أخي الكريم،
جميلٌ أن يجد المرء أهل القرآن الكريم وخاصَّته يعيشون واقعهم ومجتمعهم، ولا يجلسون في صومعةٍ منعزلين عن الناس، ومؤثِرين مصلحتهم الشخصيَّة على مصلحة الأمَّة، فبارك الله تعالى فيك، ونفع بك، وثبَّتك وأعانك وزادك علماً وفضلاً وإخلاصا، فقد فهمت رسالة الإسلام، وعرفت واجب الدعاة، وكنت مشعل هدايةٍ للعالمين.
أمَّا تفكيرك بترشيح نفسك في الانتخابات خدمةً لدينك ودعوتك وأهل منطقتك، فهذا شيءٌ آخر تستحقُّ أن يقال لك فيه: جزاكم الله خيرا، وتقبَّل الله منك.
أمَّا ما طلبتَه من نصائح حول هذا الأمر، فهذا ما جال في خاطري حولها:
1- أوَّل ما يجب عليك النظر فيه هو الضوابط الشرعيَّة الحاكمة لهذا الأمر، أنا لا أعلم ما طبيعة هذه الانتخابات، لكنَّني أثق أنَّ رجلاً من أهل القرآن الكريم لا يخطو خطوةً قبل أن ينظر في حكمها الشرعيِّ وحدودها وضوابطها.
2- من أهمِّ النقاط التي عليك الانتباه لها هو ألا يكون النجاح أو الفشل في الانتخابات هو محور حياتك، وهو ما تبني عليه تصرُّفاتك بعد ذلك، بمعنى أنَّك دخلت الانتخابات لهدفٍ دعويّ، فإن نجحت فنعمَّا هي، أمَّا إن فشلت فارجع إلى دعوتك كما كنت، وتعلَّم من تجربتك في تفادي أخطائك التي وصلت بك إلى الفشل.
أقول لك هذا الكلام لأنَّنا رأينا العديد من الإخوة الدعاة الذين سلكوا درب الترشيحات والانتخابات قد اختلطت عليهم الأمور وغدت الانتخابات هي غايتهم بعد أن كانت وسيلةً لغاية الدعوة، وليس هذا قدحاً في نيَّاتهم بقدر ما هو اختلاط الأمور وغبش الرؤية.
فأيًّا ما كانت النتيجة يا أخي الكريم، تذكَّر أنَّ الانتخابات هي وسيلةٌ من الوسائل الكثيرة التي أمامك، حاول أداءها بأحسن صورة، فإن لم تنجح فالوسائل الأخرى ما زالت موجودة.
3- في توفيق الله تعالى لك بالنجاح في الانتخابات عليك أن تتذكَّر دائماً أنَّك لست للملتزمين وحدهم، بل لست للمسلمين دون سواهم، أنت تمثِّل منطقةً كاملة، ومن حقِّ هذه المنطقة عليك أن تخدمها بصرف النظر عن الأشخاص، أنت حين تنجح تغدو موظَّفاً عند جميع أهل منطقتك، كبيرهم وصغيرهم، نسائهم ورجالهم، مسلميهم وغير مسلميهم.
كثيراًَ ما ننسى هذا الأمر في خضمِّ عملنا الدعويّ، وكثيراً ما يجب علينا أن نتذكَّر أنَّ الإسلام دين العالَمين، فلنضعه حيث وضعه ربُّنا سبحانه وتعالى.
4- أنت تحظى –والحمد لله تعالى- بسمعةٍ طيِّبةٍ في منطقتك، فاحرص على أن تحافظ على هذه السمعة، ولو استطعت الاستزادة من خدمتك لهم ومساعدتهم فلا تقصِّر، وانتبه ألا تجعل الأمر يبدو لأجل أن ينتخبوك، ولكن كن صادقاً مع نفسك أوَّلاً ثمَّ مع أهل منطقتك بأن تكون خدمتك لهم لأجل الله تعالى بصرف النظر عن تقدُّمك للانتخابات أو عدمه، فأنت ذلك الملتزم صاحب السمعة الطيِّبة والقلب الخيِّر في أيِّ موقعٍ كنت، وفي أيِّ عمل كان.
5- لو أمكنك التنسيق مع الأطراف الجيِّدة في منطقتك لفعلت الخير، فيد الله مع الجماعة، وأن يكون العمل منظَّماً متَّحداً متكاملاً خيراً من أن يكون عملاً فرديّا، حاول التنسيق والترتيب مع من تثق في صدقهم وإخلاصهم لدين الله تعالى، واجعل التنسيق أوَّل الأولويَّات، حتى لو كانت نتيجة هذا التنسيق تنازلك عن الترشيح لصالح شخصٍ إمكانيَّة نجاحه أو خدمته منطقتكما أكبر، فالانتخابات –كما اتَّفقنا- ليست هدفاً وغاية، وإنَّما هي مجرَّد وسيلة.. وسيلة.. وسيلة.
هذه –أخي الكريم- نقاطٌ خمسٌ ارتأيتها، آمل لو تنفعك وتجيب طلبك، وأنتظر أن أسمع منك، والله تعالى معك.
روابط حول الموضوع:
- الوعي السياسي: أهميته.. وآثار غيابه
- لماذا يخوض الإسلاميون الانتخابات؟
- ممارسة الرسول للعمل السياسي
تم نشر هذه الاستشارة على صفحة الاستشارات الدعوية للمرة الأولى بتاريخ 2/5/2002
|