إخوتي وأخواتي الكرام.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جزاكم الله خيرًا على هذه الخدمة الجليلة التي تقدمونها، أسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتكم، وبعد.. فلقد تزوجت في سن مبكرة (20) عامًا، وزوجتي من نفس عمري، وكان أول حملها توأمًا ذكرين، وحدث أن فاجأتها أعراض الوضع في الشهر السابع، وحاول الطبيب أن يجعل الولادة طبيعية، فتسبَّب في اختناق الطفل الأول ووفاته، فأكمل الولادة للطفل الثاني قيصريًّا.
وقد حدث للطفل الثاني أيضًا اختناق ونقص أكسجين أثَّر على خلايا المخ، وسبَّب لها ضمورًا، وبالتالي إعاقة ذهنية وحركية كاملة، والحمد لله رب العالمين، وهو الآن عمره تسع سنوات، وما زال جسمه نحيفًا جدًّا لا يتعدَّى جسم طفل عنده أربع سنوات، وهو لا يستطيع التحكم في أي شيء، فهو لا يستطيع الجلوس أو الوقوف بالطبع، ولا يستطيع أن يعدل رقبته، وإنما يتحرك حركات عشوائية، ولا يتحكم في إخراجه بالطبع، ولا يتكلم أبدًا، ولكنه يبكي عندما يشعر بالجوع أو غيره، ويضحك وحده أحيانًا أو عند مداعبته.
وهو لا يركِّز بصره على شيء، ولكنه يسمع جيدًا، وهو لا يأخذ أي نوع من العلاج بعدما أخبرنا الأطباء الكثيرون أنه لا أمل في علاج تلك الخلايا الضامرة، والحمد لله، وأخبرني أحدهم منذ فترة أن مثل هذا الطفل لا يعيش أكثر من ست أو سبع سنوات، ولكني لم أخبر أمه بذلك، ونحن والحمد لله راضون مطمئنون لقضاء الله، ولكن دائمًا ما يساورني القلق على مصير ابني هذا إذا قدَّر الله لي أو لأمه أي أمر يبعدنا عنه، وهو لا يملك لنفسه أي شيء، ولا يستطيع فعل أي شيء.
أحيانًا وبصراحة أتمنى - بل وأدعو الله عز وجل - أن يجعل موته قبل موتي، وهذا والله ليس بسبب ضجري منه، فأنا أحبه جدًّا جدًّا جدًّا، ولا أستطيع فراقه، وراضٍ به، ولكن بسبب خوفي عليه وقلقي على مصيره، معذرة في الإطالة، وهذه والله أول مرة أقول لأحد هذا الكلام، أو أخرج إحساسي لأحد، ولا يعلم أحد شيئًا من هذه التفاصيل إلا أقرب الناس لي، وهذا تجنبًا لنظرات وكلمات الرثاء والشفقة التي أكرهها وتطعني، معذرة للإطالة، ولكنها كلمات مخنوقة بداخلي من زمن أردت أن أبوح بها لإخوة مخلصين، ودموعي تسبق حروفي.
أرجوكم لا تتأخروا في الرد عليّ، وأنا والحمد لله متدين وملتزم، بل ومتخصص في علوم الشريعة، ولا أريد منكم أن تذكروا لي نصوصًا في الصبر، والثواب، والابتلاء وجزائه، إني أحفظ كل ذلك عن ظهر قلب، ولكن أريد منكم شيئًا غير ذلك، ربما يكون هذا الشيء هو مجرد أن تستمعوا لي، والسلام عليكم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
أخي الكريم.. لقد حملتنا ما نسأل الله أن نطيقه حين خاطبتنا بقولك "إخوتي".. جعلنا الله أهلاً لما حملتنا إياه من شرف هذه الكلمة ومسؤولياتها.
وبعد أن سمعت منك.. فهل تسمع مني، وتصبر على قولي، سنحاول إعادة ترتيب الأفكار مرة ثانية.. لنبدأ الحديث معك من حيث انتهي كلام الأطباء الذين أخبروك أنه لا أمل في الخلايا التي ضمرت، هذا صحيح، لكن ألم يخبروك أن هناك خلايا لم تضمر، لا تستغرب فأنت من تقول لنا، ولنسترجع معًا كلماتك "طفلي يسمع جيدًا، ولا يركِّز ببصره على شيء، يضحك أحيانًا أو عند مداعبته"، إذن فهو يسمع، ويبصر، ويحس، وجسده النحيل توقف نموه عند جسم ابن الرابعة، إذن فإن عضلاته كانت قابلة للنمو إذا استثيرت، فلماذا ننظر للجزء الفارغ فقط من الكوب، أنت باحث شرعي وتعرف القاعدة أن "ما لا يُدرك جلُّه لا يترك كلُّه"، فقَدَرُ الله وما شاء فعل، ولن نقول "لو" التي تفتح علينا عمل الشيطان.
لا تخف لن أسترسل معك في ذكر آيات الصبر، بل لنتذكر فقط تعريف الإيمان "أنه ما وقر في القلب وصدَّقه العمل"، وأنت تؤمن بما بلَّغه حبيبنا المصطفى (صلى الله عليه وسلم) عن ربِّ العزة "أنا عند حسن ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء". لا أزعم أني أفهم قدر ما تفهم، ولكني أحب أن أفهم حسن الظن على أنه حسن التوكل وحسن الإحسان، فهل تشاركني دعائي أن "يا رب اجعلني جديرًا بقدري الذي قدَّرت عليّ دائمًا، بأن تلهمني وتمنحني العزيمة على العمل لما فيه خيري وخير ما استؤمنت عليه".
ولهذا وإن كنت معي فسنترك حديث الأطباء عن الخلايا التي ضمرت، ولا يمكن أحياؤها، فهذا صحيح، ولتنظر صوب الخلايا التي لم تضمر حتى ولو كانت نسبتها جزءاً من المليون، ومن منطلق هذا سيبدأ علمنا مع طفلنا الغالي،وتواصلنا مع هذا الطفل حسب ظروفه، فلنحافظ على البقية المتبقية من عضلاته التي لم تضمر، وبالتالي:
لا بد من عودة استئناف الذهاب إلى الطبيب مرة ثانية؛ ليحدِّد لطفلك جلسات العلاج الطبيعي، والهدف من هذه الجلسات هو المحافظة على العضلات الباقية من الضمور، فمن المعروف أن عضلات الجسم تحتاج لتنمو إلى الاستثارة، فإذا توقفت هذه الاستثارة لها ضَمرت وتوقف نموها، وفي حالة مثل حالة طفلك يكون هذا هو الهدف الأساسي من جلسات العلاج الطبيعي، وليس تحسن الطفل حركيًّا، وإن كان الأمل في الله تعالى لا يزال، وحسن الظن قائم لا محال.
وبالتالي لا بد من الاستمرار في القيام بهذه الجلسات، بل واستمرارها في البيت أيضًا عبر تمارين تؤديها له أنت ووالدته في البيت، وكلكم أمل في الله عز وجل.
وهنا أتوقف مع كلماتك الخائفة من موتك، وضياع أمره بعدك، ولن ألومك على هذا الإحساس، فهو أمر يحياه كل أب وأم، بل هو شائع بين من يشاركونك نفس الظروف، ولكن بما أنك رجل مؤمن، فأنت تعلم أن الله سبحانه لا يترك أحدًا، وبالتالي فلا يجب أن نسبق الأحداث، بل نفكِّر فيما يمكن أن نفعله، فالحمد لله أن لطفلك إخوة، لا بد أن يُدرَّبوا على رعايته، وأنهم مسؤولون عنه بطريقة هادئة تدعيمية، وبالتالي لا بد من إشراك إخوته في رعايته، فاجعلهم يذهبون معه إلى الطبيب وجلسات العلاج الطبيعي.
أشركهم في كل أمره، واجعلهم يساعدونك في رعايته، واتركهم يقومون برعايته تحت إشرافك وإشراف والدته، وبالتدريج ومع نموِّهم سينمو معهم وعيهم بضرورة رعايته، والقدرة على رعايته بأنفسهم دون رقيب.
إن هذا الفعل سيحقق الخير لكل فرد في أسرتكم، ولأسرتكم بأسرها، ولطفلكم حماه الله تعالى.
فاشتراككم في عمل جماعي، وتجمّعكم حول هدف تحيون لأجله بأمل، وعزيمة، وحسن ظن في الله سبحانه، سيخرج أسرتكم من حالة الحزن والإحباط الشديد إلى حالة الأمل، سيخرجكم من حالة رد الفعل وحالة اللافعل إلى حالة الفعل، فسيكون لكم من الآن دور فعَّال ورسالة "أن تجعلوا هذا الطفل يصل إلى إحساس جيد بأنه مقبول ومحبوب؛ لأنه معتبر؛ لأنه كائن حي، ومن حقه كل حقوق الطفل الطبيعي، من حقوق الحب، والسعادة، والتواصل الاجتماعي، وهنا ميدان معركتك أنت وأسرتك:
"تنبيه حواس طفلكم المختلفة، والتواصل معه عبر هذه الحواس القائمة".
