English

 

ابحث

بحث متقدم

ساحة الحوار

استشارات دعوية
تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث  
اطبع أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد
**   - الإمارات العربية المتحدة الاسم
الدعاة بين التناقض والتلون.. بل هم بشر العنوان

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيِّه الذي اصطفى، وبعد،
فجزاكم الله خيراً على ما تقدِّمونه من جهدٍ جبِّارٍ وعظيم، وأسأل الله أن يوفِّقكم لما يحبُّ ويرضى، وإنِّي أرجو منكم سعة الصدر وطول البال، والله المستعان.
تكمن -أيُّها الأحباب- المشكلة في التناقض الذي يحدث في حياة الداعية والذي يؤرِّقه.
1- تجد الداعية قدوةً صالحة، وهو من خيرة الشباب، ويعمل بجدّ، لكنَّه إذا اختلى بنفسه انتهك محارم الله، فينطبق عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء عمله وذهابه، فتجده يغتمُّ ويصيبه من الهمِّ الكبير ما يؤرِّقه، فهل هذا التفكير صحيح؟ بحيث لا يمكن أن تجد إنساناً كاملاً ولا يخطئ، ولا يمكن أن تجد إنساناً مسلماً يعصي الله عزَّ وجلَّ علانية، وإنَّما يرتكب الذنب سرّا، فهل ينطبق على هذا الداعية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم؟

2- تجد أحد الدعاة صاحب همًّةٍ عاليةٍ جدّا، فتجده يعمل في قطاع الناشئة والشباب والجامعة، وتجده يعمل في أكثر من مكان، ولكنَّك تجده عند الناشئة ذا طبعٍ خاصٍّ في التعامل، وعند الشباب طبعٌ آخر، وعند الجامعة طبعٌ آخر، حتى يصبح في تعامله مع أهله ذا طابعٍ مغايرٍ للطباع الأخرى (فيتبادر إلى ذهنه أمرين: إمَّا أنَّ لكلٍّ عملٍ تعاملاً خاصًّا به، أو أنَّه كالحرباء يتلوَّن بعدَّة ألوان) وهو الذي تعلَّم أنَّ شخصيَّة الداعية تكون ثابتةً لا تتغيَّر، وأنَّه لا يجب أن يكون كالحرباء، فهل هذا التفكير صحيح؟
وأعتذر منكم على الإطالة، وأرجو توضيح هاتين الفكرتين من كونهما صواباً أم خطأ، مع التوضيح، ووفَّقكم الله لما يحبُّ ويرضى.

السؤال
2006/02/26 التاريخ
زاد المسير الموضوع
الأستاذ فتحي عبد الستار المستشار
الحل

أخي الكريم، رجوت منا سعة الصدر وطول البال، ونطمئنك بأن صدورنا تتسع لكل إخواننا وأخواتنا، ولا تضيق أبدا.
لقد عرضت في رسالتك -أخي الحبيب- حالتين للداعية، وقبل أن أناقش معك هاتين الحالتين، دعنا نتفق على بعض الموازين والمقاييس التي سنستخدمها للحكم عليهما:
أولا: أن الداعية بشر، ذو طبيعة آدمية، يجري عليه ما يجري على كل البشر، من طاعة ومعصية، وذكر وغفلة، وعزم وتخاذل، ولقد قال عز وجل عن أبينا آدم عليه السلام -وهو النبي الأول الذي خلقه الله بيديه وأسجد له ملائكته-: "ولقد عهدْنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما"، وقال صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"رواه أحمد والترمذي بسند حسن، وعن حنظلة الأسيدي رضي الله عنه -وكان أحد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله، ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما ذاك؟" قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة في فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" ثلاث مرات.رواه مسلم.
وداعية اليوم ليس ولن يكون أفضل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين وقعت منهم الذنوب والمعاصي، صغيرها وكبيرها، ثم تابوا عنها، ولم ينقص ذلك من قدرهم عند إخوانهم ولا عند النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عند الله عز وجل، ولعل قول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي رجمت حدا لزناها شاهدا على عدم انتقاص المذنب إذا تاب عن ذنبه، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟"رواه مسلم.
وقد فصلنا الحديث في هذا من قبل في الاستشارة التالية:
تعصي! أنت إنسان ولست ملكا

ثانيا: أن مجرد حدوث الذنب -أيا كان هذا الذنب- ليس عيبا، فهو من طبيعة البشر كما قلنا، ولكن العيب هو الإصرار عليه، وعدم التوبة منه، فالله عز وجل في معرض وصفه للمتقين يقول: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
136.أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 135، 136]، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى، فيغفر لهم"[رواه مسلم].

ثالثا: أن الداعية إذا أذنب أو أخطأ، فلا ينبغي أن يقعده ذلك الذنب أو الخطأ ويمنعه عن ممارسة الدعوة إلى الله عز وجل بحجة أنه لم يعد أهلا لها بعدما أذنب وأخطأ، فهذا باب من أبواب الشيطان يستدرج منه العبد.

هذه هي الموازين التي تحكمنا، ثم تعال نناقش الحالتين اللتين ذكرتهما، في ضوء تلك الموازين والقواعد:
الحالة الأولى: أسميتها أنت: (التناقض الذي يحدث في حياة الداعية)، وهنا يجب أن نفرق بين كون هذا التناقض عادة ومقصودا، وبين كونه عارضا طارئا غير مقصود، وأقصد بالأول الذي يمارسه الداعية عن عمد وإصرار، فيظهر أمام الناس بصورة التقي الورع العابد، حتى إذا اختلى بنفسه، أتى المعاصي والمنكرات، وهذا هو الصنف الذي يقصده النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي أشرت إليه، ونذكر نصه لمن لا يعرفه، يقول صلى الله عليه وسلم: "لأعلمن أقواما من أمتي، يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباء منثورا، أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوْا بمحارم الله انتهكوها" [رواه ابن ماجه، وإسناده صحيح].
وفي هؤلاء يصدق قول الله عز وجل: {يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 9، 10].

أما الصنف الثاني فهم الذين لا يتعمدون المعصية ولا يبيتون النية لإتيانها، وإنما تقع المعصية عرضا نتيجة لحظة ضعف بشرية آدمية، ثم إنهم إذا أتوا المعصية لا يصرون عليها، بل يسارعون إلى التوبة والاستغفار منها، ويظل إحساسهم بالتقصير يؤرقهم، ويغتمون، ويصيبهم الهم الكبير كما قلت أنت.
فما دام هناك إحساس بالذنب، ولوم من النفس، وأرق وهم وغم من المعصية؛ فتلك علامات خير، تدل على حياة القلب وإيمانه.
والواحد من هؤلاء عندما يقع في أي معصية يجب عليه فعل الآتي:
1- أن يجتهد في الإقلاع عن هذا الذنب ولا يصر عليه، ويتوب إلى الله عز وجل.
2- ألا يستصغر هذا الذنب ويستهين به؛ يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا" [رواه البخاري].
3- ألا يتهاون بستر الله عليه وحلمه عنه وإمهاله إياه، فإنما ذلك يكون بسبب أمنه من مكر الله، وجهله بمكامن الغرور بالله.
4- ألا يرتكب المعصية أمام الناس؛ فإنه إذا فعل المعصية على أعين الناس الذين يعرفونه ويقتدون به.. كبر ذنبه وعظم، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ويل للعالم من الأتباع؛ يزل زلة فيرجع عنها، ويحملها الناس فيذهبون بها في الآفاق"، ولهذا السبب ضاعف الله عز وجل لنساء النبي صلى الله عليه وسلم عذابهن إذا أتين بفاحشة مبينة، كما ضاعف لهن أجرهن إذا قنتن لله وعملن صالحا، يقول عز وجل: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقا كَرِيما} [الأحزاب: 30، 31].
5- أن يستر هذا الذنب أو العيب ولا يفشيه ولا يتحدث به، حتى لا يحرك رغبة الشر ونوازع المعصية ويعين الشيطان على السامع أو من يصله هذا الكلام، وليس هذا من الرياء أو النفاق، وقد يخيل الشيطان للعبد أن في تحدثه بذنبه تواضعا وتحقيرا لنفسه؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه" [رواه البخاري]، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أيها الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئا فلْيسْتترْ بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نقمْ عليه كتاب الله" [رواه الحاكم وإسناده حسن].
إن أرباب الحياء والأدب مع الله عز وجل، الذين يكتمون على أنفسهم، ولا يحدثون الناس بهفواتهم ويندمون عما حدث منهم من المعاصي، يقول عنهم صلى الله عليه وسلم: "إن الله يدْني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترْتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته" [رواه البخاري].

أما الحالة الثانية التي تعرضت لها -أخي الكريم- فهي حالة الداعية الذي يتعامل مع شرائح مختلفة من المدعوين، ويعامل كل شريحة بنمط معين وبشكل مغاير لما يعامل به غيرها، فتعتمل في قلبه أمور، ويكون حائرا في الحكم على نفسه بين شيئين: إما أن ما يفعله صحيح؛ حيث إن لكل شريحة تعاملا خاصا بها، أو أنه ذو وجوه متعددة، ويتلون كالحرباء!!.
إن الله -عز وجل- خلق الناس لهم طبائع متعددة، وعقول متفاوتة، ومشارب متنوعة، يقول عز وجل: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118]، ويقول: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل: 4]، ولذا فإن الداعية المتمرس يجب أن يعامل الناس كل حسب قدراته العقلية والنفسية والبدنية، فالأسلوب الناجع مع الكبار قد لا يناسب الشباب أو الأطفال، والذي يناسب العالم لا يناسب العامي، وما ينجح مع أهل الحضر قد يفشل مع أهل البداوة، وهكذا، وقد كان قدوة الدعاة والمثل الأعلى لهم النبي صلى الله عليه وسلم يراعي تلك الأمور، فيعامل الناس على حسب سن وعلم وطاقة كل منهم، فلا مانع أن يتباسط الداعية قليلا مع الناشئة والمبتدئين والعوام فيما لا يخل بالدين والمروءة، حتى يقبلوا عليه ويسمعوا له، وليس في هذا تلون ولا نفاق إذا قصد به وجه الله عز وجل، بل هو من حرفية الداعية.
وقد روي في الأثر: "خاطبوا الناس على قدر عقولهم"، ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" [رواه مسلم]، ويقول علي رضي الله عنه: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟" [رواه البخاري].
وقولك بأن الداعية يتعلم أن شخصيته يجب أن تكون ثابتة لا تتغير، هذا صحيح على مستوى المبادئ والأسس والأصول التي لا تقبل قيد شعرة من الاهتزاز أو التحول، أما على مستوى الوسائل والأساليب، فالأمر واسع لا تحده ولا تحكمه إلا حدود وأحكام الشرع والدين.

وأخيرا -أخي الحبيب- يجب أن يفهم كل المسلمين هذه القواعد والموازين التي تحدثنا عنها، فلا يخلعون الداعية من بشريته وآدميته، ويضعونه في مصاف الملائكة، حتى إذا ما ظهرت منه هفوة سقط من أعينهم.
هذا بالنسبة للناس عموما، أما الداعية فإلى جانب فهمه لتلك الأمور إلا أن عليه أن يأخذ نفسه بالعزيمة، متمثلا قول الشاعر:

قد هيئوك لأمر لو فطنت له....... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.. وأهلا بك.

استشارات ذوات صلة:

- مأساة انفصام الدعاة.. بل مآسٍ!!

- غرور المتدينين .. الأسباب والعلاج

- فصام الدعاة.. المرحلية تقي مصارع السوء

- عقوق الدعاة لأبنائهم.. المراجعة واجبة

جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..

طلابنا الدعاة ..
ما رأيكم في التفوق ؟

برامج دعوية
  للمراكز الغربية

 

 

 

تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث