يقول الأستاذ عبد العظيم بدران:
لقد سألت يا أخي عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله له. أشاطرك الشعور فيما تحس من أسى؛ فحالنا اليوم أحوج إلى الائتلاف لا إلى الاختلاف. ولقد اتفق علينا المختلفون وتداعوا في شتى الأنحاء إلى الإساءة بسيد البشر وخاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، مع أنهم ليسوا على ملة واحدة، ولا ينطقون بلسان واحد، ولا هم أصحاب مذهب واحد؛ فما بالنا نحن الذين نملك أفضل وأقوى الأواصر نسعى في التفريط بها؟!.
إنني أحييك على مبادرتك الحثيثة والفاضلة، وأبشرك بأن الله تعالى سيبارك خطواتك، وستشعر بهذه المباركة حال قيامك بالتوفيق والإصلاح ولم الشمل.
أخي الحبيب، لا تيئس ولا تستعجل؛ فتغيير الطبائع لا يكون بضغطة زر، وأن تحول جبلا من موضعه أسهل من أن تحول طبائع البشر!.
ولكن لا بأس؛ فهذه سنة الله في خلقه {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118-119].
وعليك يا أخي أن تذْكر وتذكِّر بما يلي:
* أن الملائكة اختلفوا، ومن ذلك: حين تاب الرجل الذي قتل مائة نفس، ثم اتجه إلى البلد الطيب ليقيم به، ومات في الطريق، فتنازعت عليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب.
* وأن أنبياء الله اختلفوا، ومن ذلك: حين عنف موسى -عليه السلام- هارون، وأخذ برأسه يجره إليه، وقال له هارون: يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي.
* وأن الصحابة -رضوان الله عليهم- اختلفوا، ومن ذلك: مواقف عديدة لأبي بكر وعمر، وكذلك لعلي ومعاوية، وأيضا لأم المؤمنين عائشة مع العديد منهم.
* وأن العلماء والفقهاء اختلفوا، ومن ذلك ما نجده اليوم، وكل يوم من آراء ومذاهب، ومسالك ودروب.
والسؤال الآن:
هل تسبب هذا الاختلاف في التنازع والفشل والفوضى وفرقة الأمة وانفراط عقدها؟.
لم يحدث هذا بالطبع بين المختلِفين، وإن حدث فيما بعد انقسام فريق من الأمة عن بقيتها فإنما حدث هذا بانحياز خاطئ وتعصب مقيت لرأي هذا الفريق.
ولقد ظلت الأمة قرونًا عديدة تعاني من هذه الفرقة البغيضة والتعصب المذموم، ولقد اكتوى بنيران ذلك أول من اكتوى: المختلفون أنفسهم.
ودعني أقل لك ولإخواني هؤلاء: لنختلف كما نشاء، ولكن علينا أن نراعي القاعدة الذهبية التي أطلقت منذ حين من الدهر: "نعمل جميعا فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".
وفي فقه الاختلاف أنقل لك بعض القواعد أخي الحبيب، لعلها تفيدك وإخوانك:
- ليس وقوع الخلاف هو المشكلة، ولكنْ تملُّك الخلاف واستغراقه للمسلم؛ مما ينسيه المعاني الجامعة، والكليات العامة، والقواعد الأصيلة، والقضايا المشتركة.
- حتمية الخلاف لا تعني الاستسلام له والاسترسال معه.
- الوقوف على أسباب الخلاف يساعد على الائتلاف من خلال معرفة الخلاف وأسبابه لتفاديها والابتعاد عنها، خاصة الخلاف الذي يؤدي إلى الفرقة.
ومما يساعد على تضييق هوة الخلاف ما يلي:
- استحضار أن الأصول والغايات والطريق والمقاصد واحدة.
- الخروج من الخلاف احتياطا.
- تجنب أسباب الخلاف.
- الاقتصار على الشريعة المباركة ومصادرها الصحيحة.
ومما يساعدك على (الائتلاف):
* النظر فيما هو متفق عليه.
* النظر إلى العدو المتربص الشامت.
* الدعائم الأخلاقية، ومنها:
- الإخلاص والتجرد من حظوظ النفس.
- البعد عن التعصب المهلك.
- إحسان الظن بالآخرين.
- عدم تصيد الأخطاء وتضخيمها.
هذه بعض مقتطفات بلا تفاصيل، نقلتها لك أخي الحبيب من محاضرة بعنوان "فقه الائتلاف.. الطريق إلى الوفاق" للشيخ الداعية السوداني "محمد سيد محمد حاج".
وكذلك تستطيع الرجوع إلى المزيد من المحاضرات والكتب التي تناولت فقه الاختلاف، وهي منتشرة ومتوفرة لمن أراد، ومن أشهرها كتاب "فقه الاختلاف" للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله ورعاه.
وقبل أن أختم حديثي إليك أذكرك بعدة أمور:
- أخلص نيتك لله، ولتكن: الإصلاح والتوفيق بين كل المسلمين.
- التمس لغايتك الشريفة الوسيلة المناسبة؛ فللقلوب مداخل وللأبواب مفاتيح.
- شارك إخوانك من هؤلاء وهؤلاء في مناسباتهم الاجتماعية المختلفة، وادع كل فريق للمشاركة في مناسبات الآخر.
- استعن بمن ترى من أهل الحي، من الصالحين الذين يعينونك في فكرتك ومبادرتك.
- ادع الله تعالى بظهر الغيب: "اللهم أصلح ذات بيننا، وألِّف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور".
وصلى الله وسلم وبارك على جميع الأنبياء والمرسلين. وتابعنا بأخبارك.
استشارات ذوات صلة:
- كيف يكون الخلاف رحمة؟
- خلافات الإسلاميين.. تفشلوا وتذهب ريحكم!!!
- الدعاة إلى الله لا يعرفون الخلاف
|