أعتقد أني قرأت عددا كبيرا من هذا النوع من المشاكل على صفحتكم، وربما كان السبب في ذلك أني مررت بهذه التجربة من قبل، وما زالت بعض آثارها مترسبة في داخلي، وما دفعني للكتابة إليكم أني كلما قرأت حلا لمشكلة من هذا النوع أبحث فيها عن إجابة لتساؤلاتي فلا أجد، بل أجد تجاهلا مستفزا -من وجهة نظر تساؤلاتي طبعا- لنقاط مهمة أتمنى أن أجد لها إجابة ذات يوم.
ذلك أن موضوع العقيدة موضوع مهم جدا، خصوصا بالنسبة لمن نشأ على عقيدة الإسلام. فنحن نتعلم فيها أن بعد الموت حياة سرمدية إما في الجنة وإما في النار، وما يفصل بينهما هو الاعتقاد فقط. بالطبع فإن العمل الصالح المبني على الاعتقاد مهم جدا في الإسلام، ولكن يبقى الاعتقاد هو الأساس، والدليل على ذلك أحاديث قد لا يكفي وقتي الحالي لذكر نصوصها، ولكن المجمل مما فهمته منها أن من يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا -صلى الله عليه وسلم- رسول الله لا يخلد في النار، ولو فعل المعاصي.
في حين أن من لا يعتقد هذا الاعتقاد مخلد في النار إلى أبد الآبدين، ولا ينفعه أن فعل الصالحات وإن كان ذلك عن اعتقاد منه بأنه يعبد الله حقا، ألا ترون كم هي الصورة مخيفة ومرعبة؟ مجرد اعتقاد تعتقده ولو عن تقليد ينقذك من أن تخلد في العذاب بلا أمل في الخلاص، كيف يمكن لإنسان يعرف هذه الحقيقة أن يكتفي بوقت بسيط يقرأ فيه كتابا عن مقارنة الأديان ثم يشمر للالتزام والعمل الصالح ويفني عمره في الأعمال الصالحة التي هي في النهاية لا ترقى في قيمتها إلى قيمة الاعتقاد، مجرد الاعتقاد!
تخيل مثلا لو أن شابا مسيحيا أو يهوديا أصيب بهذا الوسواس القهري بسبب شك أصابه من بعض ما قرأه في كتبه المقدسة، ثم ذهب إلى طبيب نفسي -مسيحي أيضا- فأخبره أن هذا شيء طبيعي وليس فيه عيب، وعليه فقط أن يأخذ بعض العقاقير ثم يشغل نفسه بأنشطة أخرى مفيدة، ويتوقف عن التفكير في هذا الموضوع؛ لأن هذا وسواس قهري ولا علاقة له بالإيمان والكفر؟ ربما نجح العلاج مع هذا الشاب وذهبت عنه تلك الأفكار، ولكن النتيجة أنه بقي على نصرانيته أو يهوديته، فخسر آخرته، والعياذ بالله.
فإن ذهب ذلك الشاب إلى قسيس أو راهب فقد يمنعه -كما يفعل بعض علمائنا- من الاطلاع على كتب العقائد الأخرى؛ لأنه ليس من المختصين، وقد يقع في الشك في معتقده؛ لذلك فإن على أهل العلم فقط أن يطلعوا على هذه الكتب، وهكذا حرم ذلك المسكين بسبب الطبيب النفسي وعالم الدين من أن يبحث عن الدين الصحيح والعقيدة الصحيحة؛ وهو ما جعل مصيره الخلود في النار إلى الأبد.
لقد مررت في حياتي بفترة وسواس قهري عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري، ولم أكن أعرف أنا أو من يحيطون بي أنه وسواس قهري، خاصة أنني لم أشأ أن أطلع أحدا من خارج العائلة على ما يدور في ذهني، مع أنها كانت هي نفس التساؤلات التي أظنها مشروعة، كيف أعرف أن عقيدتي وديني هو الدين الصحيح من بين آلاف المعتقدات الموجودة في العالم؟ ما دام العقاب بهذه الشدة على من لم يؤمن بالإسلام فلا بد أن الدليل كان أمامه واضحا جليا إلى حد أنه إذا لم يجده فإنه يستحق هذا المصير المظلم! طبعا لم أصل إلى إجابات شافية في ذلك الوقت، لكني بحمد لله تخلصت من تلك الحالة بأني توقفت عن التفكير في هذا الموضوع، وقد صور لي عقلي وقتها أن الله سيقدر أني بذلت ما أستطيع للوصول إلى الحقيقة، وهذا ما انتهى إليه تفكيري؛ فهو إذن لن يلقيني في النار وإن كنت لم أجد الحقيقة "الحقيقية".
وبعد حوالي سبع سنوات أصبح لدي إمكانية كبرى من الاطلاع على الأديان الأخرى، وزاد تمسكي بالإسلام، ولكني مع ذلك كنت أجد بعض الأحاديث أو تفسير بعض الآيات في القرآن تبدو وكأنها مخالفة للحقائق العلمية.
وأنا من خلال دراستي العلمية أعرف أنه لإثبات نظرية ما يجب أن تثبت صحة النظرية على جميع الحالات الممكنة، كما هو الحال في الاستنتاج الرياضي مثلا، في حين أنه لنفي صحة نظرية يكفي أن تأتي بمثال واحد لا تنطبق فيه النظرية؛ فتهدم النظرية كلها. فإذا طبقنا هذا على العقيدة فإن أي خطأ في نص من النصوص يكفي لهدم الدين كله. لذلك كانت أي شبهة تكفي لإلقائي في حالة من الحيرة ليس لها آخر.
وهكذا أصبت بالوسواس القهري مرة أخرى وبشكل أسوأ، لكن في هذه المرة فإن أخي الطبيب استطاع أن يشخص حالتي هذه على أنها وسواس قهري، ولكن هذا لم يصنع فارقا بالنسبة لي؛ لأن كل ما يهمني هو ألا أخلد في جهنم بعد أن أموت؛ فما قيمة أن أرتاح من التفكير إذا لم أكن مرتاح البال ومطمئنا على مستقبلي الأبدي؟ ولا يصنع فارقا عندها أن تكون هذه الأفكار والتساؤلات مشروعة أو محرمة؛ فما قيمة الحلال والحرام ونحن نتكلم عن موضوع العقيدة؟! وهي تفوق العمل الصالح أهمية كما ذكرت سابقا.
المهم أني -كما في المرة الأولى- توقفت عن التفكير، وبنفس التبرير الذي بررته لنفسي في المرة الأولى، وهكذا تخلصت من الوسواس القهري -كما أظن- حيث أصبحت أستطيع التحكم في أفكاري ولم تعد الفكرة متسلطة علي. ولكنها أصبحت مثل بركان خامد أو جرح غائر. وتركت في آثار لم أستطع التخلص منها، فأصبحت أبتعد عن قراءة الأحاديث التي تثير في نفسي هذه الأفكار، وأصبحت أحاول وأنا أقرأ القرآن أن أمر سريعا على الآيات التي تثير في نفسي -هي أو تفسيرها- هذه الأفكار.
وقد يتبادر إلى الذهن سؤال وهو:
لماذا لم أطرح على العلماء هذه الأسئلة أو الشبهات؟ والجواب أن كثيرا من هذه الشبهات إما قرأتها وقرأت إجابات لها أو طرحتها بنفسي على بعض الشيوخ، ولكن تبقى إجابتهم غير كافية وغير مرضية، هذا بالإضافة إلى أني في داخلي وأنا أذهب إلى عالم مسلم لأطرح عليه شبهة أشعر أني أفعل ذلك لأني أحب البقاء على هذا الدين، ولذلك أسأل عالما في نفس الدين فقط ليخلصني من الشبهة. وللعلم فإن أسلوب التأويل يمكن أن يستعمله أيضا عالم نصراني مثلا ليقنعك بأن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد؛ يعني هو أسلوب ضعيف، فلو ذهب المسيحي إلى قسيسه ليذهب عنه شبهة بهذه الطريقة فإن النتيجة واحدة.
بالنسبة لمشاركتي هذه لن أطرح فيها الأسئلة التي تسبب لي بعض القلق؛ لأن هذا خارج عن تخصصكم، ولكن ما أريد أن أنتهي إليه أنكم في إجاباتكم على المشاكل المتعلقة بموضوع الوسواس القهري العقيدي تتجاهلون موضوع الوسواس نفسه، وتكتفون بعلاج الجزء النفسي منه. ربما يشفع لكم كونكم أطباء نفسيين ولستم علماء في الدين والعقيدة، ولكني أقترح على حضراتكم التواصل مع العلماء العاملين في هذا الموقع إذا احتاج الأمر وأن تبدوا اهتماما لهذا الجانب؛ لأنه كما أرى من أهم الأشياء التي تستحق أن يفكر بها الإنسان كونها تتعلق بتقرير مصيره في الآخرة.
