| داعية بلا عمل .. أصلح ولا تتراجع |
العنوان |
ما هو مصير من يدعو الناس إلى العمل الصالح ويتركه، ويدعوهم إلى ترك العمل الفاحش ويأتيه؟.
وإذا أراد هذا الشخص أن يصحح وضعه مع الله، فهل يترك الدعوة إليه ويصحح نفسه أولا، أم ماذا يفعل؟.
|
السؤال |
| 2007/07/15 |
التاريخ |
|
إيمانيات
|
الموضوع |
|
الأستاذ همام عبد المعبود
|
المستشار |
 |
 |
|
أخانا في الله كريم، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وأهلا ومرحبا بك، وشكر الله لك ثقتك بإخوانك في شبكة "إسلام أون لاين.نت"، ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا أهلا لهذه الثقة، وأن يتقبل منا أقوالنا وأعمالنا، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وألا يجعل فيها لمخلوق حظا.. آمين، ثم أما بعد:
فسؤالك - أخي الحبيب - ذو شقين:
أولهما : حول (مصير من يدعو الناس إلى العمل الصالح ويتركه، ويدعوهم إلى ترك العمل الفاحش ويأتيه).
وثانيهما: (هل يترك هذا الداعية الدعوة حتى يصحح نفسه؟).
أما عن الجزء الأول فأقول لك أخي الحبيب:
من عظمة ديننا الإسلامي الحنيف أنه لا يفصل بين الدنيا والدين، بل إنه يدعو إلى إصلاح الدنيا بالدين، فالإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا، والواجب على الدعاة إلى الله أن يكونوا قدوة للآخرين، فإذا دعوا الناس إلى عمل صالح كانوا في مقدمة ركب العاملين، وإذا نهوا الناس عن منكر فأحرى بهم أن يكونوا في مقدمة المنتهين، فلا يليق بداعية إلى خير أن يتخلف عن فعله، كما لا يليق بناه عن شر أن يكون من فاعليه.
وقد شدد سبحانه وتعالى على ذلك أيما تشديد، فقال سبحانه محذرا الدعاة والهداة: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ).
فالداعية الذي يأمر الناس بالمعروف ولا يفعله، وينهي الناس عن المنكر وهو واقع فيه، يوضع كما في الحديث الصحيح يوم القيامة في النار، فتدور أمعاؤه كما يدور الحمار في الرحى، فيسأله أهل النار عن سر هلاكه وقد كان في الدنيا يدعوهم إلى المعروف وينهاهم عن المنكر، فيقول لهم: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه.
وقد صدق الشاعر حين قال:
يـــا أيــها الرجـل المعلم غيره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى *** كيما يصح به وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عـــن غــيها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
ونراك تصلح بالرشــــاد عقولنا *** أبدا وأنت من الرشاد عديم
فهناك يسمع ما تقول ويهــــتدي *** بالقول مـنك وينفع التعليم
لا تنه عن خـــلق وتأتي مــثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم
فليتق الله هذا الداعية، وليعد إلى صوابه ورشده، ولا يكونن خنجرا يطعن به أعداء الله دين الله، وإن لم يكن للإسلام فلا يكونن عليه، وإن لم ينفعه وينصره فلا يضره ويسيء إليه، ورحم الله من قال لجمع من الدعاة: "أيها الدعاة اتقوا الله في دينكم ودعوتكم، واعلموا أن الناس يسمعونكم بأعينهم لا بآذانهم"، الله أكبر على هذا الفهم العالي، وليت دعاتنا اليوم يفهمون!.
أما بخصوص الجزء الثاني من سؤالك يا أخ كريم وهو: (هل يترك مثل هذا الداعية الدعوة حتى يصلح نفسه؟)، فاستعن بالله وأقول لك:
على الداعية أن يعلم أن الله عز وجل قد منّ عليه بنعم كثيرة، في مقدمتها نعمة الإسلام، ونعمة الالتزام، ثم أكرمه بأن اختاره للقيام لأشرف مهمة ألا وهي مهمة "الدعوة إلى الله"، قال تعالى: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين).
فليحمد هذا الداعية ربه على هذه النعم الكثيرة، وليؤد شكرها ليزيده الله من نعمه وفضله، قال تعالى: (وإذ تأذَّن ربُّكم لئن شكرتم لأزيدنَّكم ولئن كفرتم إنَّ عذابي لشديدٌ)، ومن أداء شكر هذه النعم أن يستمر في تبليغ دعوته سبحانه وتعريف عباده عليه، بإرشادهم لطريق طاعته وتحذيرهم من مغبة معصيته.
وأن يحذر تلبيس إبليس، وليكن استشعاره لهذا الخطر دافعًا للمزيد من الفرار إلى الله بالاستمرار في الدعوة إليه، وليحذر أن تطول به مدة الفتور، فإنها تؤدي إلى الكسل عن الدعوة، ثم إلى التثاقل عن حمل مهامها، ثم إلى تركها والبعد عنها، ثم.. ثم.. إلى القنوط من رحمة الله، وهذا ما يسعى الشيطان للوصول إليه، قال تعالى: (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون)، فليتق هذا الداعية ربه في نفسه ودينه ودعوته، وليشمر عن ساعد الجد، وليعد إلى ربه وليأخذ من تقصيره دافعًا لمزيد من الحركة وبذل الجهد.
واعلم - أخي كريم - أن من الأخطاء الشائعة في عالم الدعوة إلى الله قول البعض - ممن يستشعرون التقصير أو يرتكبون بعض الذنوب الصغائر -: إنني غير صالح لمواصلة الطريق، عليّ أن أتوقف - لفترة - حتى أصلح نفسي! وهذه - يا أخي - بداية النهاية في حياة الدعاة، عندما تسول لهم نفوسهم أن انقطاعهم عن طريق الدعوة سيصلح حالهم!.
فاعلم أخي - حفظك الله - أن الداعية يدعو إلى الله، وأن الله يكرمه بإصلاح حاله، فمثلاً لو كان هذا الداعية مقصرًا في صلاة النوافل، أو مقصرًا في ورده القرآني، فإنه عندما يذكر الناس بفضل وأجر النافلة وعظيم الثواب المنتظر من المحافظة على الورد القرآني فإنه - ولا شك - سيكون بعدها أشد حرصًا عليهما، أو هكذا يجب أن يكون.
نعم الأصل أن الداعية يدعو الناس إلى ما يؤمن به، ويحافظ على فعله، لكنه أيضًا لا يحرم الأجر من الله إن ذكّر الناس بسنة أو دعاهم إلى الحفاظ على نافلة، أو فضيلة، ومن إكرام الله له أن يصلح له نفسه وأن يرزقه الحفاظ على ما يدعو الناس إليه.
وختاما، ليمض هذا الداعية في دعوته، ولا يتوقف في الطريق، ولا يستسلم لنوازغ الشيطان، وليجتهد في الاستغفار والتوبة، وليعلم أن الله سيصلح له قلبك، وسيعيد إلى إيمانه شبابه، فليتوكل على الله تعالى.
نسأل الله تعالى أن يهدينا إلى الخير، وأن يصرف عنا شياطين الإنس والجن، إنه سبحانه خير مأمول، وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وتابعنا بأخبارك وأخبار هذا الداعية.
|
 |
| اقرأ أيضًا: |
 |
|
 |
|
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية.. |
|
|
 |
|