English

 

ابحث

بحث متقدم

ساحة الحوار

استشارات دعوية
تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث  
اطبع أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد
ياسر الاسم
خواطر نقدية للدعاة العنوان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عندي بعض النصائح للدعاة، ولكن أوَّلاً أريد أن آخذ رأيكم فيها:
1- الاهتمام أكثر بقضيَّة إثبات العقيدة والهويَّة الإسلاميَّة، فالملاحظ أنَّ كثيرًا من الدعاة كي يتقرَّبوا إلى الناس، يقعون في معاصي مثل مشاهدة التليفزيون مع الناس.. إلخ، علمًا بأنَّ الداعية يكون وحده لا يشاهد التليفزيون مطلقًا.. إلخ، وهذا يضرُّ بالدعوة أكثر ممَّا ينفعها؛ لأنَّ علينا أن نفهم جيِّدًا أنَّ أهمَّ دعوةٍ نقوم بها هي الدعوة العقائديَّة.
لابدَّ أن نظهر دومًا أمام الناس فخورين بإسلامنا، حريصين على تطبيق كلِّ شيءٍ فيه، حتى لو غضب الناس كلُّهم منَّا، أقوياء لا ضعفاء، واثقين من انتصار الإسلام والإسلاميين في نهاية الأمر، مُظهرين لقوَّة الإسلام وشجاعة المسلم المستعدِّ لأيّة تضحيةٍ في سبيل دينه، سواء كانت بالمال أو الأمن، وليس فقط مُظهرِين لطيبة وزهد الإسلام.
فالواقع الفعليُّ أنَّ أغلب الناس قد أصبحوا مشتاقين للسماع عن قوَّة الإسلام، بينما ملُّوا الحكايات الخاصَّة بطيبة المسلمين (خاصَّةً في ظلِّ هذه الظروف التي يتمُّ فيها تحدِّي الإسلاميين بشتَّى الطرق)، ونتيجةً لهذا المظهر الضعيف من جانب كثيرٍ من الدعاة المعتدلين، فقد لاحظتُ أنَّ كثيرًا من الناس أصبحوا يُحبُّون دعاة العنف (أمثال بن لادن).

2- الاهتمام بالتأثير في الناس، وليس بإعجاب الناس بالداعية، فكثيرًا ما يصفق الناس للداعية فور إتمامه كلامه، ثمَّ بعد ذلك لا يُطبِّقون شيئًا واحدًا ممَّا يقول، لأنَّه يخاطب العواطف ويلهبها، ولكنَّه لا ينفذ إلى العقل وإلى التغيير الحقيقيِّ للفكر، وكثيرًا ما يهاجم الناس الداعية، ثمَّ يجدون أنفسهم بعد ذلك منساقين لفعل كلِّ ما يقوله لهم - هذا بناءً على ممارستي للدعوة منذ سنين -.

3- المبالغة في الأخذ بالضرورات الدعويَّة، فمثلاً في رمضان الماضي كان هناك برنامج "كنوز" على قناة "اقرأ"، والبرنامج فكرةٌ دعويَّةٌ ممتازة؛ لأنَّه يستضيف غير المتديِّنين (أمثال الممثلين في المسلسلات العاديَّة)، وبذلك يستجلبهم للتدين، ويستجلب معهم كلّ المعجبين بهم، ولكن لماذا تكون هناك مذيعة في البرنامج؟ ولماذا تلجأ المذيعات في مثل هذه البرامج إلى استضافة رجالٍ وإكثار الحديث معهم بما يتعدَّى الشرع؟ والزيّ الذي تلبسه هؤلاء المذيعات كثير الزركشة، بما يلفت نظر أيّ شابٍّ، وأنا شخصيّا أشعر بصورةٍ واضحةٍ بأنَّ فيه فتنة، ففيه أحمر وأخضر فاتح، وألوان واضحة الفتنة !، وأسلوب كلامهنّ أيضًا فيه تجاوزٌ شرعًا، مثل المزاح مع الضيف الرجل.. إلخ.
كلُّ هذه السلوكيَّات تُوضِّح أنَّ الداعية لا يُقدِّر الضرورة بقدرها الصحيح، ويبالغ في التيسير للتقرُّب من المدعوين، بما يفقده القضيَّة كلَّها، حيث إنَّ المدعو يشعر في قرارة نفسه أنَّ هذا شخصٌ ليس متديِّنًا أصلا، وبالتالي لا يسمع له.

