يقول الشيخ أحمد بن علي المقبل المرشد الطلابي بوزارة التربية والتعليم :-
أشكر لكم ثقتكم واسأل الله تعالى لنا ولكم التوفيق والسداد والرشاد .. كما اسأله تعالى بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن ينزل عليكم شفاءً لا يغادر سقما .. عاجلاً غير آجل .. وجميع مرضى المسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه :-
أما عن استشارتكم .. فقد جمعتها لتشابه موضوعها وحيثياتها إلى حد كبير .. وتعليقي عليها من وجوه :-
أولاً : يجمع بين كل هذه الاستشارات أن أصحابها يعانون من ((الوسواس القهري)) أعاذنا الله جميعاً منه وشفا كل مبتلى .. أما التفاصيل الأخرى حول الالتهابات الموضعية وغيرها فهي أعراض لن تعدم العلاج الموضعي المناسب ..وهو متوفر ولله الحمد .. ولكن الأهم هنا السبب الرئيسي لكل ذلك وهو الوسواس القهري ..! فما هو الوسواس القهري ..؟!
ثانياً : يعرف الوسواس بأنه أفكار وخواطر وتهيئوات تتوالى وتتكرر على ذهن الإنسان رغماً عنه ..!! مع علمه ويقينه بأنها أفكار سخيفة وغير منطقية .. إلا أنها تستمر لديه .. وتسبب له الانزعاج الكبير والألم والإحراج !!
ثالثاً : يمكننا بشكل عام تقسيم الوسواس القهري .. إلى نوعين :
النوع الأول : الأفكار الو سواسية القهرية:
وهي الأفكار التي تتكرر على ذهن المصاب.. ولا يستطيع دفعها رغم غرابتها أحياناً.. ومع ذلك فإنها تفرض نفسها عليه وعلى تفكيره رغماً عنه.. ودون إرادته..!! وترتبط كثيراً بأمور الإيمان أو الاعتقاد أو الخلق.. وكثير من المسلمات البديهية.. في حياة المرء .. وغيرها..
النوع الثاني : الأعمال الو سواسية القهرية:
حيث يشعر المصاب برغبة ملحة للقيام ببعض الأعمال أو اللزمات السخيفة أحياناً وغير المنطقية .. بل ويكررها بشكل غريب .. وربما شعر بالرغبة الملحة في تكرار أعمال يكفيه منها إجراءها أول مرة .. كتكرار غسل اليدين أو الوجه أو الوضوء أو إغلاق الأبواب والتأكد منه أكثر من مرة .... الخ وغيرها الكثير .. وتتباين الدرجة بين المصابين بذلك بين مقل ومكثر إلا أن الجدير ذكره هنا .. هو أن هذا الأمر إن لم يعالج ويوقف عند حد معين .. فإنه يزداد مع الوقت شيئاً فشيئاً ..!
والغريب هنا .. أنه في كلا النوعين يكون المريض على إدراك بالوسواس .. ويعرف أن هذه الأفكار والأعمال سخيفة وربما مضحكة وغير معقولة .. ولذلك فإنه قد يحاول دفعها ومقاومتها ولكن دون جدوى .. وهذه المحاولة المتكررة والفشل فيها .. تسبب للمريض توتراً شديداً يبقى معه حتى بعد قيامه بأعماله وتصرفاته المعتادة .
رابعاً : تختلف هذه الأعمال الو سواسية من مريض إلى آخر .. وتأخذ أشكالاً عدة .. إلا أن أكثرها انتشاراً هو (( وسواس التلوث )) حيث يشعر المصاب بأنه قد تلوث بشيء ما من أوساخ وجراثيم وربما بنجاسة .. ولذلك فإننا نراه يغسل .. ويغسل .. ويكرر ذلك كثيراً .. حتى لربما أصيب بحالة من التهابات الجلد ..!! وقد يسيطر على المريض هوس النظافة للمنزل أو للمتعلقات الأخرى .. فتراه لا يهدأ حتى يبدأ بتنظيفها وترتيبها .. ولا يكاد ينتهي .. حتى يبدأ من جديد .. وهكذا .
وقد تكون الوساوس القهرية مرتبطة بالحاجة للأمن .. والخوف من المجهول .. بشكل يتعدى المألوف .. فترى المصاب يكرر قفل الأبواب والنوافذ .. ويتأكد من ذلك مرات ومرات في الليلة الواحدة .. وينظر لمصادر الكهرباء أو الغاز أو غيرها .. ويعيد النظر عشرات المرات .. بشكل مزعج له ولمن معه وقد يكون الوسواس القهري مرتبط بالأفكار.
