بسم الله الرحمن الرحيم،
إلى الإخوة في صفحة مشاكل وحلول، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
حين تلقيت جواب د. أحمد على مشكلتي، وأخبرني أن التفريق جزء من العلاج؛ فكأني لم أصدق أن الباب قد فتح لي فكتبت له رسالة أخرى، وهاأنذا أعلق على هذه المشكلة، وبالفعل أشعر أن ضيق الصدر الذي أعاني منه خفف نوعًا ما.
سأعلق على ما قاله د. العثماني بعدة نقاط:
النقطة الأولى: عن الطفل -4 أو 5 سنوات- كيف لا يعي ما يحدث له؟! خاصة أن ذلك كان قبل 21 سنة؛ بمعنى أن البيئة والزمن يلعبان دورًا أساسيًا في تكوين عقلية الطفل وإدراكه. عن نفسي حين كنت في مثل هذه السن كنت أرعى الغنم من الصباح حتى المساء؛ أي كانت لي وظيفة أفكر وأخطط لها أين أذهب بغنمي اليوم وماذا آكل، وبالتالي أستغرب حين نتعامل مع طفل بهذه السن بأنه قد لا يعي الأمور التي حدثت له!! بالطبع لا يعرف بعض المسميات، ولكنه يعرف ما حدث له.
النقطة الثانية: هذه الأخت تجزم موضوع وجود غشاء البكارة بطريقين كما قال الدكتور: إما الذهاب إلى الطبيبة وهو متعذر كما في حالتي لأسباب أعرفها جيدًا، وإما الزواج. وأنا أعتقد أن ليلة الزواج هي ليلة فرح وأنس، وليست ليلة أنتظر فيها انفجار قنبلة ذرية (أعني بالفعل ما قلت!). ويا ليتها تهتك بالفتاة فقط، بل بالعائلة الكريمة كلها دون استثناء، وأين يعيش هذا الرجل الذي يصدقني ويتفهم الأمر ثم يستر علي؟؟ لا أعتقد أنه يعيش على الأرض. الرجال كلهم سواء عند هذه النقطة؛ سواء كان الأب أو الأخ أو الزوج، وينسون قول الله تعالى "ولا تزر وازرة وزر أخرى". وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لا يرحم لا يرحم".
بالتالي فنصيحتي للأخت ألا تجازف على شيء لا تعرفه إن تمكنت من الذهاب إلى الطبيبة؛ فهو خير، وإلا فاصبري حتى يأتي فرج الله، وتوكلي على الله مع بذل الأسباب.
الأخت المشاركة، شكرًا على الإيجابية في المساهمة بهذا الموضوع الذي كتبنا فيه الكثير، ولكن نعتقد أنه يحتاج إلى جهد أكبر وأكثر، والله المعين.
أرد أولا على ملاحظاتك، ثم أزف لك ولغيرك بشرى لعلها سارة، إدراك الطفل للأحداث يختلف من مرحلة إلى مرحلة، ومن بيئة إلى بيئة كما تقولين، ولكنه لا يكون دقيقًا أبدًا، أو لنقل بنفس دقة الشاب اليافع؛ وذلك لأسباب تتعلق بحجم معارفه وخبراته من ناحية، وبمستوى تطور جهازه العصبي الذي يكتمل بيولوجيًا مع نهايات مرحلة الطفولة تقريبًا من ناحية أخرى.
أهمية هذا أنه لا يمكن التعويل على الإدراك الطفولي أو الذاكرة الطفلية، وخاصة في موضوع التحرش المرتبط بآلام نفسية كبيرة، تساهم في تعديل مكنونات الذاكرة والإدراك بحيث لا تبقى المعلومات دقيقة.
ونقطة أخرى -أذكرها هنا بالمناسبة- وهي وجود خلط شائع بين التحرش واللعب الجنسي؛ فما يحدث بين طفل وطفل من كشف للعورات أو عبث بالأعضاء أو تقمص أدوار مثل لعبة "عريس وعروسة" الشهيرة عندنا في مصر تاريخيًا (لأنني لا أعرف هل ما زالت تُلعب أم اجتاحتها ألعاب العولمة!).
هذا اللعب ليس تحرشا وينبغي تفهمه، وتخفيض وطأة الشعور بالذنب إذا كان قد وقع، وتقليل حجم العقاب للطفل إذا حدث لأنه مجرد لعب، ويجري دون أي نية سيئة، وبغرض الفضول والاستكشاف، أو العبث الطفولي والترفيه، والأمر يختلف بدءا من سن العاشرة مثلا، والأمر أيضًا يختلف إذا كان هذا العبث يجري بين طرفين: أحدهما طفل بريء محدود المعارف والخبرات، والآخر مراهق أكثر منه معرفة، ولديه أغراض أكثر وضوحًا وقصدًا، وأنا معك في أن البيئة تساهم في الإنضاج المبكر للخبرات، ولكنها لا تقلب الطفل مراهقًا ولا القاصر بالغًا أو مسئولا.
الأمر الآخر يتعلق بغشاء البكارة، وهنا أكرر ما قلته مرارًا من أن مسألة العفة هي شأن خاص بين العبد وربه، ليس لأحد كائنا من كان أن يتدخل فيه أو يتهم دون بينة واضحة، وإلا كان الأمر قذفًا في حق المتهم، فمن لم ير ما حدث بأم عينيه ليس من حقه أن يرمي محصنة بشيء. ومن جهة أخرى ينبغي كتمان ما حدث، وعدم البوح به للزوج أو غيره، وليس في هذا أي جبن أو خداع أو غشي، ولكنه الحفاظ على الستر الذي ستره الله على الضحية فلا تفضح هي نفسها أبدًا، ولها -بل عليها- واجب أن تتخذ من التدابير كل ما يدعم هذا الستر بما في ذلك إصلاح ما فسد، أو علاجه نصيًا وعضويًا، على النحو الذي ينأى بها عن مواضع الشبهات، أو ينقذها من اللوم أو الاتهامات في ليلة الزفاف أو غيرها.
مع ملاحظة أن كثيرا من الرجال يجهلون معنى وجود غشاء البكارة، وما يترتب على هذا الوجود أو الغياب من الناحية البيولوجية؛ فبعضهم ينتظر "نافورة دم" أو بركة صغيرة على الأقل!
وبعضهم يتوقع حاجزًا -مثل الحائط الأمني الذي تبنيه إسرائيل- عند الإيلاج في زوجته، وبعضهم يستعد لمعركة الدخول، وكلها أساطير، لا نصيب لها من الصحة، والجهل شائع جدًا في أوساط الرجال والنساء، والجهالة هي الأم الشرعية للحماقة، و"لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها".
أما البُشرى التي أزفها فهي أننا نضع الآن اللمسات النهائية على ملف متخصص بقضية التحرش بالأطفال، سيحتوي على معلومات كثيرة نرجو أن يكون فيها النفع للجميع، وأرجو أن يكون بداية لتعامل متقدم مع هذه الظاهرة المؤسفة من جانبنا، وربما نتوج الملف برعاية مجموعة دعم إلكترونية تديرها بعض بناتنا ممن تعرضن لهذه الخبرة القاسية؛ لتكون وسطًا دائمًا للقاء وتبادل المعلومات والتعاضد، وبعض العلاج الممكن عبر أداة الإنترنت.
إننا نطمح إلى أن نتلقى مقترحاتكم بشأن هذا الملف وتلك المجموعة، ولن تتغير أحوالنا إلا بجهود مستمرة ومنتظمة تتراكم وتتشابك حتى يغير الله ما بنا حين نغير نحن ما بأنفسنا ومجتمعاتنا التي تعيش فيما يشبه الدهليز فيما وصلت إليه ظلماتها من أحوال وأوضاع.. فهل سنكون إيجابيين أم أن حواء العربية لا تجيد إلا الشكوى؟! للمشاركة برأيك.