في البداية، أشكركم على هذا الموقع المتميز، وجزاكم الله خيرا.
أنا فتاة والحمد لله متدينة، أحاول جاهدة مرضاة الله، ومنذ أن بدأت في النضوج وأنا أتمنى من الله الزوج الصالح الذي تتوفر فيه شروطي، وبداية قصتي هي ذهابي للعمل رأيته وهو الإنسان الصالح الذي يحمل كل الصفات التي أريدها.
مع العلم أنى أتعبت أسرتي كثيرا فتقدم لي الكثيرون، ولكني أحمل مبدأ لا يمكن أن أستغني عنه أبدًا، ورأيت من ناحيته ميلا نحوي ولكن حياءه يمنعه من الاقتراب مني وشيئا آخر وهو ما يطلق عليه المستوى الاجتماعي، وجاءت اللحظة التي عرفت فيها مشاعره التي لا تقل بل تزيد عني عن طريق إحدى الصديقات التي عرفت أني أحبه، وخصوصا بعد ما تقدم إليّ شاب أوشك أهلي أن يوافقوا عليه رغم معارضتي.
وبدأ هذا الشخص فعلا بعد تشجيعي بالتقدم لخطبتي بعد أن صارحت أمي التي فرحت؛ لأني أخيرًا وجدت من أرجوه، ولكن بدأت مع ذلك المشاكل، حيث الفرق الواضح في المستوى، والمشكلة الكبرى في نظرهم وهي الإقامة في قريته ورفضوه، وأحسست أني دمرت فلن أوافق على غيره، وهو حدث له انهيار فهو إنسان رقيق.
وبعد فترة بعد أن تقدم لي الكثيرون ورأى أهلي أني لا أرغب في غيره، ومع تحدثي لأمي وجدت أنها بدأت تميل وتعطيني الأمل فتقدم مرة أخرى وبعد أن أوهمونا بالموافقة وذهبوا إلى بيتهم رفضوا وحطموا أملي وأمله.
والآن هو يبتعد عني بكل الوسائل؛ فهو إنسان متدين لا يرغب في أن يجرحني أو يعلقني به، كل تصرفاته تؤكد أخلاقه ودينه، مع العلم بأنه متفوق علميًّا عني بمراحل وله مستقبل كبير، وأنه له نفس أحلامي عن حفظ القرآن وتربية الأبناء.
ماذا أفعل بالله عليكم؟ فلن أتصور أن أتزوج غيره، ولن أجد مثله، وهو لن يأتي مرة أخرى لكرامته، وإن جاء فأهلي لن يوافقوا، ومطلوب مني الآن أن أختار بين بعض المتقدمين، وأنا أعرف أني لن أستطيع أن أنساه.
هناك في علم النفس تفاعل يسمى "تفاعل الحزن" "grief reaction"، ويقصد به تفاعل النفس البشرية مع فقدان الأحبة، وهو يبدأ بالإنكار لواقعة الفقدان، وذلك ناتج عن الصدمة في عدم تصور ما حدث ثم مرحلة إدراك الواقع والحزن من أجل ذلك، ثم تجاوز الأمر والتعامل مع الواضع الجديد.
وأشهر من مر بهذا التفاعل بكل مراحله كان سيدنا عمر بن الخطاب عندما سمع بموت الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو قد صدم بالخبر، وبدأ بالإنكار صارخًا إن من سيقول بأن محمدًا قد مات فسيعلوه بسيفه، وإن الرسول لم يمت، ولكن في الواقع أنه ذهب إلى ربه مثلما فعل موسى، وأحدث ذلك هرجا ومرجا خرج على إثره سيدنا أبو بكر الصديق معلنًا أنه "من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، ثم تلا قول الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} وسمع عمر الآية وخر يبكي، وقد أدرك الحقيقية، وكأنه يسمع بالآية لأول مرة.
وبعد ساعات كان عمر في سقيفة بني ساعدة يحسم الخلاف حول خلافة الرسول –صلى الله عليه وسلم- في موقف رائع تجاوز فيه آلامه وأحزانه... هذا هو تفاعل الحزن، وهذه هي نهايته الصحية... وهو جزء من طبيعة البشر بشرط أن يدركوه وينهوه نهاية صحيحة، ولا يظلوا متوقفين عند مرحلة الصدمة أو الإنكار غير قادرين على تجاوز الأمر إلى إدراك الحقيقية والتعامل مع الواقع، حتى ولو كان إدراك الحقيقة محزنا لبعض الوقت.
تقدم الشاب لك مرتين، ورفض أهلك في المرتين، رغم ما أبدوه في المرة الثانية من احتمال موافقتهم.. الشاب الآن يبتعد عنك حفاظا على كرامته، وحفاظا عليك، وعلى سمعتك وعدم رغبة في ارتباطك به، وقد أيقن أنه لا أمل في الارتباط، أو في موافقة أهلك.
إذن فالرجل قد تجاوز مرحلة الصدمة، ودخل في مرحلة التعامل مع الواقع الجديد... والحقيقة أنك ما زلت في مرحلة الإنكار، حيث لا تريدين أن تري الواقع.
يا أختي.. انتهت القصة ولا أمل في أي عودة جديدة، فلا مجال لكلام من مثل أنني لن أتزوج غيره؛ لأن الواقع يقول إنك لا بد أن تتزوجي وسيكون هذا الزوج غيره... إنك لم تنسيه؛ لأنك لم تصدقي الواقع، وما زالت مشاعرك غارقة في ذكريات القصة التي انتهت.
الأمر يحتاج لتجاوز هذه المرحلة مع التعايش مع الألم والحزن لاختيار زوج من بين هؤلاء المتقدمين، وستجدين عندها فيمن يتقدم إليك كل الصفات التي ترغبينها، وستجدين حدًّا أدنى للعاطفة التي تحتاج منك لرعاية... ومع مرور الأيام سيصبح الأمر ذكرى قد تجدين صعوبة في تذكر تفاصيلها، وربما تحكينها لابنتك وأنت تضحكين وهي تشكو لك حبها الأول، نرجو أن تراجعي مقالنا " اختيار شريك الحياة السهل الممتنع ".