أخانا في الله/ عثمان
السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وأهلا ومرحبا بك، وشكر الله لك ثقتك بإخوانك في شبكة "إسلام أون لاين.نت"، ونسأل الله عز وجل، أن يجعلنا أهلا لهذه الثقة، وأن يتقبل منا أقوالنا وأعمالنا، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وألا يجعل فيها لمخلوق حظا،...آمين. ثم أما بعد:
فإن سؤالك ينقسم إلى قسمين، أولهما يتعرض لمشكلة وسوسة الشيطان ونزغه وإغوائه، وثانيهما يدور حول الأفكار والهواجس التي تدور في نفس الإنسان، والتي يصعب على الإنسان أحيانا التمييز بينها وبين الوسوسة.
أما عن الجزء الأول من سؤالك، فقد صدقت - أخي الحبيب- فيما قلته من أن سلطان إبليس الوحيد على بني آدم هو الوسوسة والإغواء لهم، وذلك مصداقا لقوله تعالى :(وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، ليس هذا وحسب بل إن آيات القرآن لتؤكد هذا الأمر في غير ما موضع :
يقول تعالى : (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا ...)، ويقول أيضا: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى...)، وقال تعالى : (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)، وقال :(وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)، بل لقد وصفه سبحانه وتعالى بالوسواس الخناس فقال:(مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ).
واعلم أخي حفظك الله أن وسوسة الشيطان بلاء يصيب كل البشر، وقد أرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى طرق مقاومته، فأمرنا بالاستعاذة قال تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ، مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ).
وهذا النوع من الوسوسة في مقدور المسلم مقاومته، لأنه أقوى من الشيطان، قال تعالى:(إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)، غير أنه من الواجب عليك أن تميز بين "الوسواس القهري" وهو مرض صاحبه معذور، يجب أن يأخذ بالأسباب للعلاج منه، بالعرض على طبيب متخصص، وبين "نزغ الشيطان" الذي يجب على المسلم مقاومته وعدم الاستسلام له.
وعلى المسلم الذي يعاني من نزغ الشيطان ووسوسته:-
أن يعلم أن الأمر كله بيد الله، وانه لا ضر ولا نفع إلا بإذن الله، قال تعالى:(..قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ للهِ..).
أن يتوجه المسلم إلى الله بالدعاء أن يصرف الله عنه نزغ الشيطان قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ).
أن يكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى والاستغفار فبالذكر يطمئن القلب ويهدئ قال تعالى:( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
أن يداوم على قراءة القرآن، فيجعل له وردا يوميا حسب طاقته(جزءا أو حزبا أو ربعا....) المهم ألا يمر عليه يوم دون أن يمتع عينه بالنظر في كتاب الله.
أن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم عند شعوره بوسوسة الشيطان، فإذا عرض لك الوسواس يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
أن ينفث عن يساره ثلاث مرات إن وجد ووسوسة في صدره، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنه شكا إليه عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه ما يجده من الوساوس في الصلاة فأمره أن ينفث عن يساره ثلاث مرات ويستعيذ بالله من الشيطان وهو في الصلاة ففعل ذلك فأذهب الله عنه ما يجد).
وأما عن الجزء الثاني:
فكثيرا ما تجول بخاطر الإنسان أفكار وهواجس، لا يستطيع أن يميزها، و أن يحدد هل هي نزغ من الشيطان أم أنها مجرد حديث النفس؟، فيلتبس الأمر على الإنسان فيحتار كيف يتعامل معها، والحق أن وسوسة النفس شيء أثبته الله في كتابه، فليس لنا أن ننكره، قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ).
وهذه النفس الإنسانية هي في نهاية الأمر واحدة من ثلاث:-
إما أن تكون نفسا أمارة بالسوء، قال تعالى: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي).
وإما أن تكون نفسا لوامة، كما قال تعالى : (وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ).
وإما أن تكون نفسا مطمئنة، قال تعالى : (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي)
و اعلم أخي الكريم أن الاستقرار النفسي مرهون بالاستقرار الإيماني، فكلما زاد إيمانك بالله عز وجل، كلما كنت قادرا على مواجهة وساوس النفس.
وحتى نكون قوما عمليين فإنني أقرح عليك عددا من النصائح التي تعينك – بحول الله وقوته- على التخلص من مشكلتك:-
إياك والاستسلام لنفسك، أو إظهار الضعف أمامها، حدث نفسك على الدوام بأنك قوي.
لا تكثر من الخلوة بنفسك، وعليك بمصاحبة أهل العلم والذكر والطاعة .
اتهم نفسك دائما بالتقصير في حق الله، واجعل من ذلك زادا ودافعا نحو الطاعة والعبادة.
قد نفسك للخير ولا تدعها تقودك فإنها إلى الشر تقودك، قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا).
احرص على أداء الصلوات الخمس في جماعة، في المسجد ما استطعت إلى ذلك سبيلا، فإن هذا مما يصلح النفس ويقوم عوجها.
وختاما؛
نسأل الله تعالى أن يهديك إلى الخير، يا أخ عثمان، وأن يصرف عنك شياطين الإنس والجن، وأن يقيك وساوس الشيطان والنفس، إنه سبحانه خير مأمول، وصلي اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم... وتابعنا بأخبارك.
اقرأ أيضا:
أخطأ ويتساءل: لماذا لم يعصمني إيماني؟
هل وساوس الشيطان تمنع لذَّة الإيمان؟
حرب الوسواس بين الشيطان والناس
ذنوب.. ووسوسة..وشك في القدر
ابتلاء الناس بالوسواس الخناس
الوسوسة.. وعجز الشيطان
|