4- من صور المبالغة في الأخذ بالضرورات الدعويَّة كثيرٌ من مراكز الخدمات الملحقة بالمساجد، نجد فيها تليفزيون ويتمّ فيه تشغيل مناظر الراقصات والممثلات العاريات بصورةٍ عاديَّةٍ جدّا!! لم يتمّ تقدير الضرورة بقدرها الصحيح، فقد نحتاج إلى تركيب تليفزيون في هذه المراكز لأسباب معيَّنة، ولكن من المهمِّ جدّا أن نحرص على ألا نشغل فيه إلا الأمور البسيطة، وليس مشاهد الراقصات، والمغنِّيات، والقبلات.. إلخ.

5- أحبُّ أن أشيد في هذا الصدد بفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي، فهو مثالٌ عمليٌّ قويٌّ على تطبيق (أنَّ الضرورة تُقدَّر بقدرها)، فهو يهاجم كثيرًا من المسئولين دون أن يُغضبهم، وينصحهم دون أن يمدحهم، ويهادنهم دون أن يداهنهم، ويحرص على عدم الاختلاط - كُلَّما أمكن ذلك -، فمثلاً في إحدى الندوات عن تعدُّد الزوجات، كان فضيلته يجلس وظهره للمكان المخصَّص للفتيات المتبرِّجات، فيا ليت الدعاة وبعض قادة الحركات الإسلاميَّة، يراعون هذه الدَّقة في تقدير الضرورة بقدرها.

6- أرى أنَّ الواقع الفعليّ يحتاج إلى ترسيخ قيمة (المتديِّن) في المجتمع، فلقد صار كثيرٌ من الناس يسوُّون بين الإنسان الفاشل دينيّا وبين الإنسان الفاشل دنيويّا، والله عزَّ وجلَّ لم يسوِّ بينهما مطلقًا، فالإنسان المتديِّن الحريص على تطبيق الشريعة - حتى وإن كان جاهلاً بها، وحتى وإن كان يكسُل عن تطبيقها أو يسهو في بعض الأحيان، وحتى وإن كان له أوجهٌ من الفشل الدنيوي - هو خيرٌ ألف مرَّةٍ من غير المتديِّن، الذي لا يهتمُّ أصلاً بتطبيق الشريعة، ويرى أنَّه أذكى من المتديِّنين، وأنَّهم يضيِّعون وقتهم هباء.
هذه هي الحقيقة وفقًا لكلِّ آيات القرآن المحكمات، وهذه الحقيقة ينبغي أن نُركِّز عليها، حتى لا يطفش المتديِّنون من التديُّن، فمن المعروف أنَّ أيَّ إنسانٍ في الدنيا في بداية تديُّنه يكون ضعيفًا وعنده أخطاء كثيرة، وكلُّنا جربنا هذه المرحلة، فعلينا أن نثبِّت المتديِّنين، لا أن نسويهم بمنتهى البساطة بأولئك الذين يحرقون البخور للحكام، أو يسكتون عن حرق البخور لهم، ولا يرون غضاضةً في موالاة الأمريكان تحت شعار (إحنا ضعفاء)، وأنا هنا أتعرَّض لظاهر الأعمال، لا للحكم على القلوب!!.
السؤال
2003/01/28 التاريخ
فنون ومهارات الموضوع
الأستاذ فتحي عبد الستار المستشار
الحل
أخي الحبيب ياسر، سعدتُ برسالتك الطيبة، التي تفيض كلماتها وحروفها بالغيرة على ديننا الحنيف وأتباعه، فأسأل الله عز جل أن يبارك فيك، ويتقبل منك، وبعد ..
فقد تحدثت أخي في رسالتك عن موضوعات عدة، تدور كلها في فلك واحد، وهو تقديم النصح لدعاة الإسلام في أمور ترى أنها لازمة وواجبة، وهنيئًا لك الأجر من الله عز وجل على ذلك.
وأستأذنك أن أناقش معك بعض ما طرحت من أفكار ووصايا في رسالتك:

