أخي الحبيب أبو عرين، مرحبا بك ضيفا عزيزا على موقعنا، وندعو الله أن يجعل لك من كنيتك نصيبا، فتكون أسدا في الحق، تحفظ عرين الأمة وتحمي حماها.
رائع منك أن تدرك أن ما أنت فيه - من نعمة العمل في طريق الدعوة إلى الله عز وجل - هو من توفيق الله عز وجل لك ومنّه وكرمه عليك، وجدير بك أن تشكر هذه النعم، وتحافظ عليها بشكرها، فالله عز وجل يقول: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ).
وقبل أن نتحدث في أمر هذا الأخ الذي تضايقك أفعاله ولا تعرف كيف تتعامل معه، أحب أن أناقشك في عبارة لفتت نظري في كلامك، ولعلك لا تقصدها أو لم أفهمها أنا على مرادك، ولكني سأناقشك فيها على حسب فهمي لها، فقد قلتَ أخي: "وبحمد الله جذبنا الكثير من الطلاب والشباب إلى المسجد من خلال النشاطات الغير منهجية والدروس"!! فهل تقصد بكونها غير منهجية أنها غير منظمة وعشوائية، أم تقصد أنها لا تتبع منهجا معينا من مناهج التجمعات الموجودة على ساحة العمل الإسلامي؟
عموما إن كنت تقصد الأولى فإني أقول لك: ولماذا لا تكون منهجية ومنظمة ومخططة؟ ألا ترى معي أن ذلك سيكون أفضل ويعطي نتائج أفضل؟
إن التخطيط والمنهجية من لوازم نجاح أي عمل، أما العشوائية، فحتى لو حققت بعض النتائج في بادئ الأمر، فإن هذه النتائج لا تدوم ولا تستمر، ولا تعطي مؤشرات عميقة ودلائل صحيحة، ويكون العمل غير ثابت الأركان، سطحيا لا يقوم على أسس تحميه وتضمن استمراره.
ويمكنكم أن تستعينوا في هذا التخطيط بآراء العلماء والدعاة الواعين في بلدكم أو في غيره، وبذوي الخبرة في العمل الدعوي مع هذه الفئة العمرية.
أما إن كنت تقصد أنها لا تتبع منهجا معينا من مناهج التجمعات الموجودة على ساحة العمل الإسلامي، فلست أرى في ذلك مشكلة تعيق عملكم أو تعيبه، لو كانت لكم مرجعياتكم العلمية والفقهية والدعوية الموثوق بها، التي تقيم عملكم وترشدكم فيه.
نعود إلى قصتكم مع هذا الأخ الذي أسميتَه سلفيا، وسأصطلح معك على هذا الاسم لمجرد التعريف، وإن كنت لا أفضل استخدام هذه التسمية؛ لأنها تجرنا إلى فخ التصنيف والتقسيم الذي لا أحب أن نعامل الناس أو نراهم من خلاله، كما أن الانتماء للسلف شرف ومفخرة، أرى أنه لا ينبغي أن يحتكره أحد، أو نجعله نحن عيبا نلمز به المخالفين.
تقول إنه بدأ يعطي طلابكم دروسا في بيوتهم! ولم توضح نوعية تلك الدروس التي يعطيها في البيوت! هل هي دروس دينية أم دروس في مواد علمية مدرسية أو جامعية؟! فالوضع يختلف في كيفية التعامل مع كل حالة منهما.
فإن كانت تلك الدروس دينية، فينبغي أن تخبروا هؤلاء الطلاب، وكذلك هذا الأخ أن هذه الدروس إنما مكانها الصحيح هو المسجد، لأسباب كثيرة، منها أن يستفيد منها من يريد من عموم المسلمين إن كان فيها إفادة، وكذلك لدفع الشبهات عنها، فجعلها في البيوت مدعاة للظن والوساوس حولها وحول سلامة الأفكار التي تبث من خلالها.
أما إن كانت تلك الدروس في مواد علمية مدرسية أو جامعية، فهو أمر يُحمَد له، ومدخل دعوي جيد اختاره هذا الأخ بذكاء، فإن كنتم تودون أن تتنافسوا في الخير معه، فقدموا مثلما يقدم في شكل تعاوني تكاملي، لا بشكل صراعي، وذلك بأن ترشحوا منكم المتميزين في المواد المختلفة والمغايرة للمواد التي يدرسها هذا الأخ، ليقوموا بتدريسها للطلاب، فلا ينفرد بهم دونكم.
