الأخ الكريم محمد حفظه الله تعالى،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..
فقد اطلعت على رسالتك، وعجبت كل العجب لما جاء فيها، وسبب عجبي كون الأشخاص المعنيين في الرسالة هم أعضاء في جماعة مشهود لها باهتمامها التربوي، بل إن الجانب التربوي هو ما يميِزها عن غيرها!
ودعني أتوقف وإياك عند عدد من النقاط، مستوضحا وموضحا:
- أن تقع بعض تصرفات نابية من فرد في جماعة، فأمر مُنتظر وبديهي، أما إذا تكرر الخطأ واتسعت رقعته، وغدا ظاهرة، فهذا أمر يقتضي المعالجة السريعة.
- هل قمت بطرح القضية على المسئولين وكاشفتهم بما حدث كواجب من واجبات النصح والحسبة في الدين، وكيف كان تصرفهم حيال الأمر؟
- أن تقوم من جانبك بتذكير إخوانك، فهو خير ومحمدة، إنما المطلوب إجراء تصحيح عام مركزي، في حال تفاقم هذه الأمراض والظواهر.
- لا أكتمك أن ظاهرة تراجع المستوى التربوي إلى ازدياد على امتداد الساحة الإسلامية، وهذا يعود إلى أسباب كثيرة، أبرزها عدم وضع ضوابط شرعية للعمل السياسي وضعف مستوى القدوة، وغلبة الهم التمثيلي "النيابي أو النقابي أو غيره" وتعطل المحاسبة والمراقبة، وعدم تكافوء المناهج التربوية مع طبيعة المرحلة وتحديات العصر، وتقليدية المحاضن التربوية ... إلخ.
لقد شغلت بالي كثيرا وطويلا ظاهرة تراجع الإيمانيات والأخلاقيَّات في الحركة خصوصا، وعلى الساحة الإسلامية عموما، وقد جرى التركيز عليه في مؤلفاتي الأخيرة ومنها:
- نحو صحوة إسلامية في مستوى العصر.
- التربية الوقائية في الإسلام.
- قوارب النجاة في حياة الدعاة.
- مشكلات الدعوة والداعية.
- قطوف شائكة من قلب التجارب الإسلامية... وغيرها.
ثم إن الكتابة والتأليف لا يكفيان لمعالجة أمثال هذه القضايا، حيث إن هنالك وجهات نظر مختلفة ومتعددة، مما يحتاج إلى مؤتمرات وخلوات ودراسات ووقفات طويلة تتناول هذه الظواهر، وتستكشف أسبابها وجذورها، بتجرد وموضوعية وصدق مع الله وإخلاص له، حيث إن تحديات هذا الزمن والمستهلكات الإيمانية كثيرة وخطيرة، مما يحتاج إلى تفعيل المنتجات الإيمانية والأخلاقية، والله أعلم.
وأود بهذه المناسبة أن أضع بين يديك رسالة كنت قد كتبتها في إطار معالجة مشكلات شبيهة بالمشكلة التي طرحتها، قلت فيها:
عصر الاستهلاك الإيماني:
يشهد هذا العصر استهلاكا إيمانيا مريعا من شأنه أن يدفع بالكثير من المسلمين - خاصتهم وعامتهم - إلى هاوية الإفلاس الإيماني مصداقا لقوله تعالى: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "خير أمَّتي القرن الذين يلوني، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" رواه مسلم.
إن كل ما حولنا يصرفنا عن الله ويغرينا بالدنيا وشهواتها، (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: "حُفَّت الجنَّة بالمكاره وحُفَّت النار بالشهوات" رواه مسلم.
وأكتفي بعرض نموذج بسيط حول عملية الاستهلاك الإيماني في زحمة من المواقع الاستهلاكية التي لا تبقي ولا تذر.
* أمامي نشرة أسبوعية مجانية تقع في نحو من أربعين صفحة، كل صفحة فيها تمتلئ بعشرات الدعوات والدعايات التي تستهلك الإيمان والأخلاق والوقت والمال، ولا تترك للإنسان فرصة للتنفس الإيماني السليم، فهذه دعوة إلى تنحيف الأجساد، وتأمين الأصدقاء، واستيراد الخادمات والحاضنات التي تتناسب مع جميع الأذواق والميزانيات! وعرض لمقعد بكبسة زر يساعدك على النهوض! وعرض لمعالجة الصلع! أو إزالة الشعر نهائيا عن الأجساد وإلى الأبد! وعروض لا تُعدّ في عالم التجميل! وعروض لعلاجات متنوّعة للقضاء على الضعف والفشل الجنسي! وعروض لرفع الصدر وتنحيف الخصر والوشم وتغيير خلق الله! ناهيك عن عروض بيع السيارات، والمفروشات، والأدوات الكهربائية، والكومبيوترات، والفيلات، والشقق، والشاليهات، يرافق كل ذلك عروض سخية بالبيع المقسط يمكن أن يستهلك عمر الإنسان كله، يضاف إلى ذلك تنافس في عروض المطاعم وحفلات الطرب والرقص وما يمنع الحياء عن ذكره!
هذه مفردة صغيرة ومحدودة من وسائل الاستهلاك الإيماني، يضاف إليها عالم الإنترنت، وعالم الفضائيات، وما يذخر به من مثيرات ومغريات وفتن، وكل ما تمخض عنه العقل البشري من إغواء ووضع في خدمة الشيطان، فماذا يتبقى بعد ذلك؟
هل يتبقى وقت؟ هل يتبقى جه هل يتبقى عقل؟ هل يتبقى مال؟ هل يتبقى دين؟ هل تتبقى أخلاق؟ والنتيجة: ضياع العمر وسوء المصير، والنتيجة كذلك ظهور تنظيمات وجماعات "عُبَّاد الشيطان".
كيف نواجه هذا الكمّ من قوارض الإيمان؟
لا بد من مشاريع إنتاجية للإيمان تغالب الاستهلاك وتغلبه، وذلك يحتاج إلى قوة إرادة، وعزيمة، وصبر، ومجاهدة نفس، ومغالبة هوى لا تفتر ولا تتوقَف.
إنه يحتاج إلى إنماء إيماني "فردي وجماعي، شخصي ومؤسَّسي" يماثل حجم الاستهلاك الإيماني أو عولمة الاستهلاك، وفق منهج تربوي متكامل نوعي يكون في مستوى العصر وتحدياته.
والله وليُّ الأمر والتوفيق.
|