| داعيةٌ علنا.. مخطئةٌ سرا: انفصام الدعاة.. وافتراض الكمال |
العنوان |
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
تخبرني أختي في الله وهي في قمَّة الحيرة: أعرف داعيةً تقيم الدروس والمواعظ، والنساء يتأثَّرن بها وبدعوتها، ولكن حين أجلس معها جلسةً خاصَّة، أراها ترتكب معصيةً هي من أعظم المعاصي، فهي تستغيب الناس، بل وقد تستغيب والديها وتنتقدهما بشدَّةٍ أمام الناس دون احترامهما ولا توقيرهما!!.
تتساءل أختي كيف يمكن لإنسانٍ أن يحقِّق إنجازاتٍ دعويَّة، وأن تسيل دموعه بغزارةٍ بين يدي الله في الصلاة -وهذان الأمران نعمةٌ عظيمةٌ لا يؤتاهما إلا إنسانٌ تقيّ- بينما هي ترتكب هذه المعاصي الشنيعة؟؟؟؟ ما تفسير ذلك؟؟ |
السؤال |
| 2001/10/16 |
التاريخ |
|
الدعوة النسائية, قضايا وشبهات, إيمانيات
|
الموضوع |
 |
 |
|
تقول الدكتورة منى حداد :
أختي الكريمة،
هنا تكمن المشكلة التي تعاني منها مجتمعاتنا الإسلاميّة، الدعاة ليسوا القدوة الصالحة، لهذا فهم يتركون الناس في بلبلةٍ فكريَّة، وحيرةٍ نفسيَّة.
في جلسات الدعوة يظهرون بصورةٍ إيمانيَّةٍ رائعة، وفي غيرها يمارسون المعاصي الشنيعة التي لا يمكن أن يتقبلَّها الناس، ليقينهم بأنَّها من الموبقات.
إنَّ الناس يراقبون في الداعية كلَّ تصرُّفاته، ولا يتقبَّلون بأن يمارس هذا الداعية اللمم، فكيف بالكبائر؟
إنَّ من أعطاه الله رقَّةً في القلب، ودمعاً في العين خشيةً منه تعالى، يجب أن يستشعر بأنَّ الله معه أينما كان في السرِّ والعلن، في المجالس الخاصَّة كما في المجالس العامَّة.
وإنَّ مَنْ منحه الله القدرة على التأثير في الناس وتحقيق إنجازاتٍ دعويَّة، لابدَّ له من مراجعة سلوكه يوميًّا وهو بين يدي الله، فيسأل نفسه ويحاسبها: ماذا ارتكب اليوم من الأخطاء، فكيف بالعيوب؟
أرى –أختي الكريمة– بأن تنصحي هذه الداعية باستعمال أسلوبين للنصيحة:
أوَّلهما: طرح المشكلة عليها أمام الملأ، كأن تُسأَل: ما رأي الشريعة في كذا؟ أو ما حكم الإسلام فيمن تمارس الكبائر التالية؟ طبعاً دون الغمز بشخصها، ودون أن يكون للسائلة أيَّ علاقةٍ شخصيَّةٍ بها؟
وثانيهما: مفاتحتها بشكلٍ مباشرٍ ودون تشهيرٍ بها كي لا تُحرَج، ومكاشفتها بأنَّ ما تعمله من ذنوبٍ سيبطل كلَّ عملها إذا استمرَّت على هذا النحو من السلوك، وتذكيرها بأنَّ من نصَّب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل غيره، ولَفْتِها إلى ضرورة تهذيب نفسها قبل تهذيب الناس، ولا يغرَّنها أنَّ الناس تستمع إليها وتتأثَّر بها اليوم، فإنَّهم عندما يكتشفون هذا العقوق الذي تتَّصف به هذه الداعية فسيصابون بخيبة الأمل وسيُصدَمون بها، وربَّما بجميع الدعاة، لأنَّها تستهتر بكرامة والديها وتعرِّض اسميهما للزراية والامتهان، وهما اللذان ربيَّاها وأحاطاها بكلِّ ألوان الرعاية والعناية، متناسيةً أو ناسيةً أنَّ الله تعالى قرن اسميهما باسمه في العديد من الآيات، كما قرن شكره بشكرهما ورضاه برضاهما.
أمَّا غيبتها للناس، فربَّما كانت تقصد بذلك ضرب المثل أثناء حديثها وتوجيهها للاعتبار شرط ألا تحدِّد أسماء هؤلاء، إلا إذا كان هؤلاء الناس من المجاهرين بمعاصيهم أو الفسقة والعياذ بالله.
المهمّ، يجب أن يدرك الجميع أنَّ في الدعاة أمراضاً أيضاً كغيرهم من الناس، وإن كنَّا نتمنَّى ألا نرى فيهم أيَّ عيب، كي يستطيعوا أن يكونوا المثل والمثال في نظرنا، وكي نتأسَّى بهم ونأخذ عنهم الكثير، وبالتالي تصل دعوتهم إلى قلوبنا صافيةً نقيَّةً لا تشوبها شائبة.
