English

 

ابحث

بحث متقدم

ساحة الحوار

استشارات دعوية
تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث  
اطبع أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد
عبد الحميد الكبتي   - أروبا الاسم
انفصام شخصية الدعاة: الشق عن القلوب .. مشاركة من مستشار العنوان
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.
أود بداية أن أبسط رداء الشكر لإخواني وأخواتي المستشارين الذين ردوا على تساؤل الأخت السائلة حفظها الله تعالى، في الاستشارة التي عنوانها:
عندما يصاب الدعاة بانفصام الشخصية !!
فجزاهم الله خير الجزاء.
ومما دفعني للمشاركة في هذا الموضوع عدة أمور:
- أن هذا الموقع موقع دعوي مميز، له رواده الكُثْر، وقد عُرِفَ بطرحه الوسطي في أموره كلها، وفق منهجية ووعي ونضج.
- أن الساحة الدعوية تعيش في بعض بيئاتها تناولاً لأعراض الكثير من علماء الأمة، الجدد منهم والأولين، فضلاً عن الدعاة وطلاب العلم الناشطين في مجال الدعوة إلى الله تعالى.
- أننا من خلال ركن الاستشارات المبارك هذا؛ نراعي في طرحنا البعد التربوي العملي العميق، الذي يعطي أسسًا ومنطلقات، تُمكِّن السائل من أخذها، ووضعها كمعايير في أمره الذي يسأل عنه، كوننا يخفى علينا الكثير من الحيثيات.
- إن من الواضح من خلال سؤال الأخت الفاضلة وطريقة صياغته، وكثرة علامات التعجب والاستفهام فيه، من الواضح أنها في حالة هي أكثر من الحيرة، وقد أجاد إخواني المستشارين في تحليل (حيرتها) وفهم أسبابها، ونصحها بما رأوه مناسبا لها.
لكن تعبير (في جوفه) الوارد في نص السؤال؛ أمر جد خطير، وهي تصف من تعنيه بـ (الخداع) من بعد أن دخلت إلى مكنون صدره، وهذا مسلك مرفوض ابتداءً - من حيث الأصل - في الحكم على الناس.
ولنا في قصّة أسامة بن زيد الذي قتل المشرك بعد أن أعلن إسلامه وقال: لا إله إلا الله، فعنّفه رسول الله على فعلته، وقال له مستنكرًا: (أقال: لا إله إلا الله، وقتلته؟)، فأجاب أسامة: قالها يا رسول الله خوفًا من السلاح، فقال عليه الصلاة والسلام: (أفلا شققت عن قلبه؟) رواه مسلم. مع أنّ كلّ الظواهر تشير إلى أنّه قالها فعلاً خوفًا من القتل، ولكنّ الله لم يسمح لنا باتهام النوايا.
فدخول المسلم إلى جوف أخيه المسلم أمر مرفوض، فضلاً على كون هذا المسلم داعية مُطاردًا ويلاقي العنت في الحياة بسبب دعوته!.

وهذا الدخول جد خطير، وليس من منهج أهل السنة والجماعة في شيء أبدًا، بل هو سَمْت فرق أخرى ضلت الطريق وعاثت في الأرض فسادًا، من بعد هذا الدخول للصدور، فلم يتعدَّ الأمر إلى الحكم على فرد وكونه مخادعًا، بل إلى أمور أخرى، عانى منها التاريخ الإسلامي، وجرَّ الأمة إلى ويلات الشق عن الصدور.

إن كل المؤشرات في حديث أسامة رضوان الله عليه تؤيد تفكيره وسلوكه في قتل ذلك الرجل، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أكد تعنيفه: (أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله ؟!) وكررها مرارًا، حتى قال أسامة رضوان الله عليه: (تمنيت أني أسلمت ذاك اليوم)، من شدة الضيق الذي أصابه.
وفي بعض ألفاظ الحديث، قال له صلى الله عليه وسلم: (فكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟؟).
فكيف بمن تقول الأخت السائلة: إنه داعية يُسجَن ويُطَارَد في سبيل دعوته؟!.

إن الداعية إلى الله تعالى هو من شَهِدَ الدعاة من حوله بتزكيته وتوثيقه، فهو الثقة، وليس الداعية هو من قال عن نفسه: إنه داعية، وعندها يجب أن نتحرز من الدخول لقلوب الناس، وأن نسلك المسلك الصحيح عند ظهور أخطاء منهم.
فلا مجال للتقليل من مجتمع الدعاة، أو لمزهم بكلام عام دون بيِّنة، وهم بشر، لهم ما للبشر، وعليهم ما على كل البشر، لكنهم ليسوا هملاً أو من عوام الناس، بل هم ورثة الأنبياء، والتعامل مع أخطائهم له أصوله وضوابطه.

