بسم الله الرحمن الرحيم.. ترددت كثيرا قبل اتخاذ قرار الكتابة إليكم.. فقد اعتدت أن أبحث عن حلول مشاكلي بين سطور مشكلات الآخرين لا لشيء غير أني متكتمة بعض الشيء على ما يحدث معي خاصة إن كنت أراه خطأ.. فأنا لا أحب أن أتحدث عن الخطأ مستهينة به ليصبح كالصواب.. فأنا من بني آدم.. وكل ابن آدم خطاء.. فضميري يؤنبني دوما على ما أفعل، لكنني لا ألبث أن أعود.. وإليكم قصتي..
أنا فتاة على قدر جيد من الالتزام.. مؤمنة بالقضاء والقدر وبالنصيب أشد الإيمان.. في العشرين من العمر.. تعرفت قبل ثلاث سنوات على شاب يكبرني بخمس سنوات عن طريق الإنترنت.. وحتى لا أطيل أثبت لي حسن نيته، وجاء من البلد الذي كان به إلى حيث أنا، ولم يرني إلا في بيت أهلي لأول مرة؛ لأن هذه كانت رغبتي التي احترمها لي.. وطلب يدي.. ووافق أهلي.. ومرت الأمور على خير ما يرام.
وكنا في قمة السعادة؛ لأننا توجنا قصتنا بسرعة، وأدخلناها بسرعة أيضا إلى دائرة الحلال الذي يعنينا نحن الاثنين.. (لم نخطب أو نتزوج، ولكن حصلت الموافقة المبدئية على كل شيء). جدت ظروف في البلاد التي كان بها، وتأثر عمله جدا بما حدث.. هذا بعد أن عرَّفني على أهله هناك، وتحدثت معهم جميعا.
أخبركم هذه الأحداث لأبين لكم مدى الثقة التي تبادلناها، وكيف أن الموضوع كان يؤخذ بمحمل الجد.. حتى النهاية.. أو حتى الآن.. بعد تأثر عمله بالأوضاع تغير معي كثيرا.. أحسسته يبتعد عني.. ويبتعد.. ويحاول بشتى الطرق أن يختلق بيننا المشاكل.. ولم أكن أفهم السبب، ولكني كنت أعطيه عذره بسبب ما يحدث معه في عمله، ولم يكن ليخطر لي أبدا أنه يفعل كل هذا لأبتعد عنه؛ لأنه -وكما قال- لم يعد ذلك الكفء الذي أستحقه أولا، ولم تعد حياته ملكه فقد أصبحت ملك وطنه.. وتعبت أخبره أنني يشرفني أن أكون مع إنسان مثله وأن هذا لن يزيدني إلا فخرا وشرفا فهو ذو رسالة سامية.. ما حدث أنه أصر على رأيه ولم أجده إلا وهو يختفي من حياتي بهدوء.
وتمر الأيام والشهور وأنا لم أتمكن من أن أسمع عنه شيئا إلى أن سمعت أنه عاد إلى البلد الذي أنا بها، وحاولت الاتصال به وبصعوبة تمكنت من ذلك.. ولكنه للأسف كان يتهرب مني.. فابتعدت.. ولكني لم أستطع! فما أحمله لهذا الإنسان شيء أكبر بكثير من كلمة مشاعر الحب.. فأنا أحبه.. أحترمه وأقدره.. وأرغب حقا في أن أمضي ما تبقى من حياتي معه.. ولكن ما حدث أننا أصبحنا لا نتكلم إلا في أمور العمل وفي أوقات متباعدة جدا.. وكلما أحاول أن أوصل له استعدادي للعيش معه كما هو.. يقول لي إنه لا يرضى هذه الحياة لي وإنه حين وافق أهلي عليه لم يكن بهذا الحال وإنه ألغى فكرة الزواج الآن؛ لأنه غير مؤهل لها.. وقال لي عيشي حياتك وحاولي أن تنسي.. وقلت له بصراحة إن قلت لي أن أنتظر فأعدك بالانتظار حتى تستطيع.. ولكن بلا فائدة.
مرت سنتان.. ونحن كما نحن نتحدث بالمواسم، ولا نتحدث إلا في الأحوال والأخبار، وما يحدث معه ومعي دون خوض في أي تفاصيل أو أي شيء يتعلق بحياتنا الشخصية.. مع العلم أنه باختفائه الهادئ جدا من حياتي لم يعتذر لأهلي قبل رحيله، وكانت أمي كثيرا ما تسأل عنه ولا أدري ما أقول لها إلى أن فقدوا الأمل وبدءوا يتحدثون في قصص العرسان الجدد.. وأنا لا أطيق أن أسمع هذه القصص فأنا في اعتقادي أنني لا أريد سواه.. فهو أو لا أحد..
