تحية طيبة، وبعد.. كانت ولادة وجيه(8سنوات)، عسرة بعض الشيء، ولاحظنا تطور نموه العقلي مقارنة مع أترابه من خلال تأخره في تعلم المشي والنطق، ولدى وصولنا إلى المملكة قمنا على الفور بمراجعة مؤسسة متخصصة في النطق، وأعطونا تقرير يفيد بعدم وجود مشكلة جسدية في(الدماغ، الفم، الأنف، والنطق)، وطلبوا منا إخضاع الطفل لجلسات لتقويم طريقة اللفظ الخاطئ التي يعاني منها، فهو يقوم بإبدال وحذف بعض الحروف، ويظهر الخنف في حروف أخرى، وقمنا أيضًا بمراجعة مركز متخصص بتنمية المهارات الذهنية عند الطفل؛ لنعلم أن ولدنا متأخر في اكتساب المهارات الضرورية، ولديه مشكلة في التنسيق بين العين واليد، وفي كلا المركزين أعطونا أفكارًا عامة عن طرق مساعدة الطفل في تنمية قدراته الذهنية والحركية والنطقية، ولكننا وجدنا لاحقًا أننا ما زلنا بحاجة لمعرفة المزيد عن الطرق والسبل التي تساعد في هذا المجال، خاصة بوجود أخ صغير متفوق عليه في كل المجالات، وحبذا لو كان لديكم اقتراحات تفيد في هذا المجال. شاكرين ومقدرين لكم سلفًا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
سيدي الكريم.. أقدّر اهتمامك، وأتفهم المصاعب التي يواجهها الأهل في تفهم مشكلة أبنائهم عامة، وتلك النوعية من المشكلات خاصة، والوصول إلى من يستطيع إفادتهم حول طبيعة المشكلة وطرق حلها، وهو ما قد يأخذ الكثير من الوقت والجهد والذي يؤثر أساسًا على ما يمكن تقديمه للطفل، وربما يرجع ذلك في جزء منه إلى نقص المعرفة المتخصصة حول ما يتعلق بالتعامل مع العديد من المشكلات التطورية والنمائية، وصعوبة الوصول إلى تلك المعرفة كما هو الحال معكم، في حين استمر الاعتماد ولوقت طويل فقط على الأطباء في التعريف بهذا الأمر واكتشافه، بالإضافة إلى أن هذا المجال إجمالاً جديد في المنطقة العربية.
واسمح لي أن أستغل الفرصة للحديث عن أمر في غاية الأهمية -وآسفة لو بدى الأمر تطويلاً لا طائل منه لكم، لكنها فرصة أود استثمارها-.
فإن عملية الولادة -سبحان الله- عملية معقَّدة ولها تأثير بالغ في كل دقائقها على المولود؛ ولذا بات من المهم -تبعًا للتطور العلمي- متابعة المرأة منذ بداية الحمل وحتى قيامها بالسلامة، الأمر الذي يخفِّف الكثير مما كانت تعانيه النساء سابقًا.
ولكن ورغم التقدم العلمي تبقى لكل عملية حمل وولادة خصوصيتها وأهميتها؛ ولذا يجب على كل امرأة حامل (وطبعًا على الزوج والأهل) التعامل باهتمام بالغ في توفير الجو الصحي والنفسي المناسب للأم الحامل. وعند حدوث أي عارض مرضي أو أية مضاعفات ينبغي مراجعة الطبيب وبقاء الحامل تحت رعايته، وعملية الولادة كذلك ليست استثناء. كما أنه من الضروري عند حدوث أي طارئ أثناء الولادة مثل عسر الولادة أو نقص الأوكسجين، أو إذا كان المولود بوزن ناقص أو تعرض لتشنجات أو حرارة، وما إلى ذلك من تطورات بعد الولادة، فينبغي على الطبيب أن يبقي هذا المولود تحت المراقبة.