طلبت أولاً من الدعاة – أخي الحبيب - الاهتمام أكثر بقضيَّة إثبات العقيدة والهويَّة الإسلاميَّة،
وقلتَ: (علينا أن نفهم جيِّدًا أنَّ أهمَّ دعوةٍ نقوم بها هي الدعوة العقائديَّة).
ولعلك تعني بإثبات العقيدة ترسيخها وتثبيتها، فإن كنت تعني ذلك فأنا معك بالطبع في أهمية أن يعمل الدعاة على ترسيخ العقيدة في نفوس الناس، ولكن بأية طريقة يرسخونها؟ هذا هو السؤال.
لا بد أن يتعلم الناس العقيدة متمثلة في السلوك، لا على أنها مجرد نصوص تُحفَظ وتُردَّد فقط، كما أن الإسلام – أخي - ليس عقيدة فقط، إنما هو عقيدة وعمل، عقيدة تستقر في القلوب، ويصدقها عمل الجوارح، فالعقيدة والعمل جناحان لا ينفصلان، ولا قيما لأحدهما دون الآخر.
وقد تكلمنا عن هذا في استشارتين سابقتين، أنصحك بالرجوع إليهما، وهما:
- العقيدة .. علم وعمل، لا نصّ وجدل ‍‍
- العقيدة والسلوك .. الفصام النّـكِد ‍‍

ثم تحدثتَ – أخي – عن وقوع بعض الدعاة في المعاصي، بدعوى التقرب إلى الناس، كمشاهدة التليفزيون معهم، وكلامك هذا يصير صحيحًا بالطبع، لو كان هؤلاء الدعاة يشاركون الناس في مشاهدة المواد المحرمة على شاشة التلفزيون، أما مجرد مشاهدة التليفزيون – أخي ياسر – فليست محرمة لذاتها، كما أفتى العلماء، فالتليفزيون وسيلة إعلامية كغيرها من الوسائل، وجهاز كغيره من الأجهزة، يمكن استعماله في المفيد والضار، والحسن والقبيح.
ولا ينبغي التعميم والإطلاق في هذا الأمر، فلو شاهدت أحد الدعاة يشاهد التلفزيون وحده أو مع جماعة من الناس، فلتتحقق أولاً ممَّ يشاهد، ولتُحسن الظن به، فإن وجدته يشاهد ما لا حرمة فيه، فليس لك أن تنتقده أو تعيب عليه، أما إذا شاهدته يفعل عكس هذا ويشاهد ما تحرم مشاهدته تحت أية دعوى - ولو كانت دعوة الناس والتقرب إليهم - فهنا وجب عليك نصحه وتذكيره، أنه ما هكذا تورَد الدعوة، وأن في الوسائل الصحيحة الحلال الغَناء.

ثم دعوتَ – أخي الكريم – الدعاة إلى الفخر بإسلامهم، والحرص على تطبيق كلِّ شيءٍ فيه، حتى لو غضب الناس كلُّهم.
وللوهلة الأولى يبدو كلامك منطقيّا مقبولاً، ولا خلاف على المبدأ، ولكن لو تحدثنا عن التطبيق، فإننا نجد قواعد يجب مراعاتها، فإن كنت تقصد بالفخر بإسلامنا ألا نتحرج من الأحكام الشرعية وتنفيذها، والآداب الإسلامية ومراعاتها، فهذا ما لا يعارضك فيه أحد، بل نوافقك عليه ونؤيدك، مصداقًا لقوله عز وجل: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحَكِّموك فيما شَجَرَ بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا)، وقوله: (كتاب أنزلناه إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين).
وإن كنت تقصد أيضًا مواجهة الاستهزاء والإيذاء بعزة وشمم، واستمساك بالذي هو حق، فهذا أيضًا ما لا ينازعك فيه أحد، (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا)، (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)، أو اتباعًا لمنهج نبي الله نوح عليه السلام الذي حكاه عنه القرآن، فعندما سخر منه قومه لتنفيذه أوامر الله عز وجل، واجه هذه السخرية مفتخرًا بطاعته لله عز وجل، محولاً سخريتهم عليهم، قائلاً: (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون).

فليس معنى الفخر بإسلامنا أن نتكبر على الناس بالتزامنا، فالله عز وجل يقول: (كذلك كنتم من قبل فمنَّ الله عليكم)، ولنا نحو الناس واجب، وهو ما أمرنا به الله عز وجل، أن ندعوهم إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن نجادلهم بالتي هي أحسن.

وليس معنى الفخر بإسلامنا أن نصدم الناس بأحكام الشرع، بأن نعرضها عرضًا ينفرهم ويزعجهم، دون مراعاة لعقلياتهم وبيئتهم وما درجوا عليه، بل يجب علينا التدرج معهم، والسير معهم خطوة خطوة، فليس هدفنا إغضابهم، بل تعليمهم وهدايتهم، فالتدرج سُنَّة من سنن هذا الدين، ومعلم من أهم معالمه، هكذا علمنا الله سبحانه، فقد تدرج التشريع الإلهي الحكيم مثلاً في تحريم الخمر، حيث ذمَّها أولاً في آيتين، ليهيئ القلوب والنفوس لتحريمها، ثم حرَّمها في آية ثالثة.
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم – مؤيَّدًا بالوحي - بدأ بتأسيس العقيدة، واستغرق في ذلك المرحلة المكية بأكملها، ثم شرع في بناء المجتمع والدولة، فنزلت التشريعات تنظم حياة الناس.
وفي ذلك تقول عائشة رضي الله عنها: (إنما نَزَل أول ما نزل منه – أي القرآن – سورة من المُفصَّل، فيها ذِكْر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنُوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا) رواه البخاري.

أما ما ذكرتَه – أخي الحبيب - من اتجاه الناس لتفضيل دعاة العنف، وإرجاعك هذا للمظهر الضعيف الذي يظهر به كثير من الدعاة المعتدلين – على حد قولك -، فأحب أولاً أن أتفق معك على أن الدين لا يخضع لأهواء أحد، ولا ينصاع لتعجل المتعجلين، ولا اندفاع المندفعين،
وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم تشهد بذلك، وتشهد باعتماده صلى الله عليه وسلم للمرحلية
والتخطيط الواعي المتزن، بعيدًا عن ردود الأفعال والانفعال السريع غير المنضبط.
كانت تلك مبادئ النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، مبادئ لا يحيد عنها، ولا تتأثر بالضغوط، ولو كان صلى الله عليه وسلم يستجيب لردود أفعال صحابته وينساق وراءهم في اندفاعهم، لما تم هذا الدين، ولما انتصرت الدعوة ووصلت إلى أقاصي الأرض، ولما وصلتنا خالصة نقية سائغة، (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لَعَنِتُّمْ ولكن الله حَبَّبَ إليكم الإيمان وزَيَّنَه في قلوبكم وكَرَّهَ إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون).
والداعية يجب أن يجعل النبي صلى الله عليه وسلم أُسوته في ذلك، فيثبت على الحق، ولا تدفعه شطحات الناس وميولها واندفاعاتها إلى تنكُّب الطريق المستقيم للدعوة، ليرضي أهواءهم على حساب دعوته، مهما كانت الضغوط والفتن.
وأنت نفسك قد أشرتَ لهذا عندما انتقدتَ تركيز الداعية على إعجاب الناس به، دون التأثير فيهم بالخير، فيعطيهم ما يريدون من إلهاب العواطف وإثارة المشاعر، دون أن يوجِّه هذه العواطف والمشاعر التوجيه الصحيح، ويصقلها بالفقه الدعوي والحركي، وهذا مما ينافي الإخلاص بالطبع.
ولكن لا يمنع هذا من أن يسعى الداعية – بالطبع - لامتلاك المفاتيح والأدوات التي تفتح له قلوب الناس، حتى يستطيع أن يؤثر فيها ويغيرهم إلى الأفضل، فيحوز الفضلَين.