جزاكم الله خيرا على قراءة رسالتي، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
الأخ العزيز، أهلا وسهلا بك، وشكرا على مشاركتك التي ظهرت فيها أفعالك القهرية دون أن تدري، ولم تذكر لنا أفكارك التسلطية بوضوح، ولعلك تعمدت ذلك لاعتبارك أن تساؤلاتك تقع خارج تخصصنا!
والمشكلة هنا تكمن في أن النقطة التي تبدو غائبة تماما عنك هي أن الطبيب النفسي يستند في تعريفه لفكرة ما بأنها فكرة تسلطية أو لفعل ما بأنه فعل قهري إلى أشياء أخرى غير المحتوى الفكري للفكرة؛ معنى ذلك هو أن المحتوى قد يكون فلسفيا، وقد يكون فنيا، وقد يكون دينيا، وقد يكون جنسيا، وقد يكون اجتماعيا، وقد يكون بلا معنى أصلا، وكلها عند الطبيب النفسي أفكار تسلطية، أو أفعال قهرية بغض النظر عن المحتوى!
وما قد يكون أهم من محتوى الفكرة نفسها أو الفعل نفسه عند الطبيب النفسي هو رد فعل الشخص نفسه تجاه محتوى الفكرة أو الفعل، ولكي تكون الفكرة تسلطية يجب أن يكون الشخص رافضا لها أو على الأقل متمنيا الخلاص منها، ونفس الكلام ينطبق على الفعل لكي يكون قهريا، إضافة إلى اشتراط ألا يكون ممتعا في حد ذاته؛ لأن المفترض في الفعل القهري هو أنه يريح صاحبه ولو قليلا من العذاب الذي يمثله تسلط الفكرة التسلطية (الوسواسية) عليه، وحين يكون الفعل ممتعا في ذاته (كما نجد في الأفعال الجنسية مثلا) فإن انطباق صفة القهري عليه يصبح موضع شك واختلاف كبيرين.
ولكي لا أبتعد بك عن حالتك التي لم تشأ أن تدخل معنا في تفاصيلها؛ ليس لأنها تاريخ كما حاولت أن تبين في بعض أجزاء إفادتك، ولكن لأنها تقع خارج اختصاص الطبيب النفسي حسب رأيك، لكي لا أبتعد بك فإنني سأبين لك متى تكون نوعية الأفكار العقدية التي عانيت منها أفكارا تسلطية؛ لأن من الممكن أن يكون البحث عن الحقيقة الدينية "الحقيقية" كما جاء في إفادتك تفكيرا طبيعيا، حين يتسم بصفات تضمن لك شخصيا أن تتحكم فيه؛ فتوقفه عند الحد الذي تراه، وتسير معه في الاتجاه الذي تراه أيضا، وتقبل ما فيه جملة وإن رفضت بعض التفاصيل، كما يمكن أن يكون مثل هذا البحث ظاهرة مرضية حين تجد نفسك غير قادر على منع اجترار الأفكار وتلاحقها في وعيك، وتجد أنها تأخذك إلى حيث تشعر أنك جدّفت في معتقدك الديني ولا تملك القدرة على التوقف، هنا نصبح في حالة فكرة أو أفكار تسلطية من النوع الاجتراري ذي الصبغة الدينية.
والتفريق واضح بين ما طبيعي وما هو مرضي، وأما التفريق بين ما هو من فعل الشيطان وما هو من الوسواس القهري فهو سهل أيضا، بمجرد استرجاع ما قلناه في إجابات سابقة على صفحتنا مشاكل وحلول للشباب، مثل: الخناس واللاخناس.. أنواع الوسواس الوسواس القهري متخفيا!
ويحضرني هنا أن أذكرك بقول الله تعالى في أول سورة البقرة: "ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون" (البقرة: 1-3) أنا أذكر لك هذه الآيات الكريمة فقط لتذكيرك بأن الإيمان بالغيب (أي دون الإمساك بما تسميه أنت الحقيقة "الحقيقية") هو أول صفة ترد في كتاب الله للمتقين، ولم تسبقها إلا صفة المهديين إلى الصراط المستقيم بأنهم أنعم الله عليهم، وليسوا من المغضوب عليهم ولا الضالين كما جاء في فاتحة الكتاب الكريم، ألا ترى معي يا أخي أن عليك أن تستعين بالبحث في تفسير ذلك؟ وأن الاستعانة بمن يدفع الشبهة من الفقهاء قد تكون واجبة على المسلم في وقت ما من حياته، وإزاء فكرة ما؟
وأما أنك حللت المشكلة كلها بأنك توقفت عن التفكير كما ذكرت في إفادتك؛ فإن الأمر هنا هو ما يعبر عنه الطبيب النفسي بشكل مختلف تماما؛ لأن ما حدث هو أن نوبة من نوبات اتقاد اضطرابك كانت قد انتهت وأصبح اضطرابك في حالة هدأة أو كمون؛ أي أن الأفكار هي التي توقفت، وليس أنت من أوقفها مع أنني كنت أتمنى لك ذلك.