-سمعه: فلا تتوقفوا عن الحديث إليه وتتركوه في زاوية من الحجرة وحيدًا، تبتسمون له وتتحدثون إليه حين تجدون فرصة، فهو يشعر، ويحس، ويسمح، ويعي.. لن تجد صعوبة في معرفة كيف تحدثه. انظر كيف تعامل أطفالك الآخرين، تأتي من الخارج فتلقي عليهم السلام، وتبدأ معهم الحديث والكلام عن أحوالهم، وماذا فعلوا في غيابك، وكيف كان يومهم الدراسي، وهل ذاكروا.. هذا ما يمكن أن تفعله.. سَلِّم عليه، مدّ يدك للسلام واقبض على يده، وقل له: "السلام عليكم"، وعلِّمه "هكذا يكون سلام الرجال يا ولدي.. جيد، أنت رجل جيد"، أجلسه على منضدة الطعام فله ولا شك مكان، وأطعمه وأنت تُسْمِعه دعاء الطعام، وبعد انتهاء الطعام أصحبه لغسيل يديه، وأنت تردد دعاء الانتهاء من الطعام، وتقول دعاء الخلاء.
أشركه في صلواتك، واجعل له مكانًا بكرسيِّه في الصف بجوار أخيه، واترك أخاه يردِّد على مسامعه ما حفظه من القرآن الكريم..
ما أريد أن أقوله: إنه لا ينقصك ما يمنح أسرتك حياة سعيدة
هادئة بعد أن منحت شعور الرضا بقضاء الله تعالى، ففي هذا الكفاية.
ويعني التواصل أيضًا عدم قطعه من الاتصال بالآخرين مخافة نظرات الشفقة، فإن نظرات الثقة الراضية التي ستنطلق من عينيك ستصل إليهم لتعلمهم درسًا، وتأخذ فيهم أجرًا، فاتركه يحضر حفلات إخوته التي تقيمها في البيت، ويشارك أبناء أعمامه وأخواله الحديث واللعب، اترك خاله وعمه يتحدثون إليه، ويقدمون له الهدايا مثله مثل إخوته تمامًا.
باختصار.. تعايش أنت وأسرتك مع الواقع، وكأنه طفل طبيعي حقه علينا أن نجعله اجتماعيًّا، فهو كائن حي يحس ويعيش رغم كل ظروفه، بل شديد الحساسية يحس ويستقبل بشكل جيد جدًّا.
وهنا أحب أن ألفت نظركم إلى شيء هام أن هناك أمورًا تعويضية تستعمل في حالة طفلكم، ويمكن أن تساعده ليس على التواصل فقط، بل إمكانية تعلم القراءة والتعبير عن نفسه كتابة، عن طريق الكمبيوتر وغيرها من الوسائل المتاحة المتوفرة في مراكز التأهيل المختلفة، وحتى وإن لم يكن متاح له الكتابة بيديه، فقد تتاح له فرصة الكتابة والتدريب برجله على الكمبيوتر، لا بد أن نفكر في استثمار كل المتاح؛ لنجعله يتواصل ويحيا الحياة التي يستحقها.
لن تعرف هذه الأمور إلا إذا كسرت حاجز الصمت والعزلة التي فرضتها على نفسك، لا بد أن تخرج إلى العالم الفسيح.. إلى الطبيب لحضور جلسات العلاج الطبيعي.. إلى مراكز التأهيل، حيث يمكن أن تعرف الجديد دائمًا، وحيث يمكن أن تقابل غيرك من أهالي الأطفال أمثال طفلك تتبادلون الخبرات والحديث، وبث الهموم، تتحادثون ليُخْرج كل منكم كل ما بداخله دون خوف من نظرة شفقة، فأنتم في الأمر سواء، فنصف همومنا تنزاح عنا إذا وجدنا من يشاركنا فيها، ونصفها الآخر يذهب عنا إذا رأينا من يعاني أكثر مما نعاني.
أخي الكريم.. الأعمار بيد الله سبحانه وتعالى، قال عز من قائل: "وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت...". يُحكَى أن رجلاً جاءه القوم يعزُّونه في طفله اليافع ذي العشر سنوات الذي مات بعد أن أتم حفظ كتاب الله، ويأتي صديقه معزيًا فيميل الرجل إليه ويقول: لقد دعوتها له، عَلِّي أدخل به الجنة"، وأردِّد مع الشيخ الغزالي (رحمه الله) قوله:
"إنما يحمد الإسلام لأهل البلوى وأصحاب المتاعب رباطة جأشهم، وحسن يقينهم، وهو إذ يذكر لهم الأسقام التي يعانونها، أو الضوائق التي يواجهونها لا يعنيه منها إلا ما تنطوي عليه من امتحان يجب اجتيازه بقوة وتسليم، لا باسترخاء وتسخط على القدر، وذلك سر قوله (صلى الله عليه وسلم): "من يرد الله به خيرًا يُصب منه" رواه البخاري.
أخي الكريم.. بالله لا تحرمنا من الاطمئنان على أخبارك، ولا تنسني من صالح دعائك.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..