يأتي بعد ذلك ما عبرتَ عنه بالمبالغة في الأخذ بالضرورات الشرعية، والتي تقصد بها التوسع في الترخُّص باعتبار الضرورة، وأنا معك - بالطبع - في عدم صواب ذلك، حيث إنه يؤدي في نهاية الأمر إلى تمييع الدين، والاستهانة بأحكامه.
ونستطيع أن نتعرف على ضوابط الضرورات ومفهومها، من خلال الاطلاع على الرابطين التاليين:
- الضرورات : معناها وضوابطها ‍‍
- مفهوم الضرورة وضوابطها‍‍

ومن ناحية المثال الذي ذكرتَه (مذيعات القنوات الفضائية الإسلامية)، فإن الإسلام لا يمنع أن تحاور المرأة الرجال وتناقشهم، ولكن في ظل ضوابط وآداب حددتها الشريعة المطهرة، منها: عدم الخلوة، والجديَّة أثناء الحديث، وتحديد الكلام، وعدم الخضوع بالقول، وغض البصر المتبادَل، والالتزام بالزيِّ الشرعي، فلا يصف ولا يشف، ولا يُظهِر إلا الوجه والكفين، ولا يلفت النظر بالمبالغة في الزركشة والزينة.
وإذا تأكد أن عمل المرأة في هذا المجال تؤدي إلى فتن محققَّة لا يمكن تفاديها، فالمنع أولى، تبعًا لقاعدتي سد الذرائع، ودرء المفاسد.

ولعل حداثة تجربة القنوات الفضائية الإسلامية، وعمل النساء المحجبات فيها، يجعل مثل هذه الأخطاء تحدث، لذا فقد وَجَبَتْ المتابعة من قبل العلماء، والتوجيه المستمر لهذه القنوات لكي تلتزم بالآداب الإسلامية، وتؤدي رسالتها التي أنشئت من أجلها، ولا تدفعنا مجاراة الواقع الإعلامي إلى تمييع ديننا، والتنازل عن أحكام ديننا ومبادئنا وأخلاقنا.

أما حديثك عن مراكز الخِدمات الملحقة بالمساجد، ووجود تليفزيون فيها يعرض مناظر الراقصات والممثلات العاريات بصورةٍ عاديَّةٍ جدّا!! فقد تعجبتُ جدّا من هذا، وإمكانية حدوثه، وكيف يسمح القائمون على هذه المراكز بذلك، إلا أن يكون الخبر مبالغًا فيه، أو بسبب تجاوز فردي غير مسئول من أحد الأفراد العاملين في تلك المراكز.
والواجب حيال ذلك – إن تأكد حدوثه بالفعل - هو تقديم النصح للقائمين على تلك المراكز، ومن يشرف عليهم ويتابع عملهم، وبيان عدم جواز حدوث هذه المنكرات في هذه الأماكن، لحرمتها أولاً، واحترامًا لبيوت الله عز وجل وتنزيهًا لها عن هذه المنكرات.
فإن أصرّوا على ذلك ولم ينتهوا، فيمكن أن تعلن لهم – مثلاً - أنك ستقاطع هذا المركز، وستدعو غيرك إلى ذلك إن لم يكفوا عن هذا الفعل الذي ينتهك حرمة بيوت الله عز وجل.