هذا ما تفضَّلت به الدكتورة منى من إجابة، وقد حدَّدتْ لك –أختي الكريمة- ما عليكنَّ عمله مع مثل هذه الداعية، ويبقى لي تعليقان:
الأوَّل: ما أشارت إليه الدكتورة منى في آخر حديثها من أنَّ على الجميع أن يدرك أنَّ الدعاة ليسوا ملائكةً منزلين من السماء، بل هم بشر، خرجوا من مجتمعاتهم بكلِّ ما فيها من حسناتٍ وسيِّئات، مميِّزاتٍ وعيوب، وبالتالي فهم يخطئون.
ولست –بالطبع- هنا أؤيِّد أن يخطئ الدعاة، بل أشدِّد كثيراً على وجوب أن يكونوا حذرين في كلِّ تصرُّفاتهم وشئونهم، وأدعوهم أن يمتثلوا ما قاله إمام المدينة يحيى بن سعيد حين قال لإمام مصر الليث بن سعد، وقد أراد أن يفعل أمراً ليس بالذنب ولكنَّه ينافي العزيمة: "يا إمام، لا تفعل، فإنَّك منظورٌ إليك"، وحبَّذا لو وضع الدعاة هذه القاعدة "فإنَّك منظورٌ إليك" أمام أعينهم ليلَ نهار، داخل وخارج بيوتهم، إذن لعصموا أنفسهم وعصمونا من كثيرٍ من المشاكل التي عانت منها بيوتهم أوَّلا، والمسلمون ثانياً في كلِّ مكان.
كما أدعو من يستمع إليهم ألا يفترض فيهم الكمال.
ويستتبع هذا مفهوم: "ألا تزر وازرةٌ وزر أخرى"، أي لا ينبغي بحالٍ أن نجعل تصرُّفاً خاطئاً من داعيةٍ مبرِّراً لنا كي نخطئ أو نتقاعس عن الدعوة، لأنَّ الله تعالى لن يسألنا إلا عمَّا فعلته أيدينا، ولن يحاسبنا إلا على ما طلبه منَّا، وبالتالي لا حجَّة لأحدٍ –أيًّا كان- على أحد.
هذه النقطة يجب أن تكون واضحةً جليَّة، فدعوا التقاعس وابدءوا العمل.
الثاني: عانينا بشكلٍ واضحٍ من تقمُّص العديد من الدعاة لشخصيَّتين، ومن تمثيلهم لدورين، ولعلَّ هذا من أهمِّ أسباب ما ذكرتِ يا أختي الكريمة من سلوك هذه الداعية، فقد رأينا وسمعنا عن عددٍ من الدعاة يظهر أمام الناس بطريقة، ويتصرَّف حين يخلو بنفسه بطريقةٍ أخرى، ولا أتحدَّث هنا عن الذنوب والمعاصي، بل الأمر وصل إلى درجةٍ أدنى من ذلك، إذ دخلت فيه المباحات أيضا، فتراه لا يقوم بعمل مباحٍ ما أمام أخيه لأنَّه قد يقلِّل من قدره، ولكنَّ يمارسه بينه وبين نفسه، وتراه يتصرَّف بلطفٍ ورقَّةٍ أمام الناس، ولكنَّه يكون جلفاً قاسياً مع أهله –كحال هذه الداعية- أو مع الجيران والأقارب، وتراه يدعو الناس إلى إتقان العمل وهو أوَّل المقصِّرين في عمله الوظيفيّ.
صورٌ كثيرةٌ شهدناها –للأسف- من حالة "انفصام الشخصيَّة الدعويَّة"، أرى أنَّ سببها الأوَّل أنَّنا لا نتعامل مع الله تعالى ولا نبتغيه، وإنَّما نبتغي الدنيا وحمد الناس، وهؤلاء جميعاً أذكِّرهم بحديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي كلَّما قرأته أقف مع نفسي في خوفٍ ورعب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّ أوَّل الناس يُقضَى يوم القيامة عليه، رجلٌ استشهد، فأَتى به، فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنَّك قاتلتَ لأن يقال جريء، فقد قيل، ثمَّ أُمِر به، فسُحِب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلَّمت العلم وعلَّمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنَّك تعلَّمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثمَّ أُمِر به، فسُحِب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ وسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كلِّه، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيلٍ تحبُّ أن يُنفَق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنَّك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثمَّ أُمِر به، فسُحِب على وجهه، ثمَّ أُلقي في النار"رواه مسلم.
وأخيرا، أجدني ملزَماً بأن أذكِّر الجميع: لن يسألنا الله إلا عن فعلنا، ولن يعذر أحدٌ منَّا تقاعس غيره أو فعله الخطأ، فهل وعينا، وفهمنا، وعملنا؟؟
شكراً لك أختي الكريمة، وأسأل الله تعالى أن يصلح حالنا وحال الدعاة، وواصلي مراسلتنا من فضلك... المحرر. |
 |
|
 |
|
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية.. |
|
|
 |
|