أما عن الخلافات الفكرية بينكم وبينه، فحاولوا إدارتها بعيدا عن سمع وبصر الطلاب والناشئة؛ حفاظا عليهم من الفتنة في دينهم، فليس لهم ذنب كي نجرهم إلى كهف الخلافات المظلم والجدل العقيم.
وهذا لا يعني ألا نوضح لهم الحقائق الشرعية والأمور الملتبسة، بحيث يفهمون دينهم فهما صحيحا على مراد الله عز وجل مطابقا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
أما عن المفاهيم غير الصحيحة التي قد يقدمها من خلال الحديث عن البدع ومحدثات الأمور وغيرها من مفردات هذا المنهج، فحاولوا أنتم تحصين طلابكم بالمفاهيم الصحيحة والتعريفات السليمة للبدع، كل ذلك مقرونا بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال العلماء الموثقة؛ ليكونوا على دراية ووعي ويكوّنون بداخلهم خط دفاع يرفض الأفكار والمفاهيم الخاطئة ويردها.
وأنا لا أرى طائلا ولا جدوى من بذل الأوقات وإنفاق الجهود في الجدل معه، ولا تجعلوا همكم أن يقتنع بأفكاركم ومنهجكم، بل اجعلوا همكم في الوصول إلى نقاط التقاء معه، ومجالات للتعاون والعمل المشترك، واعملوا على إقناعه بتقسيم الأدوار بينكم وبينه للوصول بهؤلاء الطلاب إلى الشخصية المتكاملة.
حاولوا أن تقنعوا هذا الأخ - بعد أن تقتنعوا أنتم - بأن ما يحتاجه هؤلاء الطلاب منكم ومنه الآن ويُعد فرضا وواجبا في حقهم وحقكم هو أن تعلموهم أصول دينهم، ليعرفوا ربهم معرفة حقيقية سليمة، وبالتالي يعبدونه عبادة صحيحة، تنضح ثمارها على أخلاقهم ومعاملاتهم مع الناس، باختصار: يحتاجون إلى بناء ذواتهم وتأسيسها تأسيسا سليما.
أما التربية على الجدل والانتصار للرأي والخوض في المسائل الخلافية فإنه يهدم ولا يبني، ويفرق ولا يجمع، ولا يقدم إلا شخصيات هلامية مهزوزة، لا تقوم بواجبها نحو نفسها، فضلا عن القيام بواجبها تجاه دينها وأمتها.
أما إذا لم يستجب هذا الأخ لجهودكم في التعاون والالتقاء معه، وأخذ يثير الفتن فيجب في هذه الحالة أن يتم إيقافه بحزم بالاستعانة برواد المسجد والقائمين عليه وعلماء المنطقة، مع الحرص على عدم اختلاق المشكلات والاستفزاز، بل تسلحوا بالثقافة الشرعية التي تستطيعون بها الرد على ما يثيره من فتن وشبهات لوأدها في مهدها، وعندها ستنفد بضاعته ويكف عن إثارة الفتن (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ).
وأخيرا أهمس في أذنك - أخي - بهمسة أرجو أن تعيها وتتأملها جيدا، وهي:
ليس شرطا أن تكونوا أنتم دائما على صواب وهذا الأخ على خطأ، بل ربما يكون معه الحق في مواقف كثيرة، فلا تجعلوا غير الحق مردّا ومرجعا لكم وحكما بينكم، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا.
وإن كان هذا الأخ يظن أنه يحتكر الحق وحده، فعلموه أنتم بأخلاقكم أن الحق ليس حكرا على أحد، كما أن احترامكم للحق ووقوفكم عنده والاعتراف بالخطأ إن وُجد، يجعل هذا الأخ يحترمكم ويقدر أفكاركم ويثمنها، ويدفعه للتعامل معكم بنفس الطريقة، مما يضيق هوة الخلاف بينكما.
وتذكروا أن (الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، وما بينكم وبينه هو تنافس في الخير وليس معركة، وكلكم على خير إن أحسنتم النوايا واجتهدتم في تصحيح المنهج والسبيل.
وفقكم الله وأعانكم.
شارك في الحوار حول هذا الموضوع:
نحن وطلابنا والسلفي!!
|