أخي الحبيب، عليك أن تميز جيدا بين الذي يخجل من مظهره الإسلامي أو يخاف من الدعوة لإسلامه، وبين الذي لا يفهم فرضية الدعوة ولا يجيد أساليبها، وبين الذي يراعي الواقع الذي يعيش فيه ويحسن التعامل معه بفن وحكمة، ويجتهد في تغييره تدريجيا نحو الأصلح.. خاصة عندكم في فلسطين الحبيبة، حيث واقعكم يحتاج إلى عمق في دراسته، وعمق عند وضع خطط ووسائل التعامل معه حتى يمكن تغييره نحو الإسلام بأقل الجهود وأقل الخسائر وبأسرع الأوقات وأعظم النتائج.
إن عليك - أخي الحبيب - أن تبذل ما أمكنك من جهود في إحسان تشخيص كل نوع حتى لا تسيء الظن بأحد أو تخطئ عند معاملتك فتخسر جهوده للإسلام.
إن الذي يخجل من إظهار التزامه من أهم علاماته مسايرته لأفعال البعيدين عن دينهم من حوله دون أن يكون له خطوط حمراء لا يتعداها.. أي من الممكن أن يقع فيما هو حرام.
ومن أهم علامات الذي يخاف من عرض إسلامه، هو الحرص الزائد الشديد الغير معتدل على الدنيا، والفزع عند المساس بأعماله أو أمواله أو نفسه أو أهله أو منصبه.
بينما الذي لا يفهم فرضية الدعوة إلى الله والإسلام وأهميتها وثوابها وفوائدها، فمن أهم علاماته التقصير والتهاون عند ممارستها، فيقوم بها أحيانا.
وأما الذي لا يجيد أساليبها، فمن أهم علاماته الحماس الكبير الغير المتوازن دون التعقل، مع كثرة الأخطاء.
وأما الذي يراعي الواقع ويتدرج معه ويتعامل بفن وحكمة، فمن أهم علاماته العمل الهادئ المستمر دون انقطاع - حتى ولو كان قليلا - رغم تقلب الأحداث حوله، مع الاستعداد للتضحية بكل صورها، رغم أن مظهره الخارجي قد يوحي بعكس ما في باطنه، إذ هو دائم الاختلاط بالناس والتواجد بينهم ومعايشتهم وقبول بعض أخطائهم، آملا تغييرها مع الوقت.. حتى يمكنه التأثير فيهم بالتدريج دون التأثر بهم.
فعليك أخي الحبيب - بناء على التشخيص الذي تخلص إليه من دراسة حال إخوانك الذين تتحدث بشأنهم - أن تحسن التعامل مع كل نوع من هؤلاء:
* فأما الذي لا يفهم فرضية الدعوة إلى الله والإسلام أو لا يجيد أساليبها، فعلاجه كثرة ودوام معايشته، فيتعلم تدريجيا منك ومن غيرك من الدعاة المعتدلين أن الدعوة مفروضة على كل مسلم ومسلمة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال بصيغة الأمر: "بلغوا عني ولو آية" رواه البخاري.
ويتعلم أنها على قدر الاستطاعة، لأن الله تعالى يقول: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، ويتعلم أنها تبدأ بالتمهيد.. أي بالقدوة الحسنة في كل الأقوال والتصرفات، وبزرع الحب والثقة بين الداعي ومن يدعوه، وبالتعارف فيما بينهم، وبالتفاعل والتواصل في الأفراح والأتراح، وبالكلمة الطيبة والكتيب والشريط، ويتعلم أنها ليست في المسجد فقط أو مع رواده فقط وإنما في كل مكان.. في البيت والشارع والنادي ووسيلة المواصلات ومكان العمل، مع الوالدين والإخوة والجيران والأقارب والزملاء والأصحاب وأهل الحي.
* وأما الذي يخجل من إسلامه أو يخاف من عرضه أو يرضى فقط بأن ينكر بقلبه ولا يجتهد في أن يغير من حوله بالقول الطيب اللين المناسب في التوقيت والمكان المناسب، فهذا يحتاج إلى علاج، ويحتاج إلى أن تصبر عليه، وأن تتدرج معه وتشجعه وتأمل دائما في أنه سيتغير يوما ما.
وعلاجه يتلخص في: العلم، والعمل.
أي أن تعلمه بالحسنى وبما يناسبه من وسائل وأقوال بفوائد الدعوة في الدنيا وثوابها العظيم في الآخرة.. ففي الدنيا السعادة والراحة والاطمئنان لمن يتعاملون فيما بينهم بأخلاق الإسلام عندما يستجيبون لها ويعملون بها.. كالصدق والأمانة والوفاء بالوعود والمواعيد والتعاون والعدل والشورى والتواضع وغيره، في مقابل التعاسة والمشقة والقلق لمن يتعاملون بغير أخلاقه.. كالكذب والخيانة والغدر وعدم الوفاء والأنانية والظلم والاستبدادية والتكبر وما شابه ذلك.
ثم الثواب العظيم في الآخرة كما يقول تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين)، وكما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا" رواه مسلم.
ثم تعلمه بإثم التقصير في هذا الفرض دون عذر، لأن الله تعالى قال بصيغة الأمر: (فلذلك فادع).. فإن هذا العلم بفوائد الدعوة وأضرار التقصير فيها يشحذ النفس ويدفعها لمحاولة اتخاذ أسباب وأعمال الفوز بالثواب والنجاة من العقاب..
وأما العمل، فيقصد به:
- تذكرته بكثرة الدعاء والاستعانة بالله، فإن الدعاء أثره معروف ومجرب في التغيير كما يقول تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإنه قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان).
- عونه على زيادة إيمانه، فإن زيادة الإيمان تدفع لحسن العمل ومقاومة أي ضعف، وذلك بتدبر مخلوقات الله وأرزاقه ورحماته، وحسن الارتباط به، مع المحافظة على الفرائض، والتعاون في أداء النوافل.
- عونه على تقوية إرادة نفسه، وذلك عن طريق التذكير الدائم باستمداد القوة والعون من الله تعالى، والتزام بعض العبادات التي تقوي الإرادة مثل الصيام، حيث تمتنع النفس بإرادتها عن الطعام والشراب، ومثل قيام الليل بركعتين أو أكثر لليلة أو أكثر في الأسبوع، حيث تمتنع بإرادتها عن بعض النوم، وبفعل بعض المعاملات التي تقويها أيضا مثل: غض البصر، وحفظ اللسان عن كل قول سيء، كما لمح الرسول صلى الله عليه وسلم لاحتياجهما لقوة إرادة حينما قال: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة" رواه البخاري ومسلم، وما بين لحييه أي اللسان، وما بين رجليه: أي الفرج، وكذلك القيام ببعض الرياضات البدنية التي تحتاج إلى الصبر والمثابرة.
* وأما الذي يراعي الواقع - ونظن أن معظم من حولك بإذن الله سيكونون من هذا النوع -، فهذا لا يحتاج إلى علاج، فهذا هو المطلوب والمناسب في هذه المرحلة حتى يستطيع الدعاة أن يصلوا بالإسلام إلى الآخرين بفن وحكمة.
ولقد كان هذا هو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.. ألم يستخدم الدعوة الفردية فقط في مرحلة من المراحل لما كان الكفار لهم الغلبة والسلطان؟! كما وصاه بذلك الله تعالى في قوله: (وأنذر عشيرتك الأقربين).. فالإعلان عن الإسلام في هذه الفترة قد يقضي عليه نهائيا فلا تقوم له قائمة ولا يكتب له استمرار.
وأيضا عقد النبي صلى الله عليه وسلم معاهدات مع اليهود من أجل حسن التعايش لما وصل إلى المدينة المنورة ليأمن شرهم ما أمكن وليتفرغ لتربية المسلمين على إسلامهم حتى يمكنهم إدارة شئون حياتهم بأخلاقه وكل شئون دولتهم بقوانينه فيسعدوا ويُسعدوا من حولهم.
فاجتهد - أخي الحبيب - في التثبت ما أمكن قبل الحكم على من حولك، ولا يشغلك فقط من أي الأصناف هم، فأنت لست قاضيا ولكنك داع، وإنما ليشغلك أن تكونوا جميعا من الصنف الذي يراعي الواقع ويدعو إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة لينال أعظم الثواب.
وفقك الله وأعانك.. ولا تنسنا من صالح دعائك.
|