نصل بعد ذلك إلى ما أنت فيه الآن، فكما تقول في إفادتك:
"وهكذا أصبت بالوسواس القهري مرة أخرى وبشكل أسوأ، لكن في هذه المرة فإن أخي الطبيب استطاع أن يشخص حالتي هذه على أنها وسواس قهري، ولكن هذا لم يصنع فارقا بالنسبة لي"، وبعد عدة سطور تقول: "المهم أني -كما في المرة الأولى- توقفت عن التفكير، وبنفس التبرير الذي بررته لنفسي في المرة الأولى، وهكذا تخلصت من الوسواس القهري كما أظن؛ حيث أصبحت أستطيع التحكم في أفكاري ولم تعد الفكرة متسلطة علي"، لكن كلماتك بعد ذلك تعني أن ما حدث في المرة الثانية مختلف عما حدث في المرة الأولى حسب ما نستطيع استنتاجه من كلماتك على الأقل. فما حدث في المرة الثانية لم يكن هدأة لاضطرابك، وإنما كان استسلاما لأفعال قهرية تجنبية، تجعلك تتجنب التفكر في آيات الله لكي لا توسوس، أليس هذا ما تعنيه كلماتك التالية:
"فأصبحت أبتعد عن قراءة الأحاديث التي تثير في نفسي هذه الأفكار، وأصبحت أحاول وأنا أقرأ القرآن أن أمر سريعا على الآيات التي تثير في نفسي -هي أو تفسيرها- هذه الأفكار"؟
معنى ذلك أن اضطراب الوسواس القهري الذي ظهرت عليك إحدى نوباته منذ 7 سنين في صورة أفكار اجترارية قد عاد إليك منذ فترة لم تحددها، ولكن الأفكار الاجترارية سلمتك هذه المرة إلى أفعال قهرية، وما أقوله لك هو رأي طبيب نفسي في حالتك، وأنت في النهاية مكلف بطلب العلاج مما تعرف أنه مرض، كما أنصحك في نفس الوقت بقراءة تعقيب سابق لنا على مشاركة ظهرت على صفحتنا تحت عنوان: حبيس البيت أم حبيس الوسوسة- مشاركة
ونصل بعد ذلك إلى آخر ما تقترح علينا في مشاركتك من أن نتواصل مع أعضاء فريق الفتوى في موقعنا، والحقيقة أن هذا ما يحدث بالفعل، وإن كان لم يعبر عنه بصورة واضحة على الصفحة حتى الآن، اللهم إلا في إحالتنا بعض الحالات إلى قسم الفتوى، وهو ما يلجأ إليه المستشارون وأعضاء الفريق حين ترد في تفاصيل المشكلة مسألة تستدعي ذلك.
لكننا منذ فترة بدأنا في الاجتماع دوريا مع زملائنا من قسم الفتوى، وناقشنا ما تطرحه أنت الآن بالفعل وهو الاستعانة بالمتفقهين في الدين؛ لأن أحد أهداف صفحتنا هو رؤية الخصوصية الثقافية للمسلمين في انعكاسها على أعراضهم النفسية، لكي نستطيع أن نقدم لهم العلاج المناسب لتلك الخصوصية، فإذا كان هذا هو الهدف، فإن الدين جزء جوهري من حياة كل مسلم لا يستطيع الطبيب النفسي إغفاله، وقد بدأ بعض أعضاء فريق الفتوى في حضور اجتماعات صفحتنا الدورية لنفس هذا الغرض.
إلا أن ما تجب الإشارة إليه هنا أن التفاعل والتواصل بين صفحتنا وقسم الفتوى فضلا عن استمراره،يجب أولا أن يتم بصورة مدروسة، وثانيا أن يتم بصورة تدريجية، بحيث تسمح بالتفاعل والتواصل الحقيقي بين أطباء درسوا طبهم بالأعجمية، ودينهم بالعربية (وكل حسب اجتهاده)، وبين طلاب وخريجي الكليات التي تعلم العلوم الشرعية؛ لأن كلينا يتكلم لغة مختلفة حتى الآن، ولا يصح أن نقفز على حقيقة الأشياء.
