بسم الله الرحمن الرحيم كتبت الاستشارة الأولى بعنوان: عائلة عنصرية جدا وسأوضح قصدي في هذه الاستشارة.
سؤالي هو لديّ ابنتان واحدة سنتان ونصف والثانية سنة. علاقتي مع أهل زوجي وخاصة حماتي ليست جيدة في غالب الأوقات، ولكنني أبقى أودهم وأواصل زيارتهم مع عائلتي دائمًا، وأنا أخاف جدًّا على بناتي؛ إذ ألاحظ بأن حماتي تتعمد دائمًا إغاظة الطفلة الصغيرة مثلاً: "أبوك حبيبي أنا، وهو ابني أنا"، وليس والدك على أساس المزاح، أو مثلاً أختك الصغيرة أحلى منك وأذكى منك بشكل يجعلها تسرح أو تبكي أحيانًا. أنت مدللة جدًّا. تقبيل الطفلة الثانية أمام الطفلة الكبيرة.
سؤالي هل تؤثر مثل هذه الأشياء على طفلة في هذا العمر أو في السنوات المقبلة؟ وكيفية التعامل مع هذه المواقف؟ وكيفية تعزيز ثقة الطفل بنفسه في جميع الأحوال وأمام أي كان.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
الأخت الكريمة..
شكرًا كثيرًا على تواصلك معنا للمرة الثانية، وإن ظلت هناك بعض النقاط الهامة التي لم توافني بتفصيلاتها، خاصة فيما يتعلق بطريقة تعاملك مع أطفالك في وجود الآخرين، ورد فعلك تجاه ما يصدر من تمييز ضد طفلتك بينك وبينها وبينك وبين الجدة، والمهم أيضًا معرفة هل التمييز بناء على تفضيل لون على لون أو ولد على بنت أو لصفات معينة في هذا الطفل أو ذاك.
وسأبدأ بسؤالك الأول: هل تؤثر هذه الأفعال على نور:
بالطبع تؤثر في اتجاهين:
أولهما حبها وارتباطها بهذه الجدة:
نحن بلا شك نحب دائمًا أن نعين الصغار على برّنا فلا نزرع كرهًا يحيل أو يصعب البر؛ ولهذا لك دور كبير في هذا الأمر. فلا تضخمي الأمر أمام طفلتك وتشعريها أن هناك ظلمًا كبيرًا، بل قولي إن جدتك تمزح معك.. إنها تحبك كثيرًا.. انظري إنها تقول لي إن نور بنت لطيفة وجميلة. كما يمكنك أن تشتري بعض الهدايا لطفلتك وتقولين إنها من جدتها؛ واصطحبي ابنتك لتشتروا معًا شيئًا للجدة. هذا يرقق قلب الجدة لا محالة، وربما كانت فرصة لتلطيف الأجواء بينكما وإفهامها بطريقة لطيفة أن "نور" صغيرة، ولا يمكنها تقبل هذا المزاح، فالصغار لبراءتهم يصدقون كل ما يقال لهم.
فلا تجعليها معركة، بل اجعليها محاولة لعقد صلح للعيش في سلام لاعتبارات عديدة، منها في حالتنا تلك أن الكبار خاصة أهل الزوج تؤثر علاقتنا بهم لحد كبير في طريقة تعاملهم مع أطفالنا، حتى وإن كانوا أطفالهم في ذات الوقت. والطفل بحاجة لحب أهله وتعلم برهم واستشعار السلام في العلاقات المحيطة به خاصة الأقارب؛ إذ إنه يتعلم من خلال هذه العلاقات الكثير من قيم الحب والبر والتعاون والتسامح. وهذا هو التعلم الحقيقي الذي يترجمه فعلنا، ويسري لعمق الطفل أكثر بكثير مما تفعله الكلمات.
