نعم أختي، صدقتِ، الرجوع للحق فضيلة، وأي فضيلة! خاصة إذا كان الأمر يتعلق بسمعة أناس أخطأنا في حقهم ونعتناهم بما ليس فيهم.
شكر الله لك أختي الكريمة، ولن أعلق كثيرا على رسالتك هذه، فقد وافقَتْ في كثير من فقراتها ردي السابق عليك، من حيث وجوب العدل في الرضا والغضب، ونبذ الأحكام المتسرعة المنفعلة، التي تتسم بالتعميم والإطلاق.
ولكن ما أود أن أؤكد عليه هنا أمران:
الأول: أن انتماء الفرد لجماعة دينية دعوية – أية جماعة – لا يخلع عليه العصمة والملائكية، وينفي عنه الخطأ والبشرية، وكذلك الجماعة في مجملها، فما الجماعة إلا مجموعة من الأفراد.
وقد رأينا في مجتمع الصحابة، وهو أطهر المجتمعات وأزكاها، رأينا وقوع الكبيرة والصغيرة من بعضهم؛ فمنهم من زنا، ومنهم من سرق، ومنهم من عيَّر أخاه وسبَّه، ومنهم ومنهم، كل هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، ينزل عليه الوحي غضا طريا. ولكن تلك الأخطاء الفردية والمخالفات الشخصية لم تجرِّح عموم الصحابة، ولم تخلع عنهم العدالة.. فما بالنا نجزع ونتعجب إن أخطأ فرد منا لمجرد أنه ينتمي لجماعة دينية ودعوية، أو لمجرد حتى أنه إنسان يُعرف عنه الصلاح؟!!.
إن الله عز وجل حينما يوقفنا بين يديه يوم القيامة يزن أعمالنا الحسنة بأعمالنا السيئة، فإن رجحت الحسنات على السيئات ولو بذرَّة واحدة نجا العبد وأدخله الله الجنة، رغم ما عمل من سيئات؛ لأن الغالب عليه هو الصلاح، فلماذا نحن لا نقبل هذا، ونرفض أن يحوز إنسان -أو جماعة- قبولنا إلا إذا كان هذا الإنسان خاليا تماما من العيوب والنقائص؟!! وهل هناك من يبرأ من العيوب والنقائص؟!!.
الثاني: أثارت هذه الاستشارة عند نشرها ردود فعل عاطفية عند بعض الإخوة الكرام من جماعة الإخوان المسلمين، وأرسلوا إلينا يشككون في صحة السؤال، ويرون أنه سؤال مفتعل، وأن مرسله قَصَد به تشويه الجماعة لا غير، وطالبونا بحذف الاستشارة أو تغيير العنوان على الأقل، مع تأكيدهم على أن الرد كان جيدا وعادلا ومقبولا من جهتهم.
وتأتي هذه الرسالة لتؤكد على أن الواقعة حقيقية وأن السائلة قصدت كل ما قالته عن الخلافات بينها وبين زوجها، وأنها لم تبالغ في هذا الأمر، بل تقول إنها لم تحكِ كل شيء، وإنما جانبها الصواب فقط في التعميم والإطلاق، فأرسلت ترد الاعتبار للجماعة، وتتراجع عن اتهاماتها لها. ونحن نحمد لها ذلك الصنيع ونشكرها عليه.
وهنا أحب أن أهمس في أذن إخواني الذين اعترضوا على نشر الاستشارة الأولى –وأرجو أن يتحملوني- بأن هذه حساسية زائدة من جانبهم تجاه ما يُنشَر عن الجماعة، حيث إن جماعة الإخوان الآن وفي هذه المرحلة بالذات أصبحت شأنا مجتمعيا عاما، بعدما قررت الجماعة الالتحام بالمجتمع وقضاياه والانتشار بين شرائحه المختلفة، والعمل الميداني وسط هذه الشرائح، ومن حق هذا المجتمع أن يتعرف على هذه الجماعة كما هي، وبشفافية مطلقة، كمجموعة من البشر، لهم إيجابياتهم وسلبياتهم، دون تضخيم أو تهويل لأي من تلك الإيجابيات أو السلبيات، وهذا لا ينفي فضل الجماعة في مجملها، مهما ارتكب بعض أعضائها من أخطاء بحكم بشريتهم، تماما –على سبيل القياس- كما لم تنفِ أخطاء الصحابة الفردية العدالة عن مجتمع الصحابة.
أما اعتبار أي نقد موجه للجماعة –ولو كان ذاتيا– نقدا مغرضًا، ونقدًا للإسلام ذاته، وسهاما تريد النيل من الجماعة، وتحاول الحط من قدرها وتشويه صورتها؛ فأظنه اعتبارا خاطئا. والتصرف الصحيح حيال هذا النقد -أيا كان ودون التدخل في نية صاحبه- أن تتقبله الجماعة بصدر رحب، وتعترف بالصحيح منه، وتحاول الاستدراك، وتبين الخطأ فيه، وتعمل على توضيح الصورة الحقيقية.
أما الذين يتربصون ويتلقفون أي نقد في حق أية جماعة من المسلمين، أو أية نقيصة في حق أحد أفرادها، ويختلقون المعايب ليستخدموها لأغراض خبيثة في أنفسهم، ويزيدون عليها من افتراءاتهم، ويضخمون ويهولون ويعممون، فأولئك لا يستحقون أن نعمل لهم حسابا، ولا أن نرد لهم جوابا، ونتركهم لحساب الله عز وجل، وحسبنا وحسب المؤمنين قوله عز وجل: {إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا...} (الحج: 38)، وحسبنا وحسب المؤمنين أيضًا أن نكون من {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} (آل عمران: 173، 174).
إن أمثال هؤلاء المتربصين لا يعدمون وسيلة للتشهير والتجريح إن أرادوا، بل إن لم يجدوا مثلبة حولوا الحسنات إلى سيئات، والفضائل إلى عيوب وخطايا، وصدق من قال:
وما أحد من ألسن الناس سالمًا *** ولو أنه ذاك النبي المُطهَّرُ
فإن كان مقدامًا يقولون: أهوج *** وإن كان مفضالا يقولون: مبذِّرُ
وإن كان سكّيتًا يقولون: أبكم *** وإن كان منطيقًا: يقولون مهذَرُ
وإن كان صوامًا وبالليل قوامًا *** يقولون: زوار يرائي ويمكرُ
فلا تكترث بالناس في المدح والثنا *** ولا تخش غير الله، والله أكبرُ
في النهاية أسأل الله عز وجل أن يرزق الجميع الصواب والرشاد، وأسأله جلا وعلا أن يبارك لك أختي الكريمة في زوجك، وأن يصلحه لك، ويصلحك له، وأن يرزقكما وإيانا سعادة الدنيا والآخرة.
|