السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
في البداية أشكركم على هذا المجهود الرائع في هذا الموقع الأكثر من رائع، جعله الله في ميزان حسناتكم إن شاء الله، مشكلتي هي مع ابني زياد الذي يبلغ من العمر 4 سنوات و3 أشهر، وهي باختصار أنه بعيد عني جدًّا وذلك منذ أن انتقلنا للعيش مع أسرة زوجي -منذ عامين- في نفس العمارة، ولكن الشقق منفصلة، فقد كنت أذهب للجامعة وأتركه مع أبيه الذي كان يأخذه لجدته دائمًا طوال السنتين، والله وحده يعلم أن هذا لم يضايقني في شيء فهي جدته، وأنا أريده أن يتعلق بها.
ولكن المشكلة هي أنه أصبح يبعد عني ولا يريد أن يذهب للبيت، وعندما يكون عندهم وأطلبه أو حتى هم يرسلونه يبكي ويصرخ ولا يريد أبدًا أن يأتي لي، حتى إنه أصبح لا يريد أن يسمع كلامي وأصبح كل شيء بابا بس، حتى إنني مرة كنت عند جدته معه ووقع فذهبت لآخذه في حضني، ولكنه ذهب إلى جدته.
أنا الآن أتممت دراستي والحمد لله وذلك منذ سنة ومتفرغة له طوال هذه السنة، وأحاول باذلة كل ما في وسعي أن أتقرب إليه، ولكن بدون أي تقدم، مع العلم أنه ذو شخصية قوية ومستقلة من صغره، مع العلم أيضًا أنني كنت طوال فترة الدراسة أتقرب له وأحاول أن يتقرب مني وأن نكون على علاقة جيدة معًا، ولم أبعد عنه سوى فترات خروجي للجامعة التي لم تتعدّ ثلاث مرات في الأسبوع، وكما أنني أدخلته حضانة لكي يختلط بالأطفال ويلعب معهم؛ لأنه لم يكن لديه أخوات، وأنا الآن معي طفلة عمرها 6 أشهر، وهو الحمد لله على علاقة جيدة بها ويلعب معها ويحبها فأنا ووالده نعمل على ذلك.
أرجوكم.. أفيدوني في مشكلتي فأنا الآن في حالة سيئة للغاية حتى إنني في بعض الأحيان أجلس وحدي أبكي؛ لأنني دائمًا كنت أتمنى أن تكون علاقتي بابني قوية، ولا أعلم ماذا أفعل لأستعيده، مع العلم أنني قرأت كل المشاكل المشابهة لمشكلتي، ونفذت ما بها من حلول، ولكن دون جدوى، وجزاكم الله كل خير، ومعذرة على الإطالة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أختي الكريمة.. وشكرًا جزيلاً لثنائك الرقيق وإعجابك بما نقدم على صفحتنا، وهو ما نأمل أن يكون بداية لتواصل مستمر ودائم بيننا نعاونك فيه على تربية أبنائك وتمدينا من خلاله بملاحظاتك وخبراتك وتجاربك.. فصفحتنا لزوارها بهم ومنهم ولهم.
ولقد أثرت رسالتك في نفسي كثيرًا يا عزيزتي، فمن الصعب حقًّا على نفس الأم أن تحرم من شعورها باحتياج طفلها لها رغم كونه قطعة منها، ورغم احتياجها لأن تشعر بارتباطه بها دون غيرهما من الأطراف، ولكن هوِّني على نفسك فما رويته من ظروف يجعل تلك النتيجة أمرًا طبيعيًّا جدًّا، فالطفل يدين بالولاء لمن يرى منهم الاهتمام ويعيش معهم بسعادة، ويشعر معهم بالإيناس والألفة، ولكن المطلوب هو أن تدخلي إليه في عالمه وتشعريه بنفسك وبدورك، وبما يمكن له أن ينعم به في كنفك من سعادة ليعود إليك.
صحيح أن وجود طفلة أخرى يصعب عليك فعل كل هذا لالتفاتك للعناية بها، ولكن لا بد أن تجتهدي لاسترداد طفلك، وما سيكون مختلفًا عما قرأته سابقًا على صفحتنا من مقترحات للتغلب على مشكلات مشابهة هو أن ما سأنصحك به ليس لجذب طفلك إليك بقدر ما هو لاقتحامك أنت لعالمه، فلو دخلت إلى عالمه ورأبت الصدع الذي بينك وبينه، وأقنعته بمدى حبك له واحتياجك إليه وحرصك عليه وسعادتك به وبمن يحبونه، فإنك حتمًا ستلمسين تغيرًا في علاقته بك واقترابًا منه إلى حضنك، ولكن احذري أن تشعريه بالتدليل أو بالتغاضي عن أخطائه أو غير ذلك من مشاعر قد تتصاحب مع رغبتك في استعادته فتجعله يزيد في تمنعه، ويبالغ في الدلال ما دمت تحاولين استرضاءه بكل قوتك، وهذا ما لا ينبغي نهائيًّا أن يشعر به، بل إن ما نريد أن يحدث هو إصلاح ما أفسده افتراقكما أثناء الدراسة، والعمل على معالجة أي جراح تسبب فيها هذا الفراق.
وتعالي إلى المقترحات العملية التي هي مجرد محاولة لاستفزاز ابتكاراتك أنت أيضًا لاستعادة طفلك:
1 - حاولي التواجد بشكل كثيف عند بيت جدة الطفل معه، وقولي له مثلاً كل صباح "هيا بنا نذهب لتيتة؟ نلعب عندها قليلاً. ونفطر معها".. واذهبي معه إلى هناك ليرى أنه لا مشكلة في أن يذهب هناك، وأن هذا شيء لا يغضبك، بل إنك تقبليه وتحبيه وإنك تحبين الاندماج مع هذه الأطراف.. والعبي معه هناك، واضحكي مع الموجودين وتبادلوا الأحاديث.. وتعاملي معه هناك ليس على أنك أمه، بل على أنك صديقته التي تلعب معه، ولا تحاولي إجباره على الاعتناء به حتى يطلب هو منك ذلك، وعند خروجك من عند الجدة يمكن أن تخرجا معًا إلى البقالة أو متجر مجاور لشراء شيء معًا، ثم تعودا للبيت معًا وقد اشتريت له حلوى ما أو لعبة أو هدية أو حتى بالونة، ثم تعودان للبيت معًا.
2 - اتفقي مع زوجك أن يعاونك في هذه المسألة، وأن يظل يحدث طفلك عنك بصيغة (ماما حبيبتنا)، فمثلاً (ماذا أعدت لنا ماما حبيبتنا اليوم من طعام؟؟)، وحينما يصطحبه إلى مكان ما كالمسجد أو متجر أو أي مكان يقترح عليه أن نشتري لماما هدية في طريق العودة (وردة مثلاً أو قطعة علكة)، أي شيء يشعره من خلاله ارتباطه بك وحبه لك ورغبته في إسعادك ويحثه على ذلك، وحينما يكون معكم في المنزل احرصي على الجلوس جلسات عائلية لطيفة تلعبون جميعًا معًا بالمكعبات أو بالصلصال أو حتى بكُرة صغيرة، بحيث يشعر الطفل بالتناغم بين كل أطراف الأسرة ويحب البيت ويشعر بذوبان الأحزاب التي يعتقد أنها قائمة داخل الأسرة.
3 - اذهبي مع طفلك في رحلات خاصة بكما دون الصغيرة، ولتكن رحلات قصيرة لا تتعدّ الساعة.. واذهبا إلى مكتبة عامة أو حديقة قريبة أو متجر، وحاولي أن يكون ذلك يوميًّا ما أمكن، ومن الأفضل تحين هذا في أوقات نوم الصغيرة.. واقترحي عليه شراء هدية للجدة في أثناء العودة أو اشتريا لها بعض طلبات منزلها، وصرحي له كثيرًا أنك تحبينها؛ لأنها اعتنت بطفلك أثناء انشغالك، وأنه لولاها لم يتعلم كذا وكذا.. بحيث يشعر أنها ليست سبة في جبينك أن تركته لجدته وألا تخجلين من ذلك، وأنه لولا كونها جدته لما تركته لديها، وأنك تحبينها لأنها تحبه.. فتتناغم الذكريات في قلبه ولا يستشعر أنك وجدته قطبان متنافران تتنازعان عليه، بل إنكما تتعاونان للعناية به وإسعاده.
4 - احرصي على القراءة له، فتلك عادة تنمي أواصر المحبة والألفة مع الطفل وتيسر سبيلاً ممتازًا لبثه العديد من المعاني والقيم وقواعد السلوك، وكذلك قصة قبل النوم لها دور رائع في التربية والتهذيب والتواصل مع الطفل.
5 - لا بد أن تحاولي الاستفادة من وجودك مع ابنك طوال اليوم في تقوية أواصر العلاقة بينكما، والأفكار للاستفادة من التواجد مع الأطفال وإمتاعهم والاستمتاع بهم كثيرة تجدين نماذج منها فيما يلي:
6 - كلما هممت بحمل أخته قولي له وأنت صغير مثل أختك كنت أحب حملك وتقبيلك كثيرًا، وكنت أفعل كذا وكذا.. أنت كنت جميلاً وأنت صغير.. وشاهدي معه صوره وهو صغير واحكي له عن نفسه وعن حبك له منذ رأيته، وهكذا...
وأخيرًا يا عزيزتي.. أوصيك بالدعاء له كثيرًا ولأخته أن يجعلهما الله بك وبأبيهما من الأبرار، وأن يرزقهما رضاك عنهما، وتأكدي أنه بصلاح نيتك في تربيتهما فلن يبعدا عن حضنك أبدًا وسيكونان لك دومًا قرة عين.. أرجو أن أتلقى متابعتك في أقرب فرصة مدعومة بملاحظاتك على المقترحات وجدوى تطبيقها ومدى استفادتك منها.. وإلى هذا الحين أستودعك رعاية الله وشكرًا جزيلاً لك.
وإلى كل زوارنا.. شاركوا بآرائكم وتجاربكم حول نفس الموضوع عبر بريد صفحتنا:
tarbia@islamonline.net
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..