يقول الدكتور محمد جمال حشمت -الطبيب والداعية المصري، والبرلماني السابق-:
أسئلتك هامة، وتعكس متابعة جيدة للواقع، كما تعكس حيرة أمام أسئلة يتهرب البعض من الإجابة عليها.
أقترح عليك أن نضع لكل سؤال أكثر من إجابة أو أكثر من سؤال، وننظر أيها أقرب للإسلام الذي يضع المصلحة في الاعتبار.
مثلا سؤال: إذا رفض الشعب الإسلام فهل يجبره الحاكم أم ما هو الحل؟ هل نظن أنفسنا أوصياء على الشعب، وأننا نحن فقط أصحاب العقل الراجح، وأن الأمة افتقدت من يغار على الإسلام؟ ولا ننكر أن الشعب الذي يرفض الإسلام إنما يحمل وزره أولئك الدعاة والمتصدرون للدعوة إليه، وأولئك سيكونون هم أول المكروهين الذين لا يُعتد بآرائهم، وقد فقدوا صدارتهم ومصداقياتهم، ولا يلومن أحد إلا نفسه!! والأولى أن يكون السؤال: إذا رفض الحاكم الإسلام فهل يجبره الشعب؟.
أما قصة التنازلات السياسية لإقامة تحالفات سياسية لمقاومة الفساد مثلا فهي مسألة مختلف فيها.. هل هي تنازلات أم هي إقرار بالواقع؟.
وهو أمر يجب التعامل معه من منظور شرعي وفق اجتهاد يناسب العصر بعد الجمود الذي وصل إليه المسلمون؛ فالحركة الإسلامية لا تواجه اليوم الحكومات والأنظمة التي تتمنى لها الزوال؛ بل تواجه أيضا الكارهين في الغرب والشرق للإسلام ومشروعه الحضاري {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، ومواقف الزعماء الغربيين أكثر من أن تحصى لمواجهة الإسلام والإسلاميين في الجزائر وفلسطين وباكستان والشيشان، وفى هذه المرحلة الحساسة الدقيقة ينبغي التحرك بمهارة لا تفريط فيها في الثوابت، ولا تجمد ولا انغلاق يعصف بنا خارج التاريخ.
ولعل السبب في عدم استيعاب كثير من الإسلاميين ما يدور حولهم من تحالفات هو طرق التربية والمناخ الذي تربى فيه هؤلاء؛ حيث يغلب عليه المثالية والتحدي والتحفز والعداء؛ وهو ما لا نراه في سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي تعاون مع المخالف له في العقيدة قبل الهجرة وفي أثنائها وبعدها، وموقفه -صلى الله عليه وسلم- من حلف الفضول يعني أن القيم والأهداف السامية يمكن أن تتأتى من غير أهل الإسلام؛ وهو ما يستوجب التعاون والتحالف مع المخالفين الذين يتحركون ضد الظلم والفساد والاستبداد الذي تعاني منه الأمة؛ وهو ما يؤكد تسامح الإسلام وقدرته على إدارة الحياة بكل مكوناتها من بشر وأفكار تحقيقا لحقيقة أن الإسلام يصلح لكل زمان ومكان.
هناك مقولات كثيرة تربينا عليها تحتاج إلى إعادة تأمل؛ مثل الدولة الإسلامية.. هل مصر أو السعودية بلاد غير إسلامية؟ وماذا يترتب على ذلك الحكم الخطير؟ وهو ما يجرنا إلى منزلق التكفير للمسلمين الذي يحطم وينهي أي أمة تقع فيه!.