بل إن الطبيب ذو الخبرة والكفاءة المناسبة لا بد أن يتوقع أن هذا الطفل أو ذاك قد يكون عرضة لحدوث مشاكل مستقبلية، فيشرح للأهل أن هذا الطفل يجب أن يبقى تحت المتابعة لفترة معينة (مثل الأطفال الخدج، أو ناقصي الوزن، أو الذين يعانون من مشاكل بالرضاعة أو النوم)، وهؤلاء يطلق عليهم "أطفال تحت احتمال الخطر"، وهو ترجمة لمصطلح "At Risk"؛ وذلك لاحتمال تطور مشاكل تطورية لديهم، ونعني بتطورية أي تأخر باكتساب المهارات الحركية أو اللغوية أو أية مشاكل ذهنية.
كل ما يمكن أن نقوله "قدر الله وما شاء فعل"، فكل ما قصده أن أوضح أهمية رعاية الأم الحامل ووليدها، وهو ما يغفل عنه كثير من الأهل.
ونعود مرة ثانية إلى طفلك، فمن المعلومات التي أرفقتها في الاستشارة أعتقد أن طفلك قد تعرض لنقص الأوكسجين على الدماغ أثناء الولادة؛ وذلك لتعسرها وربما طولها، ونقص الأوكسجين في هذه اللحظات الحرجة يؤدي إلى إصابة بعض الخلايا والمناطق في الدماغ، وهو ما يؤثر على وظائفها مستقبلاً، ولا أدري هل قمتم بإجراء فحص للدماغ أم أن ما قاله لكم المسؤولون في ما وصفته بمؤسسه متخصصة بالنطق كان معتمدًا على ملاحظة أداء الطفل فقط. وكم كان عمر الطفل آنذاك، خصوصًا وأنك ذكرت بأنكم لاحظتم تأخر الطفل، ويفترض أن يكون ذلك منذ زمن (على الأقل منذ 4 - 5 سنوات)، أي منذ بدأ الطفل بعدم أداء مهارات يفترض بمن هم في سنه اكتسابها.
وعادة لا يتم تحديدًا معرفة المناطق المصابة بالدماغ، بل يعرف مثلاً أي ناحية من الدماغ وأي جزء، وهذا يعطي مؤشر للمختصين بأن المهارات اليدوية مثلاً متأثرة أو البصر أو السمع أو الكلام (إذا كانت الإصابة في الناحية اليسرى من الدماغ)، وكذلك يتم التقييم بملاحظة أداء الطفل، مثلاً: ما هي قدراته الحركية، واستخدام يديه واكتساب الأصوات، وهكذا…
وكما تصف حالة وجيه، فإنني أخمن بأن لديه مشكلة في التمييز بين الأصوات الأنفية والأصوات الفمية أو ما نسميه نحن طريقة إصدار الصوت، أما الإبدال فقد يكون تأخرًا في اكتساب الأصوات، وقد يكون مرافقًا لتأخر قدراته الذهنية، وهنا نعامل الطفل تبعًا لعمره الذهني وليس الزمني، فنتوقع منه أداء بعمر مثلاً 5 سنوات إذا كان عمره الذهني 5 سنوات، ولا نتوقع منه مستوى لغويًّا أو كلاميًّا بعمر 8 سنوات كما هو عمره الزمني.
كما أن مشكلة التنسيق بين العين واليد أو ما نسميه بالتآزر الحركي البصري، فيؤثر عليه قدراته البصرية والذهنية، ومستوى مهاراته الدقيقة أي طريقة استخدام اليدين.
سيدي الفاضل.. هذا معلومات وإن أطلت في سردها إلا أني حاولت أن أرسم لكم بها صورة عامة، حول ما يمكن أن نتوقعه من طفلنا، وما ينبغي أن نبني عليه تعاملنا معه.
وتأتي لما يحتاجه طفلكم:
بداية لا بد من الاستعانة بمتخصصين لتقديم العناية اللازمة لطفلكم، فيما يتعلق بتنمية مهارته الوظيفية، والنطقية، واللغوية، والحركية التي يحتاجها، وهي أمور لا تستطيعون أنتم في المنزل فقط أداؤها، بل يحتاج إلى تدريب متواصل، والتعاون بين المنزل والمركز الذي يتدرب به، وهذا يتطلب:
1 - إلحاق الطفل بمركز متخصص بتنمية المهارات في الفترة الصباحية، فهو بحاجة إلى زيادة المهارات الذهنية، على أن تكونوا واعين بأن لطفلكم قدرات معينة، وجل دوركم تهيئة الظروف والعوامل المساعدة التي تمكنه من الوصول إلى أقصى حد لطاقاته التي هي عنده بالفعل لا أن تمنحوه قدرة ليست لديه، وهذا يضع احتمالاً قائمًا بأنه يمكن أن يصل إلى مستوى معين يتوقف بعدها عن التقدم أو الاستجابة لبرامج التنمية التقدمية، وبالتالي عليكم أن ترفقوا به وبأنفسكم على كل حال، لكن لا تتوقفوا عن تقديم كل ما هو متاح له.
2 - إلحاقه بجلسات التخاطب؛ فهو بحاجة إلى تدريب نطقي ولغوي، فطالما أنه يقوم بالإبدال كما أشرتم فإن جلسات التخاطب المكثفة سوف تعطي معه نتيجة جيدة بإذن الله تعالى، ونحب هنا إلى التذكير بأن جلسات التخاطب مثل جلسات العلاج الطبيعي تمامًا لا بد فيها من الاستمرار المنتظم، وهذا يشمل على سبيل المثال تدريب على إصدار الأصوات إذا كانت المشكلة مشكلة إصدار فقط وتدريب لغوي؛ ليصبح استخدامه للغة فاعلاً، وإثراء مفاهيمه المعرفية، والذهنية، والأكاديمية إذا أمكن حتى نصل إلى أقصى ما يمكن أن نفعله؛ لنساعده على الاستقلالية والاعتماد على نفسه قدر الإمكان.
3 - أيضًا هو بحاجة إلى علاج وظيفي إذا كان استعماله لديه متأخرًا وعلاج طبيعي إذا كان هناك تأثر في قدراته الحركية الكبرى كالمشي.
-وعلى مستوى الدعم النفسي والأسري، يمكننا أن نستفيد من وجود طفل آخر في أن يكون له قدوة ومثالاً في التدريب مثل اكتساب اللغة، وتصحيح الكلام، وزيادة المفاهيم، حيث استفاد كثير من الأطفال من إخوتهم الأصغر سنا سواء بالتقليد أو المنافسة مع ضرورة أن نكون من الذكاء بحيث لا نسمح بأن تتحول هذه المنافسة إلى كره أو تعالٍ من الصغير أو كره من الكبير للمقارنة الدائمة المباشرة وغير المباشرة بينهما.
-وفي هذا الصدد أحب أن أؤكد على ضرورة ألا يتم مناقشة موضوع وجيه أمامه أو الحديث عنه لا بضيق ولا بشفقة أمام الآخرين وبحضوره، بل نحاول دائمًا تعزيزه وزرع الثقة بنفسه بما يناسب قدراته.
- كما أؤكد أيضًا على ألا يتم التعامل معه بدلال زائد مراعاة لظروفه، إذن لا إفراط ولا تفريط. ويسعدني أن أمدكم بمعلومات أكثر إذا توفرت لي معلومات تفصيلية أدق، وأدعو الله عز وجل أن يوفقكم إلى مدربين أكفاء ومؤهلين، وإذا توفرت لي معلومات حول المنطقة التي تقيمون فيها، فيمكنني محاولة تزويدكم بأسماء مراكز يمكنها تقديم المساعدة لكم.
بارك الله لكم، وأعانكم على ما أنتم بصدده، ولا تنسونا من صالح دعائكم.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..