نأتي إلى النقطة الأخيرة التي أثرتها في رسالتك، والمتمثلة في قولك: (فالإنسان المتديِّن الحريص على تطبيق الشريعة – حتى وإن كان جاهلاً بها، وحتى وإن كان يكسُل عن تطبيقها أو يسهو في بعض الأحيان، وحتى وإن كان له أوجهٌ من الفشل الدنيوي – هو خيرٌ ألف مرَّةٍ من غير المتديِّن الذي لا يهتمُّ أصلاً بتطبيق الشريعة، ويرى أنَّه أذكى من المتديِّنين، وأنَّهم يضيِّعون وقتهم هباء).
وقد قرأت هذه الفقرة من كلامك مرات، لأفهم كيف يكون الإنسان متدينًا، ويحرص على تطبيق الشريعة، وفي نفس الوقت هو جاهل بها، ويكسل عن تطبيقها؟! فما مظاهر تدينه إذن؟؟ وما فهمه للتدين؟؟.
ثم كيف نُفضِّل من يحمل هذه الصفات التي ذكرتَها مضافًا إليها الفشل الدنيوي، على غيره من الأذكياء الناجحين؟؟ ما الذي يميزه لنفضله؟؟
إن التدين - أخي الحبيب - ليس مجرد ادعاء، أو لقب يطلقه المرء على نفسه، أو يطلقه عليه غيره، دون أن يكون لهذا الادعاء ما يؤيده من أفعال.
أما إن كنت تقصد الاعتقاد، فأظن أن حتى من نطلق عليهم لقب (غير المتدينين) عندهم نفس اعتقاد صاحب الصفات التي ذكرتها، من اعتقاد في صحة الشريعة ووجوب الالتزام بها، وإن كان يمنع هذا (المتدين) الجهل والكسل والسهو، فأولئك أيضًا ربما تمنعهم نفس الموانع.
كلامك يصير مقبولاً في حالة المقارنة بين من يختار التدين له طريقًا ويحاول قدر إمكانه أن يتعلم أحكامه ويطبق ما يتعلمه مدافعًا الكسل والتقصير، وبين من يرفض حكم الشريعة لحياته، ولا يقبل على تعلمها وتطبيق أحكامها، فلا شك أن الأول أفضل بالطبع.

أنا معك في ألا يكون التفوق أو النجاح الدنيوي معيارًا أو مقياسًا للحُكم على الأفراد، ولكن فرقٌ أخي الحبيب بين من يحاول ويفشل، وبين من يكون فشله ناتجًا عن كسل وإهمال.
فما معنى أن يكون المتدين فاشلاً وسط الناجحين من غير المتدينين؟؟؟ ما الصورة التي يقدمها لدينه وتدينه، ومَن حوله يرونه على هذه الحالة؟!.
إنه بذلك قد يعطي صورة سيئة جدّا عن الدين والتدين، بل وقد يعتقد البعض أن تدينه هو سبب فشله، وأن الدين والتمسك بأحكامه عائق في طريق النجاح.
إن المسلم المتدين مطالب بأن يتفوق في جميع مجالات الحياة، ليكون علامة مضيئة تزيِّن جبين دينه، ويعطي المثال الرائع لإثبات أن التدين والتمسك بأحكام الدين ليس عائقًا أبداً عن النجاح في مناشط الدنيا المختلفة، وهو بذلك يستطيع أن يناقش غير المتدينين ويدعوهم لطريق التدين، فيجد منهم آذانًا تسمع، وعقولاً تقتنع، وقلوبًا تفقه.

أخي الحبيب، شكر الله عز وجل لك، وجعل نصائحك هذه في ميزان حسناتك، وتقبل منا ومنك صالح العمل، ومرحبًا بك وبرسائلك دائمًا، وأنتظر أن أسمع رأيك فيما ناقشتك فيه.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..

طلابنا الدعاة ..
ما رأيكم في التفوق ؟

برامج دعوية
  للمراكز الغربية

 

 

 

تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث