بدأت مشكلة طفلي (6 سنوات) من سنته الثانية والثالثة حتى وصل إلى أنني لا أستطيع السيطرة عليه، يتبول لا إراديًّا يأخذ دواء للنشاط المفرط خلال المدرسة؛ لأنه إذا لم يأخذه اتصلوا بي للذهاب وأخذه، حيث إنه لا يستطيع التركيز في الدراسة أو الكتابة بالرغم من شدة ذكائه.
مع العلم أنني عملت له كافة الفحوصات اللازمة ومن بينها فحص الدماغ ودرجة الذكاء، وهو دائمًا يتهمنا أننا لا نحبه أو أننا نحب إخوانه أكثر منه، مع العلم أنه لا يستطيع اللعب مع أي أحد لشدة عدائيته، ولا أعرف لماذا؟ هل بسبب أن والده كان يعلمه منذ طفولته ألا يدع أحدًا يضربه، وبالتالي لا يستطيع الآن أن يكون أي صداقات؟
الجميع يشتكي منه حتى العاملات في المنزل لدي لا تبقى الواحدة أكثر من شهر أو شهرين على الأكثر بسببه، أنا متفرغة له ولإخوته، لدي بنت عمرها 4 سنوات وولدان آخران غيره، وأحمد يكره أخته كثيرًا، ولا يدع أي فرصة بدون ضربها، وهي عكسه هادئة جدًّا ومسالمة، والده من النوع الذي يحبه، لكن لا يجلس معه أو يحدثه بهدوء أبدًا، فإما أن يلعب معه بخشونة أو إذا أخطأ عاقبه بالضرب أو الصراخ.
مستواه الدراسي مقبول، ولكن الجميع يقول لو أنه يستطيع التركيز لكان ممتازًا بسبب ذكائه العالي، يقضي فترات طويلة أمام التلفزيون وربما هذا الخطأ مني أنا، ولكني مرهقة جدًّا ولا أدري ماذا أفعل معه، عندما أنزله إلى حديقة المنزل أراه دائمًا وحيدًا، وكل الأطفال يلعبون معًا إلا هو، ماذا أستطيع أن أفعل له؟
أنا لا أريد له أن يستمر بأخذ دواء النشاط المفرط، مع العلم بأنني لا أعطيه له خلال العطلات المدرسية، أرجوكم أفيدوني، للعلم أنا ووالده على خلاف مستمر بسبب طريقتنا المختلفة في كل أوجه الحياة وأولها كيفية تربيتنا للأطفال، ماذا نستطيع أن نفعل لكي نتأقلم معًا لصالح طفلنا؟
سيدتي الفاضلة، أهلاً بك ومرحبًا، في سياق كتابة الرد كان التصفح للوقوف على المقالات المنشورة على الإنترنت بطريقة مبسطة يمكن أن تضيف لك معلومة أو تقدم فكرة معينة، ومع مشاهد المعاناة المتكالبة التي وجدتها برسالتك بدءًا من طفلك الذي جعل الله نشاطه الزائد اختبارك وبلاءك في الدنيا (الممحص بإذن الله)، ومرورًا بصعوبات تعليمه وترويضه، وانتهاء بخلفية هذا المشهد وهو اضطراب علاقتك بزوجك الذي ذكرت لنا جزءًا منه حول اختلاف أسلوبكما في التربية.. وسط هذا وقعت هذه الكلمات المنشورة في مقال للدكتورة د. رابية حكيم اختصاصية الطب النفسي للأطفال وهي تصف هذه المعاناة بقولها: "المشاكل السلوكية في الـ ADHD (اختصار تعريف كثرة النشاط الحركي وقلة الانتباه Attention Deficit Hyperactivity Disorder)عادة ما تظهر قبل سن سبع سنوات. وكثير من المدارس لديها أطفال يعانون من هذه المشكلة، لكن المشكلة الكبرى هي أن قلة من المعلمين لديهم المعلومات الكافية عنه، وعن كيفية التعامل مع الطفل.
فالأطفال الذين يعانون من كثرة النشاط الحركي ليسوا أطفالا مشاغبين، أو عديمي التربية، لكن هم أطفال عندهم مشكلة مرضية لها تأثير سيئ على التطور النفسي للطفل وتطور ذكائه وعلاقاته الاجتماعية. ويواجه أهل هؤلاء الأطفال صعوبات كثيرة، فبالإضافة إلى المجهود الكبير الذي يبذلونه في التعامل مع هذا الطفل، هم متهمون من قبل الجميع بعدم قدرتهم على التربية، وهذا بحد ذاته ضغط نفسي إضافي. فينتج عن ذلك قسوة على الطفل، ولكن لا فائدة" وينتهي كلامها.
وأذكر لك أيضًا جزءًا من خبر عن دراسة حديثة بينت في بريطانيا أن النساء اللاتي يعانين من القلق أثناء فترة الحمل تضاعف لديهن فرصة ولادة أطفال يعانون من فرط النشاط.
وقال الخبراء: إن التفسير الوحيد لهذه الظاهرة هو أن الأمهات القلقات يفرزن كميات أكبر من هرمون الضغط النفسي كورتزول الذي يخترق المشيمة ويؤثر على الجنين.
يُذكر أن الذكور أكثر عرضة للإصابة بالنشاط الزائد، وأن المعدل يصل إلى واحد من بين كل 20 ولدًا. ولكن بالنسبة للسيدات اللاتي يصبحن شديدات القلق أثناء الحمل فقد يزيد هذا المعدل واحدًا من بين كل عشرة أولاد، طبقًا للباحثين في كلية إمبريال في لندن.
سيدتي الفاضلة، لا أقصد من هذا (البحث) في مسببات ما يعانيه طفلنا، وإنما التركيز على نقطتين في غاية الأهمية لبدء الانطلاق نحو نمو أفضل لطفلنا.
الأولى تتعلق بتوتر العلاقة بينك وبين والده (أنا ووالده على خلاف مستمر بسبب طريقتنا المختلفة في كل أوجه الحياة وأولها كيفية تربيتنا للأطفال) فتوتر العلاقة عامل مثبط في تعديل سلوك الطفل جملة وتفصيلاً، فما يعانيه من سلوكيات غير مرغوبة تتمثل في:
- تبول لا إرادي -بالمناسبة يعتبر التبول اللإرادي أحد أشكال التعبير عن القلق والتوتر لدى الأطفال بعد استبعاد المسبب العضوي-.
- كذلك خشونته وعدائيته نحو الآخرين من الأطفال، وخاصة أخته؛ وهو ما جر عليه ضعف الصداقات.. كل هذا مرتبط بتدني صورته عن ذاته التي لا يجد من يبنيها له بصورة سليمة عبر التقبل والحب والحنان؛ فوالده مشغول عنه وإن حضر، فهو إما غاضب معتدٍ عليه بالضرب أو يرسخ عنده أسلوب العنف كإحدى آليات التواصل المشروعة بين الناس باللعب الخشن أو اعتماد العنف مقابلاً للعنف مع الآخر دون وجود دبلوماسية أخرى لفض المنازعات.
وأنت منهكة بين كلام الناس وعدم تقبل المجتمع له وبين خلافك مع زوجك وقلة عونه لك في التربية، وبين شفقة الأم المتحسرة على طفلها الذكي الذي يُجمع الجميع على إمكانية أن يكون أفضل. هل تراني يا عزيزتي أغفلت شيئًا.. أعرف ستقولين: الحل؟
- الحل يبدأ من عودة الوئام إلى حياتكما الزوجية ويمكن أن يكون الإخوة في صفحة مشاكل وحلول الشباب عونًا لك في هذا، لكن نفترض -لا قدر الله- أن هذا الوفاق قد تأخر فلا بد أن يقف خلافك أنت وزوجك عند حدود مصلحة أطفالكما، فعلى الأقل ألا يكون الخلاف أمامهم أو أن يشعروا به ما استطعتما لهذا سبيلاً، وأن تتفقا على أن تتوحد سياستكما في تربية أولادكما لينفذ فيها الرأي الأفضل لمصلحة الأولاد، فإن استطعتما هذا بالود بينكما فنعم وإلا لجأتما إلى التحكيم، وأعني أن تذهبا إلى الاختصاص في معالجة مثل حالة طفلك لتسألاه وتستشيراه ليكون الرأي رأيه فيما يتعلق بالطفل وليس رأي أحدكما؛ فالتربية العشوائية مشتتة ومعيقة لتقدم طفلكما على كافة المستويات (نفسية، ودراسية، واجتماعية، وعقلية.. وعددي ما شئت).
-
وصدقيني فإن مشكلات طفلك (التبول اللإرادي والعدائية ونقص الصداقات) ما هي بنسبة كبيرة في حالة طفلك إلا عوارض لهذه البيئة المتوترة التي يحياها، وستختفي بالتدريج مع استعادة الطفل لتقديره عن ذاته، وهذا الأمر قد فصلناه في معالجتين سابقتين سأوردهما لك بنهاية الرد، بالإضافة إلى معالجات سابقة حول علاج كل من هذه المشكلات على حدة (التبول الإرادي والعدائية ونقص الصدقات).
يبقى لنا ما يتعلق بالنشاط الزائد، ففيما يتعلق بالدواء فمن المعروف أن المنبهات العصبية من أكثر الأدوية استعمالاً في علاج العوارض المتعلقة باضطراب نقص التركيز. وإن بعض الأطفال من المصابين بهذا الاضطراب يتجاوبون مع هذه الأدوية. وقد يظهر تقدمًا دراسيًّا ملحوظًا يتمثل في زيادة التركيز والانتباه والجهود في العمل وزيادة كمية الفروض المدرسية ودقتها، وتراجع نسبة النشاط والاندفاع والتصرفات السلبية في التفاعلات الاجتماعية وانخفاض العدائية الجسدية والكلامية. لكن يبقى على كل عائلة أن تدرس إيجابيات تناول الأدوية وسيئاتها، فهذا التقدم ليس على إطلاقه مع كل طفل.
ويبقى الدواء عاملا مساعدا والتدخل السلوكي عنصرا مهما في علاج الأطفال المصابين بنقص التركيز والنشاط الزائد. بما يتضمن من إستراتيجيات مهمة من استعمال التعزيز الإيجابي وتعليم حل المشاكل والتواصل والمدافعة عن النفس، وستجدين تفصيل هذا في هذه الاستشارة:
- !!!فرط الحركة....عرض لأكثر من اضطراب
وإلى جانب هذا يبقى بعض التوصيات:
وهي تتعلق بالجهد المطلوب ممارسته مع الطفل بالبيت وخارجه لتعديل سلوكه من قبلك وقبل والده، وسيكون مفيدًا أن تقومي أنت ووالده (في الأوقات التي لا يكون فيها الوالد مجهدا ومرهقا) به لشغل وقت الطفل وتصريف طاقته العدائية لتحويلها من الهدم للبناء عبر ممارسة هوايات مختلفة يمارس أكثرها خارج البيت (رياضة أو مجموعة رياضات تمتص طاقته، بالإضافة للعب على آلة موسيقية...)، وذلك تبعًا للإرشادات التي سيوجهكما إليها الإخصائي النفسي والتأهيلي والتربوي الخاص بطفلك، فإن لم يكن هذا متاحا بمعنى عدم قدرتكما على استيعابه بأنفسكما فلا بد من إحضار مساعد (يفضل أن يكون ذكرا قوي البنية الجسدية التي تتلاءم مع إجهاد الطفل) لكما يكون بمثابة المدرس الخاص أو الرفيق الخاص بطفلكما على أن يكون له خلفية تربوية ونفسية ومعرفية عن طبيعة النشاط الزائد وأساليب التعامل مع الطفل، بحيث يقضي الطفل فترة الصباح في المدرسة ويكون هذا المشرف رفيقا له في الفترة المسائية يذهب معه إلى النادي لممارسة الرياضة واحتوائه في نشاطات تستوعب طاقته.
وإن كانت لديكما قدرة مادية فيمكنكما أيضا الاستعانة بمدرب رياضي متفهم لحالة الطفل بالنادي الرياضي ليدربه على رياضات مختلفة تستوعبه، وكذلك مدرس للموسيقى إن أمكن هذا.
وتبقى النقطة الخاصة بالتلفزيون، وهي ما لا أحبذ أن تتركيه أمامه لفترة طويلة بل لا بد من انتقاء المواد التي يشاهدها ومشاركته المشاهدة وإقامة حوار معه حول ما يشاهده لتكون المشاهدة جزءًا من نشاط.
أرجو أن تكون الإجابة وافية وشافعة للتأخير. وأهلا بك دائما.
والى كل زوارنا.. شاركوا بآرائكم وتجاربكم حول نفس الموضوع عبر ميل صفحتنا:
tarbia@islamonline.net
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..