الأستاذة الدكتورة الفاضلة الكريمة/ .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،، جزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وبعد.. فأنا خال لبنت عندها 15 سنة، وولد 13 سنة، وهما الاثنان أصحاب المشكلة، فمشكلتهما أن والدهما متوفَّى، ووالدتهما -وهي أختي- خرساء لا تتكلم، وتعمل بمهنة الخياطة، والبنت في الثالث الإعدادي، والولد في الأول الإعدادي، وهما يسكنان معنا في بيت جدهما وجدتهما في شقة واحدة.
والمشكلة أنهما إذا نادت عليهما أمهما أو جدتهما لا يسألان إلا بعد فترة إذا صرخت فيهما جدتهما أو أمهما، وكرَّرنا كثيرًا عليهما أن يردا على والدتهما وجدتهما ولكن دون جدوى، وأنا أعترف أنهما لم يتربيا التربية الصحيحة الإسلامية التي نرجوها لهما؛ نظرًا لأمية والدتهما وأنها لا تسمع، وجدتهما أيضًا أمية، ولا تعرف أصول التربية الصحيحة في هذه الأيام، ولكن هذه الجدة هي التي ربتنا جميعًا، وأنا نسيت أن أذكر لك أننا ستة أفراد 5 ذكور، وهذه البنت الوحيدة التي لا تتكلم، والتي أولادها هما أصحاب هذه المشكلة!، فنرجو منك يا أستاذتنا الدكتورة أن تعطينا بعض النصائح والإرشادات التي نستعملها مع هؤلاء الأبناء؛ لنحاول أن نعوِّض بعض الشيء من التربية التي فقدوها، لقوله سبحانه وتعالى: "فَاسْأَلُوْا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون". وجزاكم الله عنا وعن الأمة الإسلامية خير الجزاء، وسدَّدكم الله. وشكرًا.
أخي الكريم مصطفى، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
أهنئك على هذا الحرص على أولاد أختك الأيتام، وأجرك إن شاء الله عند الله تعالى، فقد بشَّر النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- من يربِّي اليتيم بقوله: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين"، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى، فما أعظمه من شرف أن ترافق النبي -صلَّى الله عليه وسلم- في الجنة، وأيضًا أن ترعى أرملة وفي الحديث: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالصائم الذي لا يفطر، وكالقائم الذي لا يفتر".
ما أعظمه من شرف يا أخي مصطفى الذي كرَّمك الله به أنت ووالدتك الفاضلة وأسرتك في رعاية هذه الأرملة التي لا تتكلم، وتحتاج إلى من يحميها ويحمي أيتامها،و يصبر عليهم؛ فاحتسب تعبك عند الله تعالى "إِنَّهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين".
إن مما يجعل أجرك إن شاء الله أكبر أن ترعى هذان الابنان (الولد والبنت)، وهما في أشد فترات حياتهما حرجًا وحاجة إلى العطف، والمساندة، والاستماع إلى مشاكلهم، فهذا سن البلوغ، ويكون فيه الأبناء أحيانًا عنيدين، ويرغبون بإثبات ذواتهم، ولفت النظر إليهم، خاصة إذا فقدوا الأب ورعايته (الذي فقدوه فعلاً)، والأم لا تسمع ولا تتكلم فكأنها غير موجودة بالنسبة لهم، وفي الوقت الذي يحتاجونها فيه يجدونها هي التي بحاجة إليهم دائمًا..
ويزيد صعوبة الحياة في أعينهم حينما يتعدَّد المربون، ويكثر الأشخاص الذين يوجهون لهم النقد، والسخرية، ومحاولات التأديب الصحيحة وغير الصحيحة في محاولات أيضًا للمحافظة عليهم، وحمايتهم، وتربيتهم حتى لا ينحرفوا لا سمح الله..
أخي الكريم.. هل أدركت الآن كيف يشعر هذان المسكينان؟ هل تفهم الآن سر تصرفاتهما التي قد تبدو لنا غير مسؤولة، أو تفتقد إلى البر من جانبهما لوالدتهما المحتاجة إلى الرعاية؟
إن للمراهقة خصائص وسمات وأعراض أشدّ من ذلك إزعاجًا حتى عند المراهقين الذين يعيشون في أسر مستقرة، وسنورد لك في نهاية بعض من معالجات الصفحة السابقة لمشكلات المراهقة وكيفية التعامل معها، وذلك بهدف مساعدتكم على مزيد من الفهم والتفهم لاحتياجات أبناء أختك، فهذا يا أخي الفاضل نصف الإجابة على طلبك حول النصائح والإرشادات التي يجب أن تستعملها مع هؤلاء الأبناء.
