|
|
|
 |
محمد
- مصر
|
الاسم |
 |
| روشتة علاجية لأمراض في الحركة الإسلامية |
العنوان |
أستاذي الفاضل الدكتور فتحي؛
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في البداية أزف إليكم مشاعر مفعمةً بالحبِّ الفيَّاض الرقراق، والودِّ العذب النبيل، أقول لكم أيُّها الأخ الفاضل والشيخ الجليل: إنِّي أحبُّك في الله.
هذه المشاعر وهذا الحبُّ هو بعض ثمار الأخوَّة الصادقة التي أحياها نحوكم بالرغم من تباعد المسافات واتساع الأميال.
لكن هذه الأخوَّة لم تعد كذلك في الأجيال المتأخِّرة، فقد فقدت جزءًا كبيرًا من طبيعتها، ولم تعد تؤتي ثمارها، فأصابها الكبر، وحلَّ بها العطب، وانتشرت بها الآفات.. ففقدنا بذلك رافدًا من أهمِّ روافد الحياة عندنا، وسرًّا حبانا الله به دون غيرنا من سائر التجمُّعات البشريَّة حتى الإسلاميَّة منها، وعنصرًا من أهمِّ عناصر البقاء عندنا.
أعلم أنَّ هذا الكلام لا يروق لسيادتكم، ولكنَّه حقيقةٌ واقعة، أصبح يراها كلُّ ذي عين، وكلُّ الحلول المقترحة للترميم لم تؤتِ الثمرة المرجوة منها، فلم تعد الزيارات تجدي، ولا أداء الواجبات الاجتماعيَّة والتكافل يكفي لتصحيح ما انكسر من هذه الرابطة، ولم يكفِ أيضًا نسيان الأخطاء، ويفسح الطريق لإشراق الروح وهذا الحب أن يعود، وأصبحت التوصيات فائدتها لحظيَّة.
ظللت أيَّامًا عديدةً وأسابيع مديدةً أرقب هذه الظاهرة، لماذا هذا الانطفاء الروحي وهذا التفسُّخ الأخويّ ؟ ما الخلل ؟! وكيف العلاج ؟
قلت ربَّما يكون هذا الخلل تربويًّا إيمانيًّا.. فلم تفلح هذه الروشتات العلاجيَّة التي ذكرت آنفًا إذا أتت على إيمانٍ ضعيفٍ مترهِّل، وأيّ عملٍ يقوم على غير إيمانٍ متينٍ فهو إلى انقطاع، لكن شيئًا ما آلمني حتى أبكاني.. إذ إنَّ هذا الخلل الإيماني ترتَّب عليه خللٌ فكريٌّ، فلم تعد لدينا وحدةٌ في التصوُّر، ولا تعريفٌ واضحٌ للقيم والأشخاص والأحداث.
فكيف نعالج أمرًا لم نستطع تقييمه وتشخيصه، وأكثر الناس بعدًا عن القيم والتصوُّرات الإسلاميَّة هم أولئك الذين من واجبهم ترسيخ هذه المعاني في نفوس غيرهم..
فإذا اتخذنا مشاعل النور والهدى أمثالكم مرجعيَّةً نحتكم إليها اعتبروا ذلك تتبُّعًا للعيوب والزلات التي أصبحت أساسًا وليست شيئًا عارضًا، حتى أنَّ تزكية بعض الأشخاص تتمُّ من أبواب خافية، وبأساليب ملتوية كي لا نعرضها على المعايير التي أرسيتموها، واضعين وراء ظهورنا خبراتكم الدعويَّة العريقة مضيِّعين جهاد جيلكم القرآني الفريد، وحجَّة واحدهم أنَّنا لسنا مجتمعًا من الملائكة، بل بشرٌ خطَّاءون، وأنا لا أنكر هذا، ولا أسبح ضدَّ التيَّار أو في عالمٍ من الخيال بعيدًا عن الواقع.
لكنَّنا نسينا أنَّنا مجتمعٌ جميع أفراده وعناصره من الدعاة، ومجتمعٌ كهذا ينبغي أن تكون أخطاؤه غير أخلاقيَّة، بل هي من قبيل اللمم، وإن كانت هناك أخطاءٌ غير أخلاقيَّةٍ فلا ينبغي أن يُكتب لها البقاء والدوام، فضلاً عن أن يكون لها صف متراصٌّ يدافع عنها ويهمِّش من عندهم طموح ولهم حال.
شيخنا الكريم؛
إنَّني أشعر بالغربة في بيتي الأوَّل.. فمن أين لي الزاد الذي أنطلق به داعيًا إلى ما آمنت به ؟ وهل تظنّ يا سيِّدي أنَّ لكلِّ أخٍ ملتزمٍ قوَّة الروح التي لديكم فتضع هذه الأخطاء المتراصَّة المتراكبة المعقَّدة خلف ظهرها، وتنطلق للبناء في خطىً واثقة ؟!
أريد من سيادتكم روشتةً علاجيَّةً بعيدةً عن المسكِّنات، تتجاوب مع نفسٍ ضعيفةٍ وروحٍ لم يبلغ الإشراق مداها.
وفقكم الله، وجزاكم الله خيرًا، ومعذرةً على إضاعة وقت فضيلتكم الثمين.
ابنكم محمد – مصر.
|
السؤال |
| 2008/10/22 |
التاريخ |
|
إيمانيات, مشكلات في الدعوة والحركة
|
الموضوع |
|
الدكتور فتحي يكن
|
المستشار |
 |
 |
|
أخي الكريم محمد؛
حفظك الله، ووفقك لما يحبُّه ويرضاه.
أشاطرك الرأي في أنَّ الواقع التربوي على الساحة الإسلاميَّة إلى تراجعٍ وانكفاء، وأنَّ معظم المشكلات التي تواجه الحركة الإسلاميَّة على مختلف الصُّعد مردُّها للواقع التربويّ الذي يبدأ بضعف الإيمان وذبول العبادة، وينتهي بالتفسُّخ الأخويِّ والتنظيميِّ والحركيِّ وغيره.
حسبي حيال ما عرضت في رسالتك من مشاكل وأمراض تعصف بالحركة الإسلاميَّة أن أتناول وإيَّاك مشكلةً واحدةً من المشكلات الكثيرة وكعيِّنةٍ من العيِّنات، وهي مشكلة ضعف الروابط الأخويَّة وانحسار مساحة الحبِّ في الله.
وحتى لا نذهب بعيدًا، أو نُتَّهم في تعقيد المسألة، فلندخل في صلب القضيَّة وفي عمقها.. وإذا عرف السبب بطُل العجب، وسهل الحل، وهان العلاج، والله المستعان.
- إنَّ الأخوَّة الإسلاميَّة آصرةٌ مقدَّسة، يعقدها الله عزَّ وجلَّ بين قلوب عباده المؤمنين المتحابين فيه.. فهي ليست عقدًا تنظيميًّا تفرضها اعتباراتٌ حزبيَّةٌ ولو كانت إسلاميَّة، وهي ليست علاقةٌ بشريَّةٌ تقتضيها مصالح دنيويَّة، وهي كذلك ليست صحبة طريقٍ أو رفقة درب.. وإنَّما هي فوق كلّ هذا وذاك إلفةٌ ربانيَّةٌ ومنَّةٌ رحمانيَّة، أشار إليها كتاب الله تعالى في أبلغ وصف، حيث قال: (هو الذي أيَّدك بنصره وبالمؤمنين * وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألَّفت بين قلوبهم ولكن الله ألَّف بينهم إنَّه عزيزٌ حكيم).
إنَّ تصوُّرنا للأخوَّة الإسلاميَّة وللحبِّ في الله على هذا الأساس يفضي إلى وضع الإصبع على خلفيَّة التداعيات الأخويَّة كافة، مع الاعتراف بوجود أسبابٍ جانبيَّةٍ متعدِّدةٍ للمشكلة، تناولتها بإضافةٍ وإسهابٍ أقلام وأدبيَّات الكثير من المفكرين والكتاب.
إنَّه لا بدَّ من الجزم بأنَّ الأخوَّة هي "حجر الأساس الرباني" في إقامة "البنيان المرصوص" الذي يشدُّ بعضه بعضًا، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)، رواه مسلم، وقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدُّ بعضه بعضًا) رواه البخاري.
- وإذا كانت الأخوَّة الإسلاميَّة وشيجةٌ ربانيَّةٌ يؤلِّف الله بها بين قلوب عباده المؤمنين، فإنَّ حبَّ هؤلاء في الله هو غذاء هذه الوشيجة وإكسيرها ونبضها، وهو بالتالي ثمرة حبِّهم لله.
وكما يستحيل وجود فرعٍ بدون أصل، فإنَّه يستحيل قيام حبٍّ في الله من غير حبِّ الله ؟
وفي ضوء هذا يمكن أن يُفهم المقصود العلوي الرباني من الدعاء المأثور "اللهم اجعل الموت راحةً لنا من كلِّ شرّ، واجعل الحياة زيادةً لنا في كلِّ خير، وألهمنا حبَّك وحبَّ من يحبُّك، وحبَّ عملٍ يقرِّبنا إلى حبِّك".
وانطلاقاً من هذه القاعدة وتأسيسًا عليها، يُصبح الوفاء بين الناس ثمرة وفائهم لله.. كما يصبح الصدق بينهم نتيجة صدقهم مع الله، وتكون مؤدِّيات الأعمال والخصال وفروعها مشتقَّةٌ كلّها من هذا البعد الإلهي الرباني.
- وفي ضوء هذا كذلك يمكن الحكم على أيَّة ظاهرةٍ من ظواهر الخلاف والشقاق، وأعراض ضعف الآصرة، وذبول الحبِّ في الله، بأنَّها نتيجةٌ طبيعيَّةٌ لفساد العلاقة مع الله سبحانه، واجتراح مساخطه، والوقوع فيما نهى عنه، وإلى تحكُّم الأهواء والمصالح الدنيويَّة في المسار، وهو مناقضٌ لما ينبغي أن يكون عليه حال المسلمين، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممَّا سواهما، وأن يحبَّ المرء لا يحبُّه إلى لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار) رواه البخاري.
وصدق الله تعالى حيث يقول: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربَّصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين).
* خطواتٌ تكميليَّةٌ لتنمية الأخوَّة الإسلاميَّة:
وحرصًا من الإسلام على توثيق عرى الأخوَّة بين المسلمين، فقد طرح مجموعةً كبيرةً من الخطوات التي من شأنها تنمية هذه الآصرة المقدَّسة، لتبلغ أعلى مستويات الحبِّ في الله، من ذلك:
- أن يحبَّ الأخ لأخيه ما يحبُّه لنفسه، عملا بما رواه أنسٌ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه) متَّفق عليه.
- أن يتحاشى كلَّ ما من شأنه إخافتُه وترويعُه، امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحلُّ لمسلمٍ أن يروِّع مسلمًا) رواه أبو داوود وصحَّحه الألباني.
- أن يُحاذر منافسته في أمرٍ من أمور الدنيا، وأن يكون دائم الإيثار له، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له) رواه مسلم.
- أن يحجزه عن الظلم ويعينه على الحقّ، امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا)، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره ؟ قال: (تحجزه، أو تمنعه، من الظلم فإنَّ ذلك نصره) رواه البخاري.
- أن يمشي في حاجته امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلمٍ كربةً فرَّج الله عنه كربةً من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامةرواه البخاري.
- أن يراعي الحقوق التي أوجبها الإسلام عليه، والتي صوّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (حقُّ المسلم على المسلم خمس: ردُّ السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس) رواه البخاري.
وفي روايةٍ لمسلم: (حقُّ المسلم ست)، قيل: ما هنَّ يا رسول الله ؟ قال: (إذا لقيته فسلّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه).
- أن يحفظه في غيبته وحضوره، وأن يصونه في نفسه وماله وعرضه، امتثالاً لقوله صلى الله عليه سلم: (المسلم أخو المسلم، لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذله، كلُّ المسلم على المسلم حرام: عِرضه وماله ودمه، التقوى ها هنا، بحسب امرئٍ من الشرِّ أن يحتقر أخاه المسلم) رواه الترمذي بسندٍ حسن.
- أن يكون دائم النصح له، شديد الحرص عليه، يعكس صورته إليه كما تعكس المرآة صورة الناظر إليها، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكفّ عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه) رواه أبو داوود وقال الألباني حديث حسن.
- أن يحرص على زيارته باستمرار، ويحاذر من هجرانه، امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال) رواه البخاري، وقوله: (إنَّ الله يقول يوم القيامة: أين المتحابُّون بجلالي، اليوم أظلُّهم في ظلِّي يوم لا ظلَّ إلا ظلِّي) رواه مسلم.
- أن يكاشفه بحبِّه الأخويّ هذا، لما ورد في الحديث أنَّ رجلاً مرَّ بالنبي وعنده صلى الله عليه وسلم رجلٌ جالس، فقال الرجل: والله يا رسول الله إنِّي أحبُّ هذا في الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخبرته بذلك ؟) قال: لا، قال: (قم فأخبره تثبت المودة بينكما)، فقام إليه وأخبره، فقال: إنِّي أحبُّك في الله، أو قال أحبُّك لله، فقال الرجل: أحبّك الذي أحببتني فيه) رواه أحمد.
- أن يلقاه بوجهٍ طلق، وابتسامةٍ آسرة، وكلمةٍ طيِّبة، امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق) رواه مسلم، وقوله: (تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة) رواه الترمذي بسندٍ حسن.
- أن تتخوَّله بالهديَّة التي من شأنها تقوية الأواصر، وإمداد القلوب بمزيدٍ من الحبِّ في الله، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (تهادوا تحابُّوا) رواه الطبراني وحسنَّه الألباني.
إنَّ هنالك الكثير والكثير من الخطوات التي من شأنها تنمية الأخوَّة بين المرء وأخيه، والمطلوب منَّا جميعًا أن نخطوها.
استشارات ذوات صلة:
* عن الإيمانيَّات:
- إهمال التربية الإيمانية: آفة الآفات
- برنامج عملي لتطوير الإيمان.. المهمات التسع
- كيف أحافظ على إيمانياتي؟
* وعن الأخوَّة:
- مشروع دعوي لإحياء الأخوة
- عند فساد الأخوة.. ابحث عن العظمة الحقيقية
- حقوق الأخوة.. بين الإيثار والاستعفاف
- إذا أحببتموهم في الله فأعلموهم.. واعملوا لهم
|
 |
|
 |
|
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية.. |
|
|
 |
|