لا بد أن يتدرج ذلك التواصل؛ بحيث ينتج من تفاعل العقول ومن تداول المادة المعروضة على القسمين:
القسم الاجتماعي ممثلا في مشاكل وحلول -وهي التي أملك أن أتحدث بشأنها-، وقسم الفتوى، والتدرج يعني أن علينا وعليك الانتظار، لكي يتغير حالنا القائم، وهو أن نقول: وعليكم اللجوء لقسم الفتوى بموقعنا، وأهلا وسهلا بك دائما وشكرا على مشاركتك.
أخي مصطفى،
قرأت رسالتك، ووجدت فيها حرصا على مستقبلك الأخروي، وفي الحقيقة هذا ينم عن إيمان نحسبه خالصا.. ففي الوقت الذي ينظر ملايين الشباب والفتيات إلى مستقبل حياتهم في الدنيا -ولا حرج في هذا إن صاحَبَه تفكير في مصير الإنسان في الآخرة- نجد من الشباب من يخاف على نفسه يوم القيامة، ويجعل همه الشاغل أين هو من نعيم الله وعذابه.
أما قولك:
إن العقيدة هي التي تفصل بين أهل الجنة وأهل النار، فنقول لك بداية: إن الجنة والنار ملك لله تعالى، يدخل من يشاء من عباده أيهما، ولكنه تعالى كتب على نفسه أن من أحسن وأطاع بعد الإيمان به فإنه من أهل الجنة، ومن عصى وكفر فإنه من أهل النار.
إلا أن الله تعالى قد يدخل من يشاء من أهل النار الجنة برحمته، وهو سبحانه لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. وليس من الظلم أن يدخل الله تعالى النار إنسانا لم يؤمن به، فالإيمان والكفر لا يستويان.
وأنت قللت من شأن العقيدة، مع أنها المكون الأساسي والمحرك للإنسان في تصرفاته وأخلاقه وسلوكه.
وبعيدا عن النصوص التشريعية ما رأيك فيمن كفر بمن خلقه، ومن رزقه وأنشأه، وتفضل عليه بالنعم، ووهبه الحياة والمال والولد، وأغدق عليه نعما لا تعد ولا تحصى، ثم بعد كل هذا يأتي ويجحد نعمة المنعم؟ إن هذا الإنسان جحود كفور، ولو عذب ما كان ذلك إلا العدل.
غير أننا لا بد أن نفهم أن الاعتقاد الذي ينجي من النار ليس وحده مجرد نطق بالشهادتين؛ فالشهادة لها موجبات وتبعات، فمن نطق بالشهادة وأنكر معلوما من الدين بالضرورة كفر.. ومن نطق بالشهادة، وجحد حقائق الإسلام كفر.. ومن نطق بالشهادة وأتى ما يوجب الخروج عن الملة فهو خارج.
إننا في حاجة لأن نفهم فلسفة الإيمان بالله تعالى..
فنحن عبيد لله، خلقنا الله تعالى، وأسكننا أرضه، وأظلنا بسمائه، وسخر لنا ما في الأرض جميعا، وطلب منا، بل أوجب علينا الإيمان به سبحانه، إيمان حب وولاء، دون أن يكره أحدا على ذلك، فسبحانه من قال: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)، ولكن.. إن كان الله تعالى هو خالقنا والمتفضل علينا فليس من العقل أن يتحجر الإنسان أمام المنعم عليه ليكفر به، وإلا فهو إنسان غير سوي.
وفي قانون البشر أن من يخالف القوانين يُعاقب، بل يوضع لكل مخالفة عقاب خاص، قد يصل إلى حد القتل وإنهاء الحياة؛ كالخيانة العظمى، وإفشاء أسرار البلاد للأعداء، وغيرهما، والكل يسلم به. فلماذا ننكر أن من كفر بالله -الذي ينعم عليه- يستحق العقاب.
ثم إن الله تعالى لم يجعل هذا لعقول البشر، بل أرسل لهم الرسل مبشرين ومنذرين، وأوضح لهم طريق الهدى من طريق الضلال، وأنزل معهم الكتب والشرائع التي تجعل الإنسان يسير مستقيما في حياته، حفاظا على التوازن في حياة البشر.
أما التأكد من صحة العقيدة التي يؤمن بها الإنسان، فإنها تعرف بالمقارنة بين العقائد، كما صنعت، كما يعرفها الإنسان بحسه وفطرته؛ لأن خالق الصنعة "أعني الإنسان" وضع فيه ما يجعله مؤهلا لأن يعرف الحق -لأنه من صنع الحق- فإن حاد، فهو اعوجاج عن الطريق المستقيم. ولذا نجد الحديث: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه" أي أن الإنسان مجبول على الإيمان الصادق، والعقيدة الصحيحة.
والدليل على ذلك أنك قرأت في مقارنة الأديان، فلم يزدك ذلك إلا إيمانا، أما ما قد تقرؤه في بعض الأحاديث أو بعض التفاسير فإنه من المعلوم أن من أكبر التزوير الذي حدث في تاريخ المسلمين هو الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهناك الأحاديث الموضوعة، والرسول منها براء.. وهناك أيضا الأحاديث الضعيفة، وهناك الأحاديث الصحيحة التي لا تفهم على ظاهرها، فتحتاج إلى تأويل وتفسير، واجتهاد العلماء فيها مختلف، وهذا لا يطعن في الإسلام في شيء.
إن من حقك أن تعرف إجابات شافية على كل ما يثار في ذهنك من تساؤلات، واعلم أن علماءنا لم يتركوا هذا الأمر، فهناك كتب متخصصة في الرد على الشبهات التي تثار في القديم والحديث.
والشبهات التي تثار لا بد أن يتضافر في الرد عليها علماء الشريعة والنفس والاقتصاد والسياسة وغيرها من مجالات الحياة.
ونحن على استعداد إن شاء الله تعالى أن نرد على شبهاتك، أو نكون طريقا مساعدا لمعرفة الردود على الشبهات التي تثار حولك.
إلا أنني أحب أن أذكرك بشيء.. وهو أن هناك ثوابت راسخة، يجب ألا يدخلها شك، كتوحيد الله وصفاته وأسمائه، والأمور القطعية في الدين، والمبادئ السامية التي جاء بها الإسلام التي لو نزعنا عنها وصف الإسلام، لوجدنا جل البشر يتفق عليها، فهذه أحسب أنه بتفكير بسيط لا يتطرق إليها شك.
أما الشك في صحة حديث فيوجب النظر إليه أولا، ومعرفة صحته من ضعفه أو وضعه. وكذلك عند الشك في تفسير معين فهذه فهوم بشر، وليست كلاما مقدسا، يمكن أن يكون صوابا، وهو الغالب عليه.. وقد يكون خطأ، وهو نزر يسير. وكل يؤخذ من كلامه ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويضيف د. أحمد عبد الله:
أعتقد أن عملنا وإجاباتنا كلها حول مرض الوسواس القهري، لم تذهب أبدا إلى إنكار أو نفي علاقته بمسألة الإيمان والكفر بمقدار ما حولنا ونحاول تبيان تفاصيل هذه العلاقة وطبيعتها، ومنها أن محتوى الأفكار التسلطية قد يأخذ شكلا دينيا أو موضوعا عقائديا يوقن معه صاحبه أن مصيره الأخروي في خطر..الخ، بينما حقيقة الأمر أنه مريض يحتاج إلى رعاية وتطبيب، وليس كافرا أومشروع كافر، كما يتوهم هو تحت تأثير الأعراض.
نقطة أخرى وأخيرة تتعلق بما تذكره عن قدرتك على السيطرة على "الأفكار التسلطية القهرية"، وهنا يلزم التدقيق لأن النوبة الأولى التي جاءتك وأنت في الخامسة عشر محتمل أن تكون مجرد شكوك في العقيدة تنتاب نسبة كبيرة من الشباب في مثل هذه السن، كما إن مسألة سيطرة على الأعراض معناها إما أنها ليست من الدرجة الشديدة، أو أنها ليست أفكارا وسواسية قهية فرضية من الأصل، ولكن شعكوك فكرية تتكرر – طالما يمكن السيطرة عليها – أم أنها تنقلب إلى أفعال تجنبية فتعطي بذلك تجليا مرضيا أخر، فتصبح وكأنها قد تحولت إلى شكل آخر، وبالتالي لا يقال أنها اختفت، ولكنها اختلفت، وشكرا على استمرار التواصل حول هذه النقاط لأن هذا يساهم في بلورة تصورات أعمق وأشمل.