ثانيهما تقدير الطفل لذاته:
لا شك أن صورة الذات لدى الطفل تتكون عبر تفاعلاته مع المحيطين به، والمحيطون هم الراسم الأول لهذه الصورة لدى الطفل خاصة الأب والأم؛ لأنهما مصدر الثقة والأمان لديه. فحتى إن كانت تتأثر نور ببعض من مزاح جدتها إلا أنه يظل بناء تقديرها الذاتي رهن بما تغرسينه أنت ووالدها فيها. وتجدر الإشارة إلى أن الطفل الذي لديه تقدير جيد للذات يرفض معاملته بطريقة غير لائقة لما يرى نفسه أهلاً له. فضلاً عن قدرته على التعبير عن رفضه لتصرف ما أو سلوك ما دون أن يجد صعوبة في ذلك، ودون اضطراره لقبول أي تصرف استجداء للحب المفقود أو عجزًا عن التعبير عن الرفض.
والذي يعنينا بالدرجة الأولى أن تقدير الذات يزرع بذرة بذرة عبر حياة الفرد وعبر التدريب لاكتساب كل ما من شأنه بناء صورة جيدة للذات، بما في ذلك التعبير والتواصل الإيجابي والقدرات والمهارات المختلفة. والثقة بالنفس إحدى النقاط المتضمنة في المفهوم الأوسع لتقدير الذات.
نور ما زالت في المرحلة الأولى لغرس بذور تقدير الذات عبر (الحب – التحادث الكثير – الاستماع لها – التشارك في اللعب والاهتمامات - التشجيع والدعم الإيجابي – تنمية مهاراتها وتعلمها للكثير من الأشياء خطوة خطوة – إعطاء مسؤوليات رعاية نفسها ومساعدتك في الأمور المنزلية وغيرها).
وسأفصل لك في بعض النقاط:
الحب:
- أخبريها كلما أمكن أنك تحبينها، وعبّري لها عن ذلك لفظيًّا (بالكلمات) وغير لفظي (المسح على رأسها - الابتسامة - الاحتضان - التقبيل)، وشجعيها على أن تبادلك هذا التعبير أثناء تواجدكم وحدكما، وأيضًا في وجود الأقارب أو الأصدقاء. فهذا يكون مدعاة لفخر الصغير بحب وتقدير واحترام والديه. وكذلك إشعارًا لها بالأمان.
التحادث:
أظهري لطفلتك أنك تستمتعين بحديثها.
- تحدثي معها حول كل ما يدور في عالمها من خلال كل ما يمكنك من وسائل (قصص - كتب - حكي - أحد يمر بكما - زيارة لمكان جديد أو حتى قديم - برنامج تليفزيوني – حلم رأيته - تخيل لابنتك...). اشرحي لها ماذا تفعلين ولماذا؟ ماذا تشعرين ولماذا؟ بم تفكرين؟ عبّري لها وساعديها على هذا التعبير. وهكذا تحدثي.
- تحادثك مع طفلتك يشعرها بالاهتمام والحب والتقدير ويساعدها أن تبني مفرداتها سريعًا وهو مما يؤثر كثيرًا في تقدير الطفل لذاته، خاصة إذا كان الأمر يحمل في ثناياه تدريبًا على تفهمها لمشاعرها ووصفها بدقة وإعطاء هذا الشعور اسمًا (متضايق – حزين - أشعر بملل – أشعر بسأم...)، وهناك بعض الكتب الصغيرة التي يمكن أن تعين في ذلك ويرسم فيها وجوه بتعبيرات مختلفة.
الاستماع:
- أنصتي لابنتك باهتمام.
- استماعك لابنتك يعني أن لديها شيئًا هامًّا يستحق الإنصات له، فاجعليها تفهم جيدًا أنك تريدين الاستماع لما لديها، فهذا ما نصنعه لأجل علاقة قوية مع طفلتنا الحبيبة، ولأجل اليوم الذي نتمنى نحن فيه أن يجيء أولادنا لنكون ممن يحبون الحديث إليهم.
- علّميها التواصل بالعين أثناء الحديث، انظري في عينها وعلميها أن تنظر فى عين من تحدث.
- واجهي ابنتك بكامل جسدك أثناء الحديث فلا تنظري بعيدًا عنها، ولا تديري ظهرك أو تنشغلي عنها مرددة كلمات تفهم منها طفلتك جيدًا أنك لا تستمعين بجدية لكلامها.
- لا تتعجلي ابنتك في الحديث فتقولي الكلام بدلاً منها أو تسكتيها بحجة أنك تفهمين وتعرفين ما تود قوله. فالطفل يتحدث ليستمع إليه وليظهر قدرته على استخدام ما تعلمه من مفردات ومفاهيم وأشياء جديدة.
- وساعديها بالأسئلة المفتوحة التي لا تكون إجابتها (نعم أو لا)، بل تدفع لمزيد من التساؤلات من قبلها والحوار الأطول والأمتع والأنفع لها.
الاندماج مع الطفل والتشارك في الأنشطة:
حاولي التشارك مع ابنتك في أنشطتها باعتدال، فمن المفيد أيضًا أن تتعلم قضاء الوقت بطريقتها دون الالتصاق تمامًا ودائمًا بك، ولكن ما أقصده هو وجودك معها في حياتها وفي اهتماماتها (اللعب معًا – التحادث معًا - الرسم معًا – الخروج معًا.. يساعد في ذلك النشاط الأسري المشترك في الرحلات – النزهات -...).
التشجيع:
- ليس فقط على النجاحات، بل على المجهودات والمحاولات، فاستخدمي الكلمات الإيجابية.. أثني على الشيء المحدد الذي فعلته ابنتك حتى تفهم المرغوب من الأفعال؛ فثناؤك على سلوك ما يدعمه ويثبته، ويفهمها بالتحديد المرغوب والمقبول من السلوكيات والأفعال، أي لا تشجعي تشجيعًا عامًّا واسعًا (أنت ممتازة)، ولكن قولي (رائع قد استطعت حمل الكوب بمفردك - نور استطاعت أن تضع الكتاب في موضعه...).
- انتبهي لنجاحاتها جيدًا وشجعيها بحماس (تصفيق – هتاف – تعليق شارة – رسم كاريكاتير – وضع لوحة على الحائط بإنجازاتها ومع صورة لنور...) على أن تعطي نور كامل الانتباه وقت التشجيع.
لكن لا تفرطي في التشجيع فيفقد قيمته ومصداقيته لدى الطفل، أي أنه تشجيع على تجربة ومحاولة محددة أو إنجاز أو سلوك محدد مفهوم من قبل نور.
المسؤولية:
- ساعدي طفلتك لتقوم بما تستطيعه بنفسها. اسمحي لها أن تأكل بنفسها وتنظف يديها، وتزر الأزرار وتفكها وغيره مما يمكنها القيام به بنفسها، بل اجعليها مساعدتك الأولى فنور يمكنها عمل الكثير (وضع الأشياء في مكانها – مسح المنضدة – كنس مساحة من الأرض - تقطيع الخيار – ترتيب اللعب – أعمال المناولة...) - هذا من أكثر ما يشعر الأطفال بقيمتهم. وأن لهم دورًا هامًّا مساويًا لدورنا فهو يحمل للطفل معنى ثقتنا في قدراته، وفي ذات الوقت فرصة لتنمية مهاراته وتعلمه المسؤولية والتعاون، بل يمنحه الأمان والثقة لتجريب الأشياء والمهمات الجديدة بإقبال أكثر وثقة أكبر في النجاح فيها، وعلى النقيض من ذلك حين نقوم للطفل بكل شيء حتى تلك الأشياء التي يمكنه أن يقوم بها بنفسه، فضلاً عن عدم إشراكه في أي شيء يخص الأسرة، فإن هذا يحمل له رسالة عدم القدرة والعجز وعدم الثقة، وبالتالي تدني القدرات والاعتماد المطلق على المحيطين، وعدم القدرة على رعاية نفسه أو المحيطين أو المشاركة أو التعاون، فضلاً عن نشأته مدللاً غير مُعَدٍّ للحياة الحقيقية.
علميها لغة التجربة والإنجاز:
- ساعدي ابنتك على زيادة إنجازاتها ونجاحاتها، ودعيها تجرب وتنجح في هدف صغير تلو الآخر. (اجعلي كلمة هدف من المفردات الهامة في حياة الطفل)، على أنه يجب علينا إدراك أن كل ما يحتاج الطفل تعلمه أو معرفته أو التمكن فيه يعتبر بالنسبة له هدفًا عظيمًا. (كالتمكن من التعرف على صور كتاب كامل – تزرير 4 أزرار في المرة الواحدة –رسم خط في ورقة -...) فمثلاً: القدرة على تقطيع الخيارة هدف عظيم حقًّا بالنسبة للطفل. لا بد أن يخطط له ويقسم لمراحل. فالخطوة الأولى لحقيق الهدف هو أن تعرف كيفية الإمساك بالسكين؛ الخطوة الثانية تقطيع الخيارة لجزأين؛ الخطوة الثالثة هي تقطيع الجزء لعدد من القطع الصغيرة (هذا ما يعرف في عالم الأعمال بالخطة).
- صدقيني هذه هي لغة الإنجاز التى نفتقدها جدًّا -حتى في عالم الكبار- فعلميها لطفلتك تكوني قد أهديتها طريقًا للسعادة والنجاح. ولا يهمنا الآن ماهية الهدف، ولكن ما يعنينا هو تعلم هذه اللغة ومفرداتها واستخدامها والتعود عليها.
- لا تحلي لها كل ما تواجهه من صعوبات، ولكن ساعديها أولاً على التعلم والتجربة بأمان، ثم حين تواجه صعوبة فيما بعد أكدي على أهمية التجربة (جربي – حاولي.. رائع محاولة جيدة – هل رأيت عندما جربت استطعت -...).
- ولكن دون أن تعرضيها لإحباطات متتالية؛ ولذا دعيها تقوم بما تقدر عليه وتجرب ما تبدي الرغبة في تجربته وزوّديها بما يمكنها من إتمام وإنجاز عملها جيدًا.
- تحاوري معها حول ما تقابله من صعوبة دون تقديم حلول جاهزة، بل ساعديها لتصل للحل من خلال حواركما واستخدام الأسئلة.
أبرزي نقاط القوة:
- نور في مرحلة بناء فعليك بصنع نقاط القوة وإبرازها.
- حاولي أن تشيري باعتدال إلى هذه النقاط في ابنتك؛ ولذا عليك قدر جهدك إفساح المجال لكثير من التجارب والأنشطة (مفردات كثيرة – حفظ ما تيسر من القرآن - قراءة –حكي – مطالعة صور – ألوان – عجائن – قص ولصق - ألعاب تركيبية – موسيقى – غناء - تمثيل – رياضة...).
- عليك بالتربية والتقوية المتوازنة (الجانب الروحي والأخلاقي - اللغة - الدافعية والإنجاز والمثابرة – العلاقات والصداقات...)، عليك بإضافة كل ما يخطر ببالك من قدرات نفسية وعقلية على أن تعلمي وتتأكدي أن كل شيء قابل للتعلم.
يبقى بعض النقاط التى أجملها لك:
* تجنبي المقارنة تمامًا بين طفلك وطفل آخر، فكل طفل بصمة إصبع لا تتكرر، وإنما المقارنة بين الطفل ونفسه بين إنجاز اليوم وأمس.
* المعتقدات نبوءات منجزة فاعتقدي في قدرة وكفاءة طفلتك تصلي لما تعتقدينه.
* عزّزي تقديرك لذاتك من خلال التنمية الذاتية وبناء قدراتك ومهاراتك وفهمك الجيد لنفسك (تفكيرك ومشاعرك)، وكذلك تعبيرك عن هذه المشاعر والأفكار. وتواصلك الإيجابي مع المحيطين، فالثقة مما ينقل لأطفالنا على غير وعي منا؛ ولذا فالتنمية لنا معًا.
* احترامنا الحق لأطفالنا يجعل الآخرين يحترمونهم، بل الأهم أنه يجعل الأطفال يحترمون أنفسهم ويرفضون كل ما يتعارض مع هذا الاحترام للنفس.
* الطفل الذي نهديه التقدير الجيد للذات نهديه في الحقيقة السعادة والإنجاز والقدرة، ونهدي المحيطين به في الدائرة الأقرب والأبعد على حد سواء شخصًا قادرًا على الحب والمسؤولية والعطاء شخصًا يشعر أنه جيد فلا يفعل إلا الجيد ولا يقبل بأقل من الجيد!
الى كل زوارنا.. شاركوا بآرائكم وتجاربكم حول نفس الموضوع عبر ميل صفحتنا:
tarbia@islamonline.net
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..