فمن ذا الذي جرَّأ بعض ناشئة الصحوة على الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله، ودعا إلى حرق كتبه، كونها تحوي بعض الأمور التي لم توافق ذلك الناشئ ومن ربَّاه، ومن الذي جرَّأ حدثاء الفهم على الخوض في عِرض الإمام العز بن عبد السلام (سلطان العلماء)، لولا وجود هذه الجرأة المبنية على أن الدعاة لهم بعدهم الغيبي دون الواقعي؟.
بل حتى عالم الأمة اليوم الشيخ يوسف القرضاوي لم يسلم من أولئك المتطاولين بغير وجه علم، بله حق.

إن ذاك الداعية الذي تعنيه الأخت الفاضلة، أليس له إخوة يحيطون به - كونه مطاردًا ويُضيَّق عليه، فهو ضمن فئة من الدعاة - وعلماء يعرفونه، وقرناء هم به على صلة وثيقة، كي تشتكي لهم الأخت الكريمة ما تراه هي خداعًا، وحملاً في الجوف للتناقض، وانفصامًا للشخصية.

ثم كواجب للمسلم على أخيه، هل أدت دور النصح والحوار بشتى الطرق الممكنة، قبل القول بأنه مخادع، وقبل أن تشق عن صدره، كذا علينا أن نوجِّه الأخت، قبل الوقوع في أعراض الناس، ووصفهم بأمور هي من الخطورة بمكان.

وفي شرعنا الكريم موازين أُرشدنا لها:
- (إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ذلك ذكرى للذَّاكرين).
- (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا).
- ‏(ولا تبخسوا الناس أشياءهم).
- (يا أيها الذين آمنوا كونوا قَوَّامين لله شهداء بالقسط ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنَآنُ قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون).
- قال صلى الله عليه وسلم: (‏إياكم والظن، فإن الظنَّ أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا)‏ رواه البخاري.

وفي قصة حاطب بن أبي بلتعة رضوان الله عليه، حين أرسل رسالة لقريش يخبرهم فيها بمسير النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن هشام: (فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبًا، فقال: يا حاطب، ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيَّرت ولا بدلت، ولكني كنت أمرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر؟ لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم) !!.
أليس الداعية الذي تتكلم عنه أختنا الكريمة حفظها الله، قد طورد وضُيِّق عليه، ووقعت منه زلات وهنات؟ فأين نحن من هذه الموازين؟ وهل هذه الموازين هي عالم من الخيال الغيبي، أم هي وقائع ونصوص متحركة تعالج طبيعة حركة الحياة والناس فيها؟.
وقبل أن نتسرع في حديث عن نفاق، نتذكر: (وما يدريك يا عمر؟ لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم).

فإن كان الذي تتكلمين عنه أيتها الأخت الفاضلة قد وقع فعلاً فيما هو كبيرة تشين دعوته ونفسه، وكان فعلاً على خطأ، فإن الشارع الحكيم حدد لنا سبلاً للبت في مثل هذه الأمور، فيكون الاتصال بمن هم حوله من الدعاة، والتحاور معه، وفهم الأمور، وفي شرعنا شُرِعَ القضاء والمحاكمة والفصل في الأمور، وسماع البينات، وتطبيق حكم الشرع هو الأصل، وكل من تقلد القضاء الشرعي أو الدعوي يعلم كيف تُجرَى هذه الأمور وكيف تدار.

هذا ومن الأمور الواقعية أن الإنسان منا مُعرَّض لكثير من الأخطاء، بطبيعتنا البشرية، فهل نسمح للغير - لو أطلع على هذه الأخطاء منا - أن يعاملنا كما نعامل الآخرين بدون تلك الموازين؟.
إن الدعاة إلى الله تعالى مطالبون أن يكونوا شامة في الناس، وهذه هي ضريبة الدعوة، وويل لداعية يغفل عن تلك الأحاديث التي أوردها إخواني المستشارون، وقد أطلق الشيخ السباعي رحمه الله تعالى حكمة ربانية، فقال: (تأبى كرامة الله أن يؤيِّد من لا يخلص في الدعوة إليه، تأييدًا يغطي عن العيون حقيقة أطماعه ونواياه).

إنني لأخشى من تصاعد موجة وموضة التطاول على الدعاة والعلماء، حينما نتساهل مع طرح وتساؤل يلج إلى مكنون الصدور، وما انتشر اليوم من إطلاق الكلام على الدعاة قد خبره القاضي الفقيه أبو بكر بن عبد الله بن زيد حفظه الله، في كتابه (تصنيف الناس بين الظن واليقين)، فقال مما قال: (ترى الجرّاح القصّاب كلما مَرّ على ملأ من الدعاة اختار منهم ذبيحًا، فرماه بقذيفة من هذه الألقاب المُرَّة) .
ولست بهذا الكلام أعني الأخت السائلة حفظها الله، بل هو الخوف العام من انتشار هذه الطريقة، علينا أن نكون في توازن، وتحكيم لشرع الله تعالى، ولا نُطلق الأحكام جزافًا، ولا نشق على قلوب الناس، فإن كان الأمر يهمنا ويهم ديننا، فهي الطريقة الشرعية في التحاكم والبث في الأمور، ولنتذكر أننا ربما يومًا نقع في أخطاء مماثلة.

الأخت الكريمة نرمين: إن ما حباك الله تعالى به من حساسية إيمانية لهي نعمة من الله تستحق منك شكرًا، فأكملي نعم الله عليك بالرفق مع إخوانك، وحسن الظن بهم، وحسن الصلة معهم بالمعروف، فمن لذلك الداعية لو أننا اكتفينا بإطلاق الألفاظ عليه؟!.
كلا أيتها الأخت الكريمة، بل أنت مُكلَّفة شرعًا بالحرص عليه والرفق به، فلعله يعاني ما يعاني، وأنصحك أن تكوني عملية، فاتصلي بمن حوله، وحرِّضيهم على مساعدة أخيهم، فأنت مسئولة عن ذلك أمام الله عز وجل.
وفي حديث أبي داود بسند صحيح، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم).
وفقه الحديث: إذا وقعت من المسلم زلة، وكان مستور الحال، معروفًا بين الناس بالاستقامة والصلاح، نُدب للناس أن يستروه ولا يُعزِّروه على ما صدر منه، وأن يشفعوا له ويتوسطوا له لدى من تتعلق زلته به إن كانت تتعلق بأحد. أي يتغاضوا عن زلات من عُرِفوا بالاستقامة والرشد.

أختي الفاضلة نرمين، لا تجعلي ما ترينه من سلوك البعض مصدرًا للحيرة والوقوع في التعميم، وهضم الناس، فهذا دينك أيتها الأخت، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والمؤمن الكيِّس يوافق كل قوم فيما وافقوا فيه الكتاب والسنة وأطاعوا فيه الله ورسوله، ولا يوافقهم فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة أو عصوا فيه الله ورسوله)، وما ثمة معصوم بعد الرسل الكرام، كائنا من كان.

حفظك الله أختنا الكريمة نرمين، وأنار دربك بأنوار اليقين والحق، وسدد على الخير خطاك، وحمانا الله جميعًا مما يشين ديننا.
السؤال
2003/01/22 التاريخ
قضايا وشبهات, إيمانيات, آداب وأخلاق, مشكلات في الدعوة والحركة الموضوع
الأستاذ فتحي عبد الستار المستشار
الحل
جزاكم الله خيرًا أخي عبد الحميد على مشاركتك الطيبة، وهي بحق أضافت عدة مفاهيم هامة، على الرد السابق لمستشارينا الأفاضل، ألا وهي مفاهيم: عدم إطلاق الأحكام جزافًا، وحفظ أعراض الدعاة والعلماء عن أن تلوكها الألسنة، وعدم الشق عن القلوب، وإقالة العثرات، والحذر من اتهام النوايا، وخطورة افتراض العصمة في أيٍّ من البشر.
كما أرشدت المشاركة إلى عدة موازين شرعية، مُستقاة من الكتاب والسُّنة، من الواجب اتباعها عند التعرض للحكم على الأشخاص.
وأتمنى أن يقع ما جاء في هذه المشاركة في قلب كل مسلم موقع القناعة، وفي لسانه موقع التطبيق، وفي جوارحه موقع التصديق، فما أحوجنا - خاصة في هذا العصر – إلى احترام ذواتنا ورموزنا، لا لتقديسنا لشخوصهم، ولكن لتعظيمنا لما يحملون، مع تفعيل أدوات النصح والتذكير والتقويم الواجب علينا تجاه كل من نراه على خطأ يشينه أو يشين الدين.
نشكرك أخي عبد الحميد أن ذكَّرتنا والأخت السائلة بهذه المعاني والمفاهيم الطيبة، ومرحبًا بك دائمًا مستشارًا ومشاركًا وأخًا عزيزًا.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..

طلابنا الدعاة ..
ما رأيكم في التفوق ؟

برامج دعوية
  للمراكز الغربية

 

 

 

تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث