تقول الدكتورة ليلى أحمد الأحدب:
لدى قراءة مشكلة مثل مشكلتك يتوجب أن نضع يدنا على بعض النقاط في شخصيتك؛ لأني أرجو أن تقبلي مني الإشارة إلى بعض نقاط الضعف في شخصيتك كي تتخلصي منها قبل عملك في الدعوة إلى الله؛ وذلك كي يكون عملك مقبولا متكاملا نافعا.
فأهم نقطة ضعف يمكنني الإشارة إليها هي التي بدأت بها رسالتك من توجيه اللوم لغيرك في تركك الدعوة إلى الله، وهما شخصان: زوجك الذي يتاجر في الخمور ولا يصلي، وأخت لك في الدعوة أحببتها في الله وساعدتها، ثم تنكرت لك وتغيرت معك. فالشخص الأول كان موجودا في حياتك قبل بدئك بالدعوة، إذ لم يبدُ من كلامك أن زوجك كان رجلا صالحا وانحرف بعد ذلك، والشخص الثاني يعطي صورة سلبية عن الدعاة؛ فهذه الأخت هي مثال سيئ للمسلم غير الداعية؛ فكيف لمن حمل لواء الدعوة إلى الله؟.
وعلى هذا فإن زوجك ليس له يد في منعك من الاستمرار بما بدأت به، وهذه الأخت عملت على تحطيم مشروعك الدعوي -حسب ما يفُهم من كلامك- ونجحت في ذلك؛ فلماذا لم تصمدي في مواجهتها، وتستمري فيما نذرت نفسك له لتثبتي لنفسك ولها وللجميع أنها ليست صادقة فيما تقول، وأنها لا تتصف بصفات المسلم الذي من واجبه الستر على أخيه المسلم، وليس كشف عوراته كما فعلت هي؟.
أستخلص إذن يا عزيزتي من شخصيتك بوادر سلبية يجب أن يتخلص منها الداعية قبل البدء بدعوة الناس؛ فالدعوة تبدأ بإصلاح النفس، وتدارك الأخطاء والسلبيات كي يستطيع الداعية أن يصلح من حوله؛ بدءا بأسرته، وانطلاقا إلى محيطه الأكبر، وأنت عندما تعيدين سبب تراجعك إلى الغير تبرئين نفسك من الخطأ والضعف، وعدم تبرئة النفس من الشيم التي يحبها الله سبحانه كما قال تعالى على لسان زوجة العزيز: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53].
المشكلة في بعض الدعاة والداعيات إلى الله برأيي هي تسنُّم هذه المكانة الخطيرة قبل الاستعداد لها؛ إذ من واجب الداعية الذي يقوم بالدعوة العامة أن يتصف بنقاط قوة في شخصيته، يستطيع من خلالها أن يوصل رسالته للناس على أكمل وجه، ومنها قوة الشخصية، وعدم التأثر بكلام الناس، وتحمل الإساءة، والصبر على الأذى، والاستمرار في دعوة القريب دون إهمال الغريب ودون كلل أو ملل؛ فأنت مثلا تقولين: إنك حاولت مع زوجك مائة مرة ليترك تجارة المحرمات دون جدوى، لكن يا ترى هل اتبعت كل السبل الممكنة معه؟ وهل سألت نفسك كيف يمكن مساعدته للتخلص من هذا الرجس الذي يدخله إلى بيته الذي هو بيتك؟ هل لك وظيفة تعتاشين منها كي يكون مطعمك حلالا، وليس من ربح بيع الخمور وتوابعها، والخمر أم الكبائر؟.
بالتأكيد أنا لا أسيء الظن بك، لكن أعتقد أنك بحاجة إلى اتخاذ موقف صارم مع نفسك أولا؛ بحيث لا تدَعي أي ظرف يودي بك إلى معصية الله؛ فإذا كان زوجك تاجر خمور؛ فهي كبيرة من الكبائر دون ريب، ولكن انغماسك أنت في علاقة محرمة -حتى لو كانت على النت- هي من أكبر الكبائر؛ لأنها خيانة لرابط الزواج الذي وصفه الله -سبحانه وتعالى- بالميثاق الغليظ، وإذا كنت ترجعين السبب إلى افتقادك العاطفة والعلاقة الحميمة مع زوجك؛ فهذا ليس مبررا، والحمد لله أنك انتبهت إلى خطئك، وتراجعت عنه، وأسأل الله أن يغفر لك، ويعينك على حل مشكلتك مع زوجك؛ فما أعلمه يا أختي الكريمة أن عدم إعفاف المرأة من قِبل زوجها يتيح لها طلب الطلاق، كي لا تقع في الحرام، فإذا كان زوجك غير قادر على إشباعك عاطفيا، وإمتاعك جسديا، وإعانتك عند مرضك؛ فيمكنك طلب الطلاق منه؛ فهذا حق من حقوقك الشرعية، خاصة أن عمرك -كما ذكرت- بين الخامسة والعشرين والسادسة والثلاثين، وهو العمر الذي يصعب على المرأة أن تعيش بدون إشباع جسدي؛ ذلك لأن الرغبة الجنسية تكون لدى المرأة في ذروتها في هذه السن؛ فهل فكرت في هذا الحل؟.