أما الرأي بأن الأمة مصدر السلطات فهو الحق؛ فالشعب هو الذي يختار حكامه ونوابه وممثليه، ويراقبهم، ويحاسبهم، ويعزلهم إذا استلزم الأمر، وإلا أصبح الحاكم إلهًا لا راد لأوامره، وهو ما ابتلي به المسلمون!! نعم هو مصدر السلطات لا مصدر التشريعات؛ فالإسلام وأصوله هو مصدر التشريع، وأقر بذلك الدستور المصري، ولا يمكن الرهان على أن الشعب لا يريد الشريعة؛ ففطرة الأمة إلى الإسلام أقرب، وعندما تفسد فكما ذكرنا سابقا فإن النخبة والدعاة هم سبب هذا البلاء، والإسلام لم يعرف في تاريخه الدولة الدينية، ولا نظرية الحكم الإلهي؛ فالإسلام هو الذي أقر الشورى منهج حياة؛ بدءًا من اختيار الزوجة حتى تربية الأولاد، حتى الصلاة؛ فلا يؤم الناس من هم كارهون لإمامته، وإن أخطأ فعلى المأمومين الرد، مرورا بالمعاملات الاقتصادية، وشروط العقد والتراضي، حتى الممارسة السياسية التي تحترم إرادة الشعب، وتقاوم الاستبداد، وحذر من حكم الفرد في أثناء تناوله لظاهرة "الفرعونية"، ولا مانع من اعتبار مظاهر الديمقراطية هي إجراءات الشورى (والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها).
أمر آخر هام: هل الأوفق أن تمنع الأحزاب الشيوعية إذا بقي من يؤمن بها من الحق في الوجود، أم تسمح لها شرط التزامها بالقانون الملائم؟ وإذا اخترت منعها فهل تطاردها بلا هوادة كما يفعل الحكم الحالي مع الإسلاميين؟ وهنا هل ستستطيع منعها أم ستقوى هي؟.
ورغم أن الإجابة تكاد تكون قد أوضحت الرأي الذي ننحاز إليه فإننا نؤكد أن الدولة الإسلامية لم تخلُ يوما ممن يحمل فكرا مخالفا ومختلفا مع الإسلام، ورغم قول البعض بأن سيدنا عمر قد عامل الملاحدة معاملة أهل الكتاب في الجزية فإننا نقول: إن هذا الصنف قد انقرض، وأغلب من يتبنى الفكر الشيوعي يتحدثون فقط في رؤى اقتصادية أو سياسية أو غيرها، بعيدا عن الطعن في الإسلام، خاصة أن المرجعية الدستورية لا تسمح لأحد بمعاداة الشريعة الإسلامية، ومن ينطبق عليهم كل المخاوف لا يتجاوز عددهم العشرات أو المئات، دون أي تأثير يذكر في المجتمع المتدين من حولهم، ولولا وجود أحزاب تتنافس حول مناهجها في الحياة التي تؤثر في الشعب لافتقدنا الحكمة من تداول السلطة، وإفراز القيادات الشابة والمتجددة، والتي نحن محرومون منها طوال عشرات السنين الماضية. ولن يسمح أي نظام يحتكم للإسلام بأن يصنع أبطالا من الاضطهاد والمنع والحظر؛ فلقد عانت الحركات الإسلامية من الحصار والمطاردة، ولن تمارس ما رفضته وعانت منه، وإلا فقدت المصداقية واحترام الذات.
أما عن قضية الرفض والقبول للتبشير والدعوة فالأمر يكمن في الأصول والثوابت؛ بمعنى أننا حين ندعو إلى الإسلام في أي مجتمع فإنما تلتزم الدعوة إلى الله بعدة أمور منها:
1- احترام وتقديس كل الأديان وجميع الأنبياء السابقين على الرسول صلى الله
عليه وسلم.
2- احترام مناسك وتشريعات أهل الكتاب، مع الأمر بعدم التجريح عملا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله ورسله؛ فإن كان باطلا لم تصدقوه، وإن كان حقا لم تكذبوه" [رواه أبو داود].
3- أن الدعاة لا يُكرهون أحدا على الإسلام بأي وسيلة عملا بقوله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256].
4- أن الدعاة يخاطبون الجميع في قلوبهم وعقولهم، ولا يتوجهون بدعوتهم إلى الفقراء والمحتاجين والبسطاء؛ حتى لا يعد تغريرا واستغلالا لاحتياجاتهم.
على حين تشتهر حملات التبشير بمهاجمتها الإسلام والطعن في القرآن والإساءة إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهذا غير مقبول بدعوى حرية التعبير وعدم ازدواجية المعايير، كما تعتمد حملات التبشير على التعامل مع البسطاء الذين يفتقدون الحصانة الاجتماعية والمعيشية؛ وهو ما يدخله في دائرة التغرير لا التبشير، والأمثلة أكثر من أن تذكر، وأمامكم نموذج مثل زكريا بطرس الذي تأذى منه حتى المسيحيون العقلاء.
وهذا لا يمنع قدرة كلا الطرفين على المناظرة والمواجهة الفكرية التي يمكن لها أن تمحص المواقف، وتقدم دعوة الإسلام في أبهى صورة، ولعل هذه المواجهات هي الصورة المثلى لنشر الإسلام حتى وسط القيادات الدينية في الديانات الأخرى؛ لأنها تقوم على العقل والمنطق، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه.
أما الأسئلة التي وجهت لمسئول كبير في جماعة إسلامية كبرى؛ فأرجو مراجعة ما قيل بالضبط، وقد تعمدت عدة وسائل إعلامية نشر أحاديثه محرفة، وقد رد على بعضها، ويمكن سؤاله مباشرة على بريده الإليكتروني حتى تتضح الصورة بجلاء ثقة وإعزازا به.
وخلاصة القول أن هناك فقهًا تتعدد معه الآراء، وكلها في إطار الشريعة وكلياتها تجعل من الفن وسيلة للتربية لا معولا لهدم الأخلاق، وأن الفنون في أي مناخ وأي مجتمع تسوده قيم وأخلاق الإسلام سيسير في ركب التنمية وإلا قوبل بالصدود. ولعل حجاب الفنانات والتزام كثير من الفنانين بأخلاق الإسلام وثوابت الأمة ومتطلبات التنمية لهو دليل على أن الفن حلاله حلال وحرامه حرام، وأن تربية المجتمع على بدائل تعلي من شأن القيم لهو أحسن رد على الهجمة المتوقعة أكثر خلال الفترة القادمة من غزو فضائي، ومع وجود هذه المدافعة تبقى سلطة القضاء الحر هي الفيصل في منع أو السماح للفكر الساقط أو الإلحادي عندما يفشل المبدعون الإسلاميون في مواجهته؛ وهو ما لا أعتقده.
إن الحرية في الإسلام حرية منضبطة لا تمس حريات الآخرين، ولا تعتدي على أخلاق الأمة المتدينة بمسلميها ومسيحييها، وأسأل الله التوفيق فيما كتبت والخير فيما ذهبت إليه، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
ويقول الأستاذ وسام فؤاد:
عزيزي الأستاذ محمد نور محمد..
تحية طيبة وشكرا على أسئلتك التي تعكس غيرة على الصورة الذهنية عن الحركات الإسلامية واجتهاداتها فيما يتعلق بإدارة العمل السياسي، وبخاصة في بعض الدول العربية التي نجحت قوى الفساد في شل فعالية كل قواها السياسية، ومنعها من التحرك الهادئ الفاعل لإحداث تغيير سياسي يصون ما تبقى من الكرامة والمصلحة الوطنية؛ وهو ما يعني ضرورة أن تتحرك الحركة الإسلامية لإغلاق الباب الذي بسببه تشرذم القوى الوطنية المختلفة.
لا يوجد خطاب إسلامي واحد
وبداية أود أن أخبرك بمدخل هام جدا في بناء الوعي السياسي للحركة الإسلامية وأبنائها؛ وهو قاعدة عامة تنطبق على كل الأحزاب والقوى السياسية. وهذه القاعدة مفادها أنه لا يوجد خطاب إسلامي واحد لكل قوة سياسية. والحركات الإسلامية ليس لها خطاب إسلامي واحد كذلك.. فما معنى هذا؟ سأخبرك..
لو جئنا لأي حركة إسلامية فسنجد أن لها أكثر من خطاب؛ فلها خطابها الفكري الذي يعكس قراءة الواقع وهدف الحركة في هذا الواقع. ولها خطابها الدعوي الذي يمثل طريقها إلى الله، ولها خطابها السياسي الذي يمثل وسيلة تحقيق هدفها على الأرض؛ سواء أكان هذا الهدف هو مصلحتها كفصيل أو مصلحة الوطن الذي تعيش فيه، وكل خطاب من هذه الخطابات يتباين عن الخطابين الآخرين.
وإليك مثال: فلو أخذنا العلاقة بين السنة والشيعة كمثال؛ فإن الحركة الإسلامية السنية في مستواها الفكري ستحوي خطابا مفاده أن هناك خلافا عقديا بين السنة والشيعة، لكن هذا الخلاف ينبغي استيعابه حتى لا يمثل نقطة ضعف للعالم الإسلامي والقوى المعبرة عنه. وفي خطابها الدعوي ستحرص على أن كل مهتد جديد للإسلام يدخل وفق المذهب السني؛ لأنها ترى أنه سبيل الفوز بالجنة، وستجد في هذا الخطاب تنافسا سنيا شيعيا، وفي خطابها السياسي ستحاول تجسير الفجوات دوما بين الخطابين السني والشيعي في مواجهة الأزمات التي تواجه أيا من الطرفين، بخاصة في إطار التحديات الحضارية.. هذا هو المقصود بالتعددية.
وهذه التعددية لا تقتصر على الحركة الإسلامية وحدها؛ بل كل القوى السياسية تجد لديها هذا التعدد في الخطابات. وإذا أردت أن تفهم معنى التكتيك السياسي للقوى السياسية فستجده ببساطة تعبيرا عن الخلاف بين خطابها الداخلي العقدي ومقتضيات النجاح على مستوى الحركة؛ وهو ما يدفعها لصياغة تحالفات جديدة قد تتعارض مع خطابها الداخلي، لكن يتم تسويق هذه التحالفات باعتبارها خطابا سياسيا تكتيكيا.
والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها في مصر ذلك التحالف الجبهوي الذي تضمن قوى إسلامية ويسارية وليبرالية في مصر في الانتخابات التي شهدتها مصر عام 2005، وقل مثل ذلك بالنسبة للحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية".
والمثال الأكثر بروزا هنا أنك تجد حزبا إسلاميا كحزب "الوسط" يجعل المتحدث باسمه -في فترة ما- شخصية مسيحية كالدكتور رفيق حبيب الذي يحترمه كل مهتم بمستقبل مصر وحريتها. وكذلك فعلت جماعة الإخوان في انتخابات 1987؛ حيث وضعت الأستاذ جمال أسعد -وهو مسيحي- على رأس إحدى قوائمها.. فهل معنى ذلك أن المسلمين تنصروا أو تنازلوا عن اعتبارهم الإسلام طريق الجنة؟ الإجابة: لا. وهل فقد المسيحيون على هذه القوائم اعتقادهم بأن المسيحية طريق الجنة؟ الإجابة: لا.
فعلى المستوى العقائدي يحتفظ كل منهم بعقيدته، أما على المستوى السياسي فمصلحة الوطن الحياتية تقتضي ألا نبني خلافاتنا على اعتبارات تتحقق في الحياة الآخرة، خاصة إذا ما كنت مصلحة الوطن مهددة بما يفسد الدين والدنيا معا.
"لا إكراه في الدين".. الدلالة السياسية
كما أنك أخي محمد سألت عدة أسئلة عن السماح بتشكيل أحزاب شيوعية في دولة إسلامية، وقضية رقابة المؤسسات الدينية على المطبوعات التي تحمل أفكارا غير مسلمة. وأنا حقيقة أشكرك لطرح هذا التساؤل الذي يعطينا الفرصة لتقديم طرح إسلامي في هذا الصدد. ومدخلي هو قراءة قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256].
ولقراءتي لهذه الآية علاقة ببيان أمر مهم جدا فينا يتعلق بهذا الدين وحيويته، ألا وهو أن هذا الدين لن ينتصر بمن أُكره على اعتناقه. فعلى صعيد الدعوة: من سيتحرك للدعوة لهذا الدين إلا من يعتنقه طواعية ويعشقه عشقا؟ وعلى صعيد الجهاد: من سيدافع عن هذا الدين إذا ما صار موضوعا لمواجهة دولية إلا من يرى أن هذا الدين أثمن من حياته؟ وعلى صعيد السياسة: من سيحاول جهده أن يتبحر في إمكانات القرآن والسنة في علاج أدواء البشر إلا فقيه أو عالم أو سياسي يعرف لهذا الدين قدره.
وفي كل مجال من مجالات نصرة هذا الدين ستجد أن الدين يحمله كل من يؤمن به طواعية. ولهذا يجب على المسلم ألا يظن أن من مصلحة هذا الدين أن تقوم دولة إسلامية أو سلطة إسلامية أو حركة إسلامية بمنع الأحزاب العلمانية وحتى الشيوعية الرافضة للدين. فليعتنق فكر هذه الأحزاب من يشاء، وليترك الإسلام من يشاء، بل وليغير دينه من يشاء، ولا داعي لإثارة الخلاف حول عقوبة الردة التي يرى كثير من الفقهاء أنها ليست حدا، والداعي لقولنا هذا أن هذا الدين لن ينتصر إلا بمن يحمله في قلبه وعقله وجوارحه كلها. آن الأوان لنعرف هذا ونعيه جيدا، وآن الأوان لنبارح هذه المراهقة العقدية التي ترى أن الدين يحتاج لحمايته من المنافسة، ولو وصل الأمر لاستخدام السيف.
وفي هذا الإطار أيضا أتحدث عن مصادرة الأزهر للكتب والروايات لأنه يتعلق عضويا بهذه المسألة، وأرى أن مصادرة الكتب ومنع الروايات هذا من قبيل إعلان إفلاس الحالة الإسلامية على المستويين الدعوي والعقلي.
فعلى المستوى العقلي يمكن لأي كاتب أن يضع كتابه على الإنترنت، وليقرأه من يشاء، في أي وقت، ويمكن لمن يريد نسخة منه أن يدفع ثمنها ببطاقة الائتمان وتصله نسخة على البريد، برغم أنف من منعه.
أما على المستوى الدعوي فإن الأمر أخطر.. كيف؟.
الأصل في الدين الاختيار العقلي الواعي، والأصل في العقيدة الاختيار العقلي الواعي، والأصل في التكليف الإلهي الاختيار العقلي الواعي. ولا شك في أن المنع كان يحجب عن الناس بعض الفتنة، ولكنه أوقف امتحان الدين، وأوقف سريان آليات المعافاة من أدواء الفتن في المجتمع.
فمن آليات الدين في معافاة المجتمع شيوع الاستغفار والإنابة والتوبة، وعلى الدعاة المسلمين أن يشيعوا هذه الآليات بدلا من منع فتنة لن يتم منعها بسبب ثورة الاتصالات. ومن آليات الدين في معافاة المجتمع أن يرد على شبهات الخصوم؛ فعلى العلماء المسلمين أن يقرؤوا هذه الكتابات، وأن يردوا عليها فيحصنوا المجتمع منها. ومن آليات الدين في معافاة المجتمع أن يعرض ميزاته في مواجهة ميزات الفكر الآخر؛ فعلى العلماء والسياسيين المسلمين أن يتفننوا في إبراز مزايا الدين في مواجهة غيره من الأفكار الوضعية.
لقد فقد الدين حيويته بسبب تصور السلطات الإسلامية أنها حمته من الأفكار الهدامة، بينما هي في الواقع جردته من كل آليات الحيوية التي يحافظ عليها شعور العلماء المسلمين دوما بوجود خطر على أذهان العامة من الفكر الوافد فيعملون على استنهاض الكامن في الدين من قوى وأفكار وقدرة تعبوية.. إلخ.
والخلاصة مجددا أن منع الأفكار لا يفيد الدين وعلماءه وأتباعه، بل يضرهم جميعا، وعلى من يهتم لأمر الدين أن يتركه يلعب دوره الحيوي في مواجهة الأفكار الهدامة من ناحية، وأن يستوعب الأفكار غير الهدامة ويبني عليها.
وعليه.. فلا مندوحة في أن تسمح الدول الإسلامية بالتنصير على أرضها ما دامت لا تقيد الحركة الإسلامية وعلماء الإسلام في نشاطهم الدعوي، وما دامت لا تلاحق الدعاة ولا تعتقلهم ولا تعرقل إنجازهم لدعوتهم، وما دامت لا تغلق الصحف الإسلامية التوجه.
ويمكن أن نقول مثل ذلك فيما يتعلق بسماح الدول الإسلامية بوجود أحزاب شيوعية.
الأمة كمصدر للسلطات
كما أنك ذكرت أيضا أخي الفاضل حديثك عن اعتناق بعض الحركات الإسلامية مبدأ "الأمة مصدر السلطات"، والحقيقة أنني أعجب من مستوى وعي أبناء الحركة الإسلامية الذي لا يزال ينقصه الكثير حتى يرقى لمستوى المسؤولية.. فكيف إذن تساند حركتك في الانتخابات وأنت لا تعلم معنى أن تكون الأمة مصدرا للسلطات؟ أنا أقول هذا، وأحب أن يلتف حول دعوتي كل من ينتمي لحركة إسلامية.. أنا أربأ بكل داعية مسلم أن يُساق كالنعاج إلى موقف سياسي أو عقدي دون أن يعرف ما معنى ما يفعله؟ ولماذا يفعله؟ وما الهدف مما يفعله؟. إن رسول الله استقبح أن يكون أحدنا إمعة يقول: "إذا أحسن الناس أحسنت، وإذا أساءوا أسأت"؛ فما بالك بمن لا يعرف ابتداء هل أحسن الناس أم أساءوا؟!.
فيا كل مسلم ومسلمة، ويا كل داعية يحمل الإسلام بين الناس مشروعا عاما للإصلاح بجانب كونه مشروعا دينيا هدفه الفلاح في الآخرة، يا كل هؤلاء.. كل سلوك يسلكه المسلم لا بد له من أصل ودليل أو قياس أو اجتهاد؛ فليعرف كل منكم دليل ما يفعله من سلوك، وأصل اجتهاده، ولا يسير في الركب كما تسير النعاج خلف من يقودها لا تدري أيقودها لمصرعها أم لمرتعها؟.
وقبل أن أجيبك عن سؤالك أود أن أنبه الدعاة والمسلمين إلى أن الإسلام دين وعي، لقد جاء الإسلام ليقف بالناس وقفة أمام أوثان عبدوها تقليدا لآبائهم من دون أن يقفوا ليتفكروا ويعوا أنها مجرد أصنام لا حول لها ولا قوة. الإسلام دين وعي، ولا بد للمسلم أن يتحرك بوعي، ولا يوجد شيء أمام المسلم اسمه مواقف مبدئية مفروغ من مناقشتها؛ بل كل المواقف المبدئية عرضة للمراجعة والنقد مع تغير الظروف والأحوال. وعليه فيجب أن يكون المسلم حاضر الفكرة، مهتما بتقييم ما يعتنقه من أفكار في ظل الأوضاع التي يعيشها.
وإذا كنا قد فرغنا من هذا التنبيه فلنأت على إجابة ما سألت عنه: الأمة كمصدر للسلطات يجب تمييزها عن العملية الاقتراعية؛ فالعملية الاقتراعية هدفها أن تحدد قانونا موقف الأمة حيال قضية من القضايا، سواء أكانت القضية تتمثل في الوصول للسلطة أم في الحصول على رأي الأمة استفتاء في قضية من القضايا. وفي هذا الإطار الاقتراعي فإن رأي الأمة لو رفض ممثلي الحركة الإسلامية فهذا يعني تقصير الحركة الإسلامية وليس تقصير الأمة. وليس من مهام الحركة الإسلامية ولا من مفاهيم الإسلام أن نكره الأمة على السير وراء حركة إسلامية أو أخرى؛ بل أن نقنع الناس بالإسلام. فإن لم تكن لدينا قوة الإقناع فلنعلم أن هذا الدين لن ينتصر بالإكراه، بل ينتصر بالاعتناق والإيمان الجادين اللذين لا هزل ولا خذلان فيهما.
أما كون الأمة مصدرا للسلطات فهذا اجتهاد بشري محمود، جاء في مواجهة اجتهاد بشري مذموم يتمثل في أطروحة القرون الوسطى من أن الملك ظل الله في الأرض، وأن حق الملك في الحكم حق مقدس مصدره الإرادة الإلهية؛ فقد أدت هذه النظرية إلى التمكين للاستبداد والفساد والانحطاط باسم إرادة الله، تعالى عما يصفون. حتى قامت في أوربا حركات المراجعة والإصلاح الديني، واتفقت مع حركات الإصلاح الفكري على أن ما يسود عن إرادة الإله فيما يتعلق بالحكم إن هي إلا محض اختراع المؤسستين الملكية والكنسية، وما ارتبط بهما من فساد لا أصل له في دين ولا في فكر حر. ومن هنا نشأت النظريات الوضعية التي ترى أن الأمة هي مصدر السلطات لا الحق المقدس المنسوب لله تعالى.
وهنا أقف وقفتين:
أولاهما أن اعتبار الأمة مصدرا للسلطات في مواجهة الحق الإلهي لا يعني تطرقا للخلاف العقدي حول خلاف الجبر والاختيار وتحدي مشيئة الله؛ فالمسلم يعتقد في هذا الصدد عقيدة أهل السنة والجماعة؛ فالقول بأن الأمة مصدر للسلطات يعني فقط أن الادعاء بأن الملك أو الحاكم يحكم بتفويض من الله هو ادعاء كاذب، روجه منتفعون أو أصحاب مصلحة.
ثانيتهما أن اعتبار الأمة مصدرا للسلطات لا علاقة له بمفهوم الحاكمية من زاوية تحدي الأمة لشريعة الله؛ فاعتبار الأمة مصدرا للسلطات لا يساوي اعتبارها مصدرا للشريعة؛ فكون الأمة مصدرا للسلطات يعني أن الأمة هي التي تختار من يحكمها، ولا يعني أن الأمة قد تشرع تشريعا يخالف شرع الله.
لكن حتى لا نكون مقصرين في توضيحنا؛ فإن اعتبار الأمة مصدرا للسلطات قد يقود إلى تحكيم غير شرع الله، كما قد يقود إلى تحكيم شرع الله؛ فوصول "العدالة والتنمية" للحكم في تركيا، ووصول حركة حماس للسلطة في فلسطين، ووصول جبهة الإنقاذ للسلطة في الجزائر في انتخابات 1992 قبل إلغاء نتائجها.. هو من قبيل دور الأمة كمصدر للسلطات في الاتجاه نحو تحكيم شرع الله. لكن قد تكون الأمة بعيدة فعلا عن شرع الله، أو قد ترى في الحركة الإسلامية اجتهادات سلبية غير متزنة؛ مما يدفع الأمة لتجنب اختيار الحركة الإسلامية نائبة عنها في السلطة، ولا يعني هذا مسئولية الأمة في عمومها، بل يعني مسئولية الحركة الإسلامية في هذه الحال التي وصلت إليها الأمة.