وربما كانت ذات طابع ديني أو فلسفي .. بحيث يتجاوز فيها كل حدود المعقول والمقبول إلى أفكار غريبة ومتناقضة أحياناً .. وربما شكك المريض بإيمانه ومعتقداته وأخلاقه .. وربما تجاوز ذلك بكثير !! وقد يصاب المريض نتيجة ذلك التناقض بين وآقعه وسلوكه الاجتماعي المعتاد .. وبين تلك الأفكار والتصرفات الغريبة .. بالحزن والاكتئاب والألم والمعاناة !!
خامساً : تبدأ هذه الأفكار والوساوس القهرية – عادة – بشكل بطيء وخفي .. حتى تحتسب ضمن خصائص الشخصية .. ولذلك فقد لا يشعر المريض بأن لديه مشكلة أو مرض .. ومع الوقت تزداد .. وتشتد الأعراض .. ويدرك المريض بأنه يحتاج فعلاً إلى المساعدة .. وقد يدرك ذلك ولكنه يخفي هذا الأمر لفترة طويلة حتى يصل الأمر إلى درجة كبيرة لا تطاق .. فيطلب المساعدة في وقت تكون المشكلة قد تعقدت ..!!
سادساً : أما عن أسباب هذا المرض أعاذنا الله جميعاً منه .. وشفا مرضانا ومرضى المسلمين .. .. فإنه لا يعلم سبب محدد لهذا المرض وإن كان يبدوا أن القلق يلعب دوراً رئيساً في ذلك .. وكذلك بعض الأزمات والصعوبات الحياتية .. وهناك بعض الدراسات التي ترجع الأمر إلى أسباب عضوية مختلفة إلا أن المتفق عليه أن للعوامل النفسية دوراً كبيراً في ذلك ..
سابعاً : العلاج: قد لا يفيد بشكل جذري أن يطلب من الإنسان المصاب أن يعالج نفسه ويتمالك نفسه ويبعد هذه الأفكار عن مخيلته فقط .. رغم الأهمية الكبيرة لهذه الخطوة كجزء أساسي من العلاج .. بالإضافة إلى العلاج السلوكي حيث يقوم الطبيب المعالج بالتعاون مع المريض في تحديد الأفكار والأفعال القهرية التي يعاني منها المصاب ثم يقوم الطبيب بوضع خطة العلاج .. حسب مقتضى الحال ومن الطرق المستخدمة في ذلك .. وضع المصاب في جو يشعر فيه بالحاجة الشديدة إلى تكرار غسل اليدين مثلاً .. ولكنه يمنعه من ذلك .. أو يشغله بأمر آخر يطلب منه القيام به..
ولا شك أن المنع سيزيد من قلق المصاب .. ولكنه بعد فترة من الوقت .. وبعد تكرار هذا الأمر بأكثر من جلسة يشعر المصاب بنوع من الارتياح والاطمئنان ..ويتأكد أن عدم غسل اليدين لم ينتج عنه أي مشكلة أو كارثة !!! ومن الطرق التي تستعمل في العلاج أحياناً .. ما يسمى بـ (( المعالجة المتناقضة )) حيث يطلب من المريض أن يحضر أفكاره القهرية ويكررها في ذهنه بدل أن يطلب منه إبعادها ومقاومتها .. ومع تكراره لها واسترساله معها تتقلص هذه الأفكار في ذهنه شيئاً فشيئاً ..!!
ومن الطرق المفيدة أحياناً أن يطلب من المصاب أن يبحث عن بعض الأعمال المفيدة ليملأ بها وقت فراغه بدل الانشغال في الأعمال والوساوس القهرية .. وقد تفيد أحياناً بعض الأدوية الخاصة .. وكذلك بعض التوجيهات الخاصة بأسرة المصاب .. حول الطريقة المثلى للتعامل معه .. وإعانته على مواجهة مشكلته !
ثامناً : قبل هذا وبعده .. صدق الالتجاء إلى الله بالدعاء وقراءة القرآن والأوراد اليومية .. والاستعاذة من كيد الشيطان وهمزه ولمزه ( إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) .
وفقكم الله وشفاكم .. وسدد على طريق الخير والحق خطاكم ..
طالع أيضا:
وسائل عملية للخلاص من الوساوس
هل وساوس الشيطان تمنع لذَّة الإيمان؟
أنقذوني..الوساوس تداهم إيماني
______
نقلا عن موقع الإسلام اليوم.
|