لم تناقشي في رسالتك موضوع طلاقك من هذا الرجل؛ فهل هو أمر غير وارد بالنسبة لك؛ كخوفك من كلام الناس عليك لأنك مطلقة، أم لعدم وجود من يعيلك غيره؟ فإذا كان الأمر كذلك فيمكنك أن تنظري للمشكلة من زاوية أخرى، وهي أن تقومي بتغيير اتجاهاتك الفكرية تجاه ما يعترض حياتك من مشكلات؛ لأن من واجبك يا أختي الكريمة أن تغيري نفسك قبل أن تفكري في تغيير أي شخص آخر، وتغيير الاتجاهات الفكرية ليس بالشيء الصعب إذا اقتنعت بضرورتها لتحسين شكل حياتك والتأقلم معها.
أرجو أن تعلمي أن المشاعر يمكن أن تتحكم بالإنسان لتتحول إلى أفكار مهيمنة عليه إذا سُمح لها بالسيطرة لتقود الأفكار وليس العكس؛ فمثلا شعور الإنسان بالعجز تجاه مشكلته يمكنه أن يتحول إلى فكرة سلبية عن نفسه بأنه إنسان عاجز، وهذه الفكرة بدورها تولد مشاعر سلبية أخرى بأنه غير قادر في كل المجالات، وهذا ما ينجم عنه رؤية ذاتية سلبية أنه ليس بذي قيمة في الحياة؛ لأنه ليس قادرا على تغيير نفسه؛ فكيف سيكون قادرا على تغيير غيره؟!.
لذلك فمن المهم جدا أن نجعل المشاعر تقف عند حدودها، ولا نترك لها الحبل على الغارب لتتمادى وتحكم حياتنا؛ كي لا تتحول إلى أفكار سلبية، وبالتالي إلى سلوك غير مرغوب أو شخصية انسحابية من الحياة، كما حصل في حالتك؛ حيث انسحبت من الدعوة العامة، وانطلقت إلى الدعوة الشخصية، وفي عالم الإنترنت المجهول؛ فوقع المحذور.
ظروفك الحالية صعبة جدا مع زوجك، وتنعكس عليك شعورا بالنقص عن الأخريات؛ فهذا الشعور بالنقص هو ما يجب أن تعالجيه، ولا أعتقد أنك قادرة على ذلك إلا إذا فعلت أحد أمرين: إما أن تتخلصي من سبب هذا الشعور -وهو زوجك- بالطلاق منه، أو أن تتأقلمي مع حياتك الحالية عبر تقوية إيمانك بالله القادر على كل شيء، والتأقلم مع زوج كهذا وتخطيه كعقبة في طريق الدعوة ممكن إذا تذكرت أن بعض الأنبياء -عليهم صلوات الله وسلامه- كانت زوجاتهم عاصيات كامرأة نوح ولوط عليهما السلام، وإذا تذكرت وذكّرت صاحبتك وأمثالها أن امرأة فرعون هي التي كانت السبب في نمو موسى وترعرعه في قصر فرعون، وأنها امرأة موعودة بالجنة رغم أن زوجها أحد مُدعي الألوهية.
إذن يجب عليك أن تعملي في اتجاه تقوية شخصيتك وتطويرها بالإيمان المترافق مع العقل، ومن ثم يساعدك هذا التطور على قبول وضعك مع هذا الزوج إن كنت مضطرة لذلك، أو مفارقته إن كان هو الحل الأمثل، وعندها في كلتا الحالتين سواء كنت مطلقة أو زوجة لتاجر خمور فلن يهمك كلام الجميع عنك؛ لأنك تعملين ما بوسعك لإرضاء الله سبحانه وليس لإرضاء بشر، وعلى قدر نياتكم ترزقون، وإنما الأعمال بالنيات، فإذا كانت نيتك خالصة لله سبحانه فلن يتركك ولن يتخلى عنك، وسيرسل لك من يساندك سواء على صعيدك العائلي أم الاجتماعي، وتذكري قول الله في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء" [رواه الطبراني في الكبير، والحاكم في المستدرك].
ولا تنسي الدعاء الذي هو سلاح المؤمن، سواء كان لك أو لزوجك ولغيركما؛ فالله قادر على أن يحول حالك وحاله وحالنا جميعا إلى أحسن حال، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأنصحك بمطالعة الروابط التالية:
- الزوج شارب للخمر تارك للصلاة
- داعية.. وزوجها تاجر خمور!!
- زوجي شارب خمرٍ وبائعه.. أريد حلاّ
|