ولكن أمي بدأت تحدثني، وتحاول أن تقنعني بأن الحياة بها الكثير بعد أن أخبرتها بما كان بيني وبينه من كلام.. وطبعا أمي كأي أم لا تريد لابنتها حياة غير آمنة فكانت ترى أن ما فعله هو الصواب (عكسي تماما).. ولكن ما بوسعي قوله؟ فقد قلت كثيرا بلا فائدة.. حاولت الابتعاد عنه وعزل نفسي عن أخباره عساني أتمكن من مواصلة الحياة.
وسمحت لنفسي -بناء على رغبة أمي- أن أعطي فرصة لأحد أقاربي الذي لا أشك فيما يحمله لي من مشاعر لا أبادله إياها.. ولكنه يتمتع بكل المواصفات التي توافق عليها أي فتاة تسعى للاستقرار.. لم أتمكن من الاتفاق معه.. مع أنه فعل الكثير ليثبت لي مقدار حبه.. كنت أصلي كثيرا، وأدعو الله أن ينسيني ما حصل معي.. وأن يرضيني بقريبي.. وأن يزرع في قلبي حبه لأعطيه ما يستحق، ولكن بلا فائدة.. فقررت ألا مجال.. وأنني فاشلة في هذه الأمور، ولن أنجح بها أبدا ما دام الأول يسيطر عليَّ لهذه الدرجة ليس كشخص فقط.. بل كقصة أحببتها.. وشخصية علمتني الكثير.. وتمنيتها فعلا لي، وكانت ستكون لولا قدر الله.. الحمد لله على كل شيء.. فأنا كثيرا ما أقول عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.. وأكاد أتخذ قرار عدم قبول أي أحد لأتمكن من أن أطمئن على أخباره دون الدخول حتى فيما يطلقون عليها الخيانة الفكرية... وهكذا هي حياتي.
وأحاول جاهدة أن أنسى مجرد مرور هذا الشخص في حياتي.. وأحاول العيش ومتابعة الحياة فأفشل.. وأعود أحيانا لأحاول مساعدته وبذل ما بوسعي لأكون معه ولو بأقل قدر فيما يفعل.. أحببت هذا الإنسان.. احترمته شخصا وفكرا.. بادلني نفس المشاعر.. زرع بي الكثير.. ورحل بهدوء، وكان سبب رحيله من أهم أسباب زيادة تعلقي به.. لا بل وأكثر أنه كان أحيانا يتعمد أن يوصل لي أخبارا عنه لتجعلني أكرهه، ولكن ما ألبث أن أكتشفها فأزداد احتراما له.. أعرف تماما أننا لن نكون لبعض في أحد الأيام.. ماذا أفعل.. وكيف يمكنني متابعة هذه الناحية من نواحي حياتي مع غيره وأنا هكذا.. ألا أعتبر خائنة إذا ما فكرت به.. وأنا أكيدة أنني لن أستطيع ألا أفكر به أو أن أمنعه من أن يخطر في بالي.. فهو حقيقة جميلة عشتها وتمنيتها!!!
أود أن أنوه هنا أنني وخلال كل مدة الانفصال النسبي بيننا لم أره إلا مرات قليلة جدا تحسب على أصابع اليد الواحدة.. فنحن لا نستطيع مواجهة بعضنا البعض.. ومواجهة الظروف التي حرمتنا من بعض دون أي ذنب.
أختي الكريمة:
أحمد فيك يقينك بالله -عز وجل- وإيمانك بأن الزواج نصيب، وأن كلا منا له نصيبه في الدنيا مكتوب في السماء عند الرحمن، فالبعض في هذا الوجود يغيب عليه أن الزواج رزق من عند الله مثل المال وبقية الأرزاق ويغفل عن معنى الآية الكريمة "وفي السماء رزقكم وما توعدون"
حبيبتي الغالية:
ما أصعب أن تتعلق القلوب! وتعيش على أمل اللقاء مع من تحب وتهوى فإني أشعر بألمك وبحيرتك، وأقدر مشاعرك الرقيقة ووفاءك وإخلاصك لهذا الشاب، ولكن يا حبيبتي الأمور أحياناً نراها من زاوية واحدة، وتُحجب عيوننا عن بقية الزوايا المختلفة فتعالي معا نحاول أن ننظر للموضوع بعدة زوايا وبرؤية أوسع.
حبيبتي انتظارك لهذا الشاب لن يقدم أو يؤخر في الموضوع، بل سيزيد تعلقك به، ولن يحدث الجديد إلا إن كان هذا الