمثيل شديد
المناسبة جدا لأن الاغتياب هو ذكر مثالب الناس وتمزيق
أعراضهم وتمزيق العرض مماثل لأكل الإنسان لحم من
يغتابه لأن أكل اللحم فيه تمزيق لا محالة وأما قوله
تعالى؛ لحم أخيه ميتا لأن المغتاب لا يشعر بمن
يغتابه ولا يحسّ بالغيبة كما لا يحس الميت بشيء. وقد قال النبي -غ- فيما رواه مسلم معرفا الغيبة بقوله
؛<أتدرون ما الغيبة؟ قالوا ؛ الله ورسوله أعلم, قال؛
ذكرك أخاك بما يكره, قيل؛ أفرأيت إن كان في أخي ما
أقول, قال؛ إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته, وإن لم يكن
فيه فقد بهتّه ؛أي كذبت وافتريت عليه. وقد نقل المفسر القرطبي في تفسيره عن اجماع المسلمين
على أن الغيبة من كبائر الإثم. ثمّ يختم الله سبحانه هذه الآيات بقوله؛ ûواتقوا الله
إن الله توّاب رحيم فمن يتق الله ويجتــنب ما نهى
عـنه ويقلع عن فعل هذه الصفات المذمومة فإن الله يقبل
التوبة عن عباده وهو رحيم يرشدكم إلى صلاحكم وخيركم
ونجاحكم. وبعد ذلك انتقل الخطاب القرآني إلى الناس جميعا في آية
لا تزال النبراس في التمايز بين الشعوب وهي تعد الحجر
الأساس للسلام العالمي قال تعالى؛ يا أيها الناس إنا
خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا
إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إذ يدعو الله سبحانه الناس جميعا ولا يدعو شعبا بعينه
مبينا أصلهم الأول وهو آدم وحواء, وإذا كانوا من أب
واحد وأم واحدة فلا محل لأن يدّعي بعضهم العلو على
بعضهم الآخر من ناحية الجنس أو من ناحية اللون. ثم يأتي الشرط الأخير من الآية ليقضي على رواسب
العصبية القبلية التقليدية في النفوس من ادعاء كل شعب
بأنه أحق بالزعامة والكرامة وكذلك في محيط الأسر التي
تتفاخر بالأنساب والأمجاد والغني, وعندها يكون التفاضل
بينهم على أساس أعمالهم الصالحة وما يتحلّون به من قيم
خيّرة. وفي هذا المعنى قال رسولنا الكريم -غ- في حجّة الوداع؛ يا أيها الناس؛ إن ربكم واحد وأباكم واحد ألا لا فضل
لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر
ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى رواه الإمام أحمد. ثم تنتقل السورة للحديث عن الأعراب الذين ظنوا الايمان
كلمة تقال باللسان ثم جاءوا يمنّون على النبي -غ-
إيمانهم ونسوا أن الايمان قول وفعل وعمل وجهاد في سبيل
الله وتضحية بالنفس والنفيس وليس مجرد دعوى يدعيها
الإنسان , لقد نزلت هذه الآية وما بعدها في أعراب بني
أسد بن خزيمة الذين قدموا على رسول الله -غ- في سنة
مجدبة وأشهروا الشهادتين يقولونها بألسنتهم , وليس في
قلوبهم.. وكانوا يقولون؛ أتيناك بالأثقال والعيال, ولم
نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة وجعلوا
يمنّون عليه.. فالإيمان الحقيقي كما بينه سبحانه هو تصديق القلب
بوجود الله ونبوة محمد -غ- تصديقا لا يخامره شك ولا
ريب وتكون ثمرته الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله. ثم يعـود القرآن إلى مخاطبة هؤلاء الذين ادعوا الايمان
وهم بعيدون عن حقيقته , قال تعالى؛ قل أتعلمون الله
بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله
بكل شيء عليم. أي تخبرون الله بعقيدتكم وتقولون آمنا والإيمان شعور
في القلب يصدقه العمل, ولا يعلم ما في القلب إلا الله
الذي يعلم كل ما في السموات وكل ما في الأرض والله
محيط علمه بكل شيء. لقد مــنّ هــؤلاء الأعراب على النبي -غ- بإسلامــهم
فجــاء الــرد بألا يمــنّوا لأن إسلامهم لا تعــود
ثمرتــه إلا على أنفسهــم بل المنّة لله تعالى عليهم
حيث هداهم إلى الإيمان الذي فيه سعادتهم فإن كانوا
صادقين في دعواهم فقد اهتدوا بهداية الله إياهم وإن لم
يكونوا صادقين فلا معنى لهذه المنة فحقهم أن يخجلوا من
أنفسهم. وتأتي خاتمة هذه السورة نتيجة منطقية لفاتحتها فقد قال
سبحانه في فاتحتها؛ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا
بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم. وقال سبحانه في خاتمتها؛ إن الله يعلم غيب السموات
والأرض والله بصير بما تعملون <الآية 18>. فالله الذي يعلم غيب السموات والأرض هو بلا ريب يعلم
تصرفات الإنسان وأعماله ويعلم ما تكنّه القلوب وما
تخفيه النفوس فما على الإنسان إلا الاستجابة لأنها من
مقتضى الايمان, وما أجمل ما قاله ابن مسعود ؛ إذا سمعت
الله يقول؛ ûيا أيها الذين آمنوا فأعرها سمعك .
وخلاصة القول؛
إن الخطاب القرآني في هذه السورة الكريمة قد أبان عن
أسس أخلاقية جليلة جاءت لتنظم حقائق كثيرة من أمور
العقيدة والتشريع, وتقعّد لثوابت مهمة في التربية
والتهذيب, فضلا عن هذه وتلك -من منظور الأسلوب
والتواصل- إنها جاءت مفعمة بالأحداث الرسالية, متماسّة
والوقائع النبوية, لتكون الدروس المستقاة, والتعليم
المستفادة عندها من هذه الموارد الأخلاقية الطاهرة
والمنافذ التربوية النبيلة , ممكنة وبيّنة في تحقيق
الخطاب القرآني لمقاصده العالية.
الهوامش
ينظر في تفصيل ذلك؛ ـ الجامع لأحكام القرآن لأبي عبدالله محمد بن أحمد
القرطبي. ـ إيجاز القرآن في سور القرآن للصابوني. ـ روح القرآن العظيم , (تفسير سورة الحجرات) ؛ عفيف
عبدالفتاح طبارة.
|