منذ عامين وأنا أعاني مع طفلي –4 سنوات- وذلك بالذهاب به إلى الأطباء لاكتشافي أن لديه بعض السلوكيات غير الطبيعية، وكان عمره لم يتجاوز السنتين، وقد عملت له جميع الفحوصات والتحاليل، وكانت سليمة، وفى اختبار الذكاء قيل لنا: إنه يعاني من بعض صفات التوحد، إلا أن الأطباء الكثيرين الذين زرناهم في هذا التخصص اختلفت آراؤهم؛ البعض قال لنا: إنه طفل توحدي، والبعض قال: إن لديه اضطرابا وتأخرا في النمو فقط، وإنه لا يعاني من التوحد، وكذلك الاختصاصيون في التخاطب والعلاج السلوكي.. فأصبحنا في حيرة من أمرنا، وخاصة أننا نريد إدخاله الروضة حتى يختلط بأقرانه في مثل سنه، ولكن لا نعرف هل يجب علينا أن ندخله مركزا للتأهيل لذوي الاحتياجات الخاصة، أم روضة عادية؟ فقد أشار علينا بعض الاختصاصيين بهذا وبعضهم بهذا.
الأخت الفاضلة حنان.. أود هنا التفريق بين مصطلحين يُستخدمان غالبا كمترادفين -أي كأن لهما نفس المعنى-، ولكن الحقيقة أن هناك اختلافا بينهما، وهما "تأخر" و"اضطراب".
فكلمة "تأخر" تعني أن الشخص -وهو هنا الطفل غالبا- لديه تأخر في اكتساب مهارة أو أكثر، مثل المشي أو الكلام أو تناول الطعام أو التدرب على دخول الحمام، والتأخر يعني أن الطفل سوف يكتسب هذه المهارة، لكن بوقت أطول من أقرانه؛ أي أنه سوف يحتاج وقتا أطول مما يحتاجه معظم الأطفال في نفس العمر الزمني.
فمثلا هناك أطفال يكتسبون الصوت ( ر/ أو /س) مبكرا في عمر 3 سنوات فيما يبقى هذا الصوت مشكلا للبعض لعمر 6 أو حتى 8 سنوات، ولكنه سوف يكتسبه وتحل المشكلة.
أما مصطلح "اضطراب" فيعني أن اكتساب الطفل للمهارات يختلف عن التطور المتوقع للأطفال في عمره الزمني؛ أي أنه لا يكتسب المهارات بالطريقة التي يفعلها معظم الأطفال، بل إن معظمهم يحتاجون لمن يعلمهم -وهذا ما نعنيه بالتأهيل- كيفية أداء مهارة معينة.
والاضطرابات متنوعة، وكذلك أداء الأطفال تبعا لنوع الاضطراب الذي يعاني منه كل منهم؛ إذ هناك فرق بين تأخر في النمو واضطراب في النمو. وكذلك تختلف طريقة تعاملنا مع الطفل تبعًا لمشكلته. فالأطفال الذين لديهم تأخر نمو يمكنهم غالبا الاستفادة من وجودهم مع أطفال آخرين؛ حيث يمكنهم أن يصبحوا لهم قدوة في اكتساب المهارات.
أما الأطفال الذين لديهم اضطراب فالمشكلة لا تكمن فقط في الشك في إمكانية استفادتهم من الاختلاط بأطفال آخرين؛ لأن هذا أمر تحدده طبيعة وحدة المشكلة. ولكن الأهم أنه حتى الآن لا توجد لدينا في معظم أرجاء الوطن العربي رياض أطفال أو مدارس مؤهلة لاستقبال هؤلاء الأطفال، وجعل استفادتهم من الاختلاط بأقرانهم أمرًا مفيدًا لهم وليس العكس؛ وذلك لأسباب عدة:
أولها: عدم وجود كادر مؤهل للتعامل مع هؤلاء الأطفال، ثم النظرة الاجتماعية لهم، وعدم الوعي بمشكلاتهم وطبيعتها؛ بل وأحيانا رفض الأهل اختلاط أطفالهم بهؤلاء الأطفال؛ مما يسبب عبئا نفسيا عليهم، ويدعو الإدارات إلى عدم المغامرة بقبول هؤلاء الأطفال داخل مدارسهم.
إذن وكما ذكرت في رسالتك فإن "مازن" يعاني من مظاهر توحد، والتوحد هو اضطراب في النمو وليس تأخرا، فإن أفضل طريقة أنصحكم بها هي إما إيجاد روضة بها كادر مؤهل للتعامل مع أطفال التوحد، أو يمكن إدخاله روضة عادية مع إمكانية وجود مرافقة متخصصة في التعامل مع هؤلاء الأطفال؛ بحيث يمكن أن تكون هي العين المراقبة له وحلقة الوصل بينه وبين المعلمات والأطفال الآخرين.
ولكن أيضا هذا يعتمد على درجة الإصابة لديه وحِدَّة المظاهر والسلوكيات المصاحبة -يمكنك الرجوع لاستشارات سابقة وقراءتها بتمعن للمساعدة في تحديد درجة التوحد والمظاهر والسلوكيات المصاحبة-؛ وذلك لأن التوحد اسم جامع يشمل الإصابة من البسيط إلى الشديد، والمظاهر والسلوكيات المصاحبة كذلك. وهل الطفل لديه الحد الأدنى من المهارات الاستقلالية مثل طلب الذهاب للحمام وحده؟ وهل التعامل معه سهل من إطاعة أوامر لفظية بسيطة والثبات لفترة مناسبة في الصف، وعدم وجود سلوكيات إيذاء الغير مثلا بحيث نضمن سلامة الأطفال الآخرين؟… وغير هذه الأمور. هذا إذا كانت السلوكيات غير المرغوب بها بسيطة -وربما كان هذا سبب نصح البعض بإدخاله روضة عادية-.
أما إذا كانت السلوكيات التي وصفتها بأنها غير مرغوب بها أو غير طبيعية -وكنت أتمنى لو ذكرت أمثلة عنها- متوسطة أو شديدة، فقد يكون بحاجة إلى برنامج تعديل سلوك، وهذا لن يتوفر إلا في مركز تربية خاصة.
وبعض الأطفال تكون السلوكيات أو المظاهر التوحدية ظاهرة جدا لديهم، أما البعض الآخر فتكون بسيطة بحيث يختلط الأمر على الناس فلا يشخصونه بالتوحد في حين أنه يُظهر مظاهر أو صفات توحدية وهذا أيضا ربما يفسر اختلاف التشخيص.
ولا أريد أن أضيق عليك فسحة الأمل؛ ولهذا أرجو الرجوع لاستشارة سابقه لمزيد من التوضيح، فقد يكون هذا الطفل قابلا للتعلم، ولكنه في هذه السن الصغيرة، وكونه لم يتلقَّ أي تدريب بعد لتعديل السلوك والمهارات الاستقلالية، فلا يمكن الحكم على قدراته العقلية الآن، وكونه قابلا للتعلم أو التدريب أو أن التوحد لديه بسيط أو متوسط أو شديد أو مجرد صفات توحدية.
إذن الطفل بحاجة لبرنامج تدخل مبكر في هذه السن، ويجب أن يشمل البرنامج تدريبكم أنتم على كيفية التعامل معه وتقديم برنامج تحفيز منزلي له، وتدريبه كما سبق وذكرت على المهارات الاستقلالية التي لا يحسنها بعد، مثل: دخول الحمام، والأكل، والشرب، واللبس باستقلالية. ثم مهارات التواصل -والذي يعد أحد أضلع مثلث اضطراب التوحد الأساسية، وهي التفاعل الاجتماعي والتواصل اللفظي والتخيل-، ومن ثم المهارات المعرفية والأكاديمية وهكذا.
أرجو ألا أكون قد أثقلت عليكم بالمعلومات، ولكن أرجو المسارعة للتدريب حتى لا تضيع سنوات هامة من عمر مازن، يمكن استغلالها في إكسابه مهارات هامة له ولكم. مع صادق دعواتي لكم، ورجائي بموافاتنا بالتطورات والأسئلة كلما شعرتم بالحاجة لذلك.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..