- ونأتي للنصف الثاني:
- علينا أن نرتِّب لهما حياتهما أولاً، فهل أنت خالهما الكبير المسؤول عن رعايتهما بدلاً من والدهما؟ فمن سيقوم مقام والدهما يجب أن يتحدد أمامهما، وأن يكون رجلاً حنونًا متعاطفًا يستمع لهم بصبر ويتفهم مشاكلهما ومتاعبهما، فهما في هذه السن يفكران كثيرًا وبقلق حول تغيرات جسدهما، وتفكيرهما وميولهما نحو الجنس الآخر، وتحديد قناعاتهما ونظرتهما إلى الحياة..
إنهما بحاجة لمن يرسم لهما الطريق بالإقناع والحنان لا لمن يفرض عليهما رأيه، وهذا يأخذ وقتًا مع المربي، وعليه أن يكون ثابتًا في أسلوبه معهما حتى يثقا به، وأن يحفظ أسرارهما، فهي عزيزة عليهما مهما نراها نحن تافهة.
- إن أولى خطوات التعامل معهما يا أخ مصطفى أن نتوقف عن نقدهما وإصدار الأوامر المستمرة لهما، وإنهاء الحديث عنهما بأنهما أيتام ومساكين؛ لأن هذا يكسر العزة في نفسيهما، علينا أن نعلمهما أنهما قويان بنفسيهما، ويمكنهما الاعتماد على ذواتيهما في اتخاذ القرار، وعليهما مسؤولية تجاه أسرتهما (جدتهما، أخوالهما، والدتهما) بأن يحيطا والدتهما بعنايتهما ومحبتهما، وأن يحترما رأي جدتهما، ويبرّاها، ويحسنا إليها.
- ويمكنك أن تعلمهما أنت بنفسك هذه المعاني -من خلال جلوسك المتكرر معهما وحدكما- كيف يتعاملان مع جدتهما بتقبيل رأسها ويديها، وشكرها على ما تقدمه لهما، وليكن لك معهما كل يومين أو ثلاثة سهرة خاصة مع كل واحد على حدة؛ لمناقشة مشكلاته وما يعانيه، وإن أمكن تقوم امرأة من العائلة بعقد صداقة مع الفتاة لإفهامها شؤون البلوغ ونصحها، أو حبذا لو استطعت أن تضمهما إلى دروس في المسجد، فهذا يريحك كثيرًا ويربيهما، خاصة إذا اصطحبتهما معك إلى الصلاة أو صلاة الجمعة، فخير ما يريح ويربِّي أن نعلق أبناءنا بالدروس والمساجد (بنين وبنات).
- واقترح عليك لإشعارهما بالاهتمام والتعاطف أن تزورهما في المدرسة للسؤال عنهما، ومن ثَم تشجيعهما على أي إنجاز مهما كان صغيرًا، ولا تطالبهما بالكثير من العلامات المرتفعة وغير ذلك، وتفهم مشاكلهما مع المدرسة، وتعامل معهما بمنتهى الحكمة، والاستماع، والتروي، واحترم رأيهما، وأشعرهما بقيمتهما، ودعهما ليشاركا الأسرة في السهرة، وفي الزيارات، وفي الرحلات.. فهذه نشاطات تفرح المراهق وتشعره بالثقة بنفسه وبأسرته. ويمكنك كما أظن أن تتفاهم مع والدتك (جدة البنت) أن تسعى إلى دعم ثقة البنت بنفسها من خلال تشجيعها على دروسها وعلاماتها، وتعلم مهارات جديدة كتصميم الأزياء –طالما أن أمها خياطة- أو الرسم أو صناعة الحلويات، وهكذا لنشعرها بأنها مهمة، ويمكنها أن تنجز شيئًا وتتميز.
ولا بد من الجلوس مع الإخوة، والتفاهم حول أسلوب العناية بأختهم وأولادها بحيث تضمن أن لا يضربا مثلاً، أو يسخر منهما أو يشتما أو يحط من قيمتهما بأي شكل، وتذكيرهم بأجرهم العظيم في رعاية هؤلاء المراهقين، وأن يكونا جميعًا كالإخوة لهم، يتعاملون بمحبة ودفء الأسرة، والتضامن، والنصرة، والتشجيع، والتعاطف.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..