بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على المعلم الأول للبشرية سيدنا محمد، بعد:
الأستاذ الفاضل الدكتور أحمد عبد الله، بعد التحية "وحشتني" حقيقية؛ فأنت لا تعلم كم أنا معجب بك، وأحبك لله وفي الله.
لقد قرأت رسالة الأخ مسلم صاحب مشاركة " العفة المستحيلة: أمتنا في عام.. نقد ودفاع (مشاركة)"، وبصراحة رغم أني من القراء القدامى للصفحة، بل إن لي مشاركات كثيرة متواضعة في الرد والتعليق على بعض المشاركات التي تحمل بين طياتها موضوعًا جادًا، فإن هذه أول مرة أقرأ فيها هذه الرسالة للأخ مسلم، وقد وقفت أمامها كثيرًا، ودون إرادة مني وجدت نفسي تتجه للمشاركة؛ فاسمح لي، وأرجو ألا تغيب عني وتتأخر في الرد.
لا تتخيل كيف فعلت رسالتك بي؛ حيث ذكرتني الرسالة بمشروعي القديم وهو كما سميته الزواج للجميع؛ لدرجة أنى ظننت نفسي أنا الذي أرسل الرسالة؛ حيث إني في أول سنة لي بالجامعة خطرت في بالي تلك الفكرة، وإن كانت ليست بهذا الشعار ولكن بنفس المضمون.
وكان شعاري حينئذ "شارك في زواجك" عن طريق مشاركة ومساعدة زميل لك وأخ لك؛ يساعدك أخوك الذي ساعدته.. كانت هذه فكرتي؛ حيث إني أنظر لها من منطلق المساعدة المتبادلة، لدرجة أنني أخذت أطرح هذه الفكرة على أصدقائي بين الحين والآخر، إلا أنها لم تأخذ طريق النور، وكان حلمي أن أقوم بهذه الفكرة بين أصدقائي أولا ثم أحاول تعميمها.
أما بالنسبة للأخ مسلم فوالله إن حاله حال الملايين من الشباب الضائع، ولكنه متشائم جدا؛ حيث ذكرني بالشاعر الذي شبه الليل برجل يلقي عباءته السوداء على الأرض فلا ترى النور ويكون الليل.
بصراحة أنا أصبحت متعبا من كثرة المشاكل وحال الأمة الذي نحن فيه؛ لدرجة أني أتمنى بين الحين والآخر أن أقرأ بين سطوركم قصة كفاح ونجاح.. قصة أمل في الإصلاح، وهو نداء مني إلى المشاركين.. أرجوكم من يملك قصة نجاح في أي موضع مجرد أمل في النجاح، ثم أعقب الأمل النجاح فلا يبخل في إرسالها، فنحن في حاجة ماسة إلى وقائع عملية، لقد كثر الكلام ومن كثر كلامه قل فعله.. أرجوكم قصة نجاح لله.
لماذا يا أخي كل هذا الشقاء؟ هون عليك، هون عليك بحق؛ فأنت تعذب نفسك، وأنت قليل الحيلة ونحن كذلك، ولكن لا تدع التشاؤم يصبح أسلوبك وسلوكك، كلا يا أخي، لا أقول لك إلا قولا لنابليون: "تعلم إذا كنت لا تعرف، وحاول إذا كان مستحيلا؛ فنحن في شرف المحاولة"، وهل أحد يملك إلا المحاولة، فلا أحد يضمن النجاح والتوفيق؛ حيث إنهما بيد الله. وشكرًا لكم، وتحية خاصة إلى الإخوة القائمين على الموقع.
الأخ الكريم، أحبك الذي أحببتني من أجله، ومثل أي إنسان فإنه يسعدني أن يفتقدني أحد ويتفقدني عندما أغيب.. فشكرا لك.
في ذاكرة جيلنا البصرية ذلك المشهد الشهير في الفيلم العربي القديم المعروف بـ"شحات الغرام" وفيه يتسول المحب نظرة أو موعدا بلقاء من فتاته التي تقف في الشرفة: هو يطلب، وهي ما تلبث أن تجيب، وطبعا كان هذا قبل اختراع المحمول والإنترنت وغيرها من وسائل ضرب المواعيد الغرامية، واقرأ إن شئت إجابتي: " الساحر والمسحور: موعد بالنقال في المركز المشهور"، وعلى كل حال فإن مئات الأفلام قد علمتنا جيلا وراء جيل كيف نصطاد من نريد أن نوقعه في حبنا، وكيف نقع أو يقع الناس في الحب حقيقة أو وهما، كما صدعت رؤوسنا -وما تزال- آلاف الأغاني عن مشاعر الحب وأحلامه وآفاقه وحلاوته وحرارته وأوامره ونواهيه... إلخ، ولم يمر معي فيلم واحد، ولم تتناهَ إلى سمعي أغنية واحدة تدلني أو تدلكم على كيفية الزواج وتكوين أسرة في هذا الزمان الصعب ماديا واجتماعيا!!
إن المرء ليكاد يكره سيرة الحب، ليس كما كانت أم كلثوم تتخوف منها في مطلع الأغنية الشهيرة، ولكن من فرط ما أغرقونا بهذه الكلمة التي أصبحت جوفاء ومبتذلة من كثرة استخدامها، وأقرب إلى الترفيه وقضاء الوقت اللذيذ في ممارسة الأجيال الجديدة للحب على طريقة عجرم وأخواتها.
مرة أخرى.. ماذا عن الزواج؟! وكنت أود أن تذكر لنا عمرك وتجربتك في عالم الحب والزواج -إذا كنت قد تزوجت- لنستفيد، إن كان فيها ما يفيد، ولأن الخبرة العملية تكون أبلغ كثيرا من أقوال على شاكلة: "الدنيا بخير"، "وخليك متفائل"، و"اضحك تضحك لك الدنيا". لأن الدنيا الآن تضحك منا وعلينا وعلى أوضاعنا، ونحن في برطمانات التخلف المخلل (وللإخوة والأخوات من غير المصريين فإن التخليل هو نوع من حفظ الخضراوات، وكذلك الأسماك مع محلول ملح ثقيل).
مؤكد أن لمن حولنا قصص نجاح فردية كثيرة، وأعتقد أن صفحتكم هذه لها أثر كبير في نفوس قرائها، وقد تشرفت بمقابلة بعضهم في زيارتي الأخيرة للأردن؛ حيث زارني من "إربد" شابان تخرجا في الجامعة، وكان حماسهما لأفكار صفحتنا ورسالتها عظيما، وأحسب أن هناك مثلهما في أكثر من بلد عربي، ولكن ينقصنا الهمة والثقة بالنفس، والرضا بالتغيير التدريجي، وتدريب النفس على التخطيط والتنفيذ بعيد المدى، وأحسب أن انتشار هذه الأفكار هو نوع من النجاح.
ولا أعرف هل وصلت إليك نسخة الجريدة التي نشرت على صفحة كاملة عن اقتراح "الزواج للجميع"؟! ولو أن لدينا من الوقت والجهد ما نستطيع به إطلاق حملة كهذه ومتابعتها لكان لنا ولها شأن آخر، ولكن مجرد طرحنا لخطاب نقد وتحليل نفسي واجتماعي علمي متخصص ومن على أرضية الإسلام، هذا في حد ذاته نجاح غير مسبوق، ولله الحمد والفضل، ثم لكم الشكر والثناء.
ثم إنكم ونحن معكم قد وصلنا بعون الله إلى اقتراح حلول وأفكار عملية للخروج من بعض الحفر والأزمات الاجتماعية، وهي متوافرة لمن يريد أن يتحرك في سبيل الإصلاح الاجتماعي، وهذا أيضا نجاح نشكر الله عليه.
كنت أتحاور مع إحدى قارئات الصفحة وسألتني: بماذا تحلم؟! والآن أجيب: أحلم بأن هذا الوعي الذي أصبح لدينا جميعا من كثرة التعامل مع المشكلات، وتقليب النظر في البحث عن الحلول، وإنضاج خطاب التحليل والعلاج؛ أحلم أن ينتشر هذا الوعي ويتحول إلى حركة، ولن يحدث هذا إلا بجهودكم في كل بيت وأسرة، ومجتمع صغير، ودائرة إعلامية واجتماعية.
اكتبوا بهذه الأفكار وطوروها مع الغير عبر منتديات الحوار ومجموعات الاهتمام على الإنترنت، وفي الصحف المحلية والدولية، وعلى القنوات الفضائية، وكل وسائط الاتصال. إنه فكر جديد يستند إلى خبرة واقعية، ومعرفة بالدين والعلم، وهو ملك لكم جميعا وللأمة بأسرها، ولقد حاولنا إسماع صوتنا لأوسع جمهور ممكن، ونحب أن يسمع الناس أصداء لهذا الصوت عبركم وعبر مشاركتكم في كل مناسبة ومنتدى، فهل سنسمع مثل هذا الصدى قريبا؟!
إن مهمة هذه الصفحة لم تنته بل لم تدخل في مرحلتها الأهم، وذلك حين تنزل أفكارها لتتحرك وتحتك بين الناس، وفي واقعهم، فتمكث وتنمو إن كان فيها ما ينفع، أو تذهب جفاء إن كانت محض زبد، وأخشى أن نكتفي بهذا الدفء الذي نشعر به وتشعرون من الحب المتبادل والانسجام بين مستشاري الصفحة وقرائها، وأخشى أن ننسى أن رسالتنا إنما تبدأ من هنا، من حيث نصل إلى وعي جديد، وعلاقة متينة، وفهم عميق إلى الحركة بهذا الوعي والفهم، من هنا نبدأ أو ينبغي أن تبدأ عملية أخرى أو عمليات: بعضها على الإنترنت في النشر والترويج لهذا الفكر وبثه بين الناس، وبعضها في الواقع الذي ما زال يتخبط في خضم أسئلة والتباسات تجاوزناها نحن بفضل الله ثم بدعمكم، وصار واجبا أن ننقل الوعي والدواء، فلا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ورب مبلَّغ أوعى من سامع، وتابعنا بمشاركتك.