التنازلات وحدودها
أما فيما يتعلق بسؤالك عن الفساد أخي محمد، وما يتعلق بحدود التنازلات التي تقدمها الحركة الإسلامية لملاحقته؛ فدعني أقل لك شيئا هاما ومنهجيا، عليك أن تعيه جيدا، وهو يعكس وجهة نظري:
الحركة الإسلامية العربية كانت بين خيارين: أولهما أن تصل إلى السلطة لتحكيم شرع الله، وثانيهما أن تستفيد من المرجعية الإسلامية في تحقيق مصلحة أوطانها.
وقد سارت الحركات الإسلامية في طريق التحكيم طويلا، فأسفر عن أمرين: أولهما: أن جاذبية الخيار الإسلامي جردت كل القوى السياسية من قوتها الشعبية، وقد أدى هذا بدوره لكراهية القوى السياسية للحركة الإسلامية. وثانيهما: أن الدولة استغلت كراهية القوى السياسية للحركة الإسلامية، فقهرتها مدعومة بموافقة كل هذه القوى على سحق الحركة الإسلامية. وكانت المحصلة النهائية لكل هذا أن القوى السياسية تجردت من قوتها، وأن الحركة الإسلامية تجردت من عافيتها، وكان المستفيد من ذلك هو السلطة السياسية المستبدة والفاسدة، وكانت الضحية هي مصلحة الوطن.
واليوم تحاول الحركة الإسلامية أن تعمل لأجل مصلحة الوطن أولا، وفي هذا الإطار يمكن لها أن تتقرب من كل الفصائل الوطنية الأخرى كيف شاءت ما دام هذا التقارب على أرضية مصلحة الوطن على المستوى السياسي. ولا قيود البتة على أنماط تحالفات الحركة الإسلامية أو تنازلاتها سوى ثلاثة أمور من وجهة نظري:
أ- ألا تكون التنازلات في خطابها السياسي باتجاه التحالف مع قوى الفساد والاستبداد والإرهاب.
ب- ألا تكون التنازلات تفريقا بين القوى السياسية وإقصاء بعضها.
ج- ألا يكون ثمة تنازل على صعيد خطابها الدعوي ذي التوجه الأخروي.
وأظن أنني قد ميزت جليا بين الخطابين الدعوي والسياسي في مطلع إجابتي على سؤالك أخي الكريم.
حول الخلافة ودورها
أما سؤالك عن الخلافة فأنا أرى أنها كانت مجرد سلطة تحاول حماية الإسلام، ولكنها لم تصُن نفسها، فجارت عليها سنن الكون، وأنا أرى أن أي سلطة إسلامية لها قدر من التمكين يمكن أن تقوم بمهام الخلافة فيما يتعلق بما يحتاج إلى سلطة كالحدود والجهاد.. وغيرها. لكني أرى إضافة لذلك أن الحماية الحقيقية للإسلام بيد الأمة والشعوب والحركات الإسلامية أكثر مما هي بيد سلطة سياسية تؤدي أهواء الحكام أو موازين القوى للتلاعب بها. لكن الحديث في مقام الخلافة يطول، ويحتاج لمقام آخر.
ويفيدك الاطلاع على الروابط التالية:
- في الدعوة .. تعدد "اجتهادات" لا تعدد "مرجعيات"
- الإسلاميون والسياسة.. أين الخلل؟
- الدولة في الفكر الإسلامي "ملف"
- الإسلام السياسي: التسمية والحكم
- الدعاة بين السلطة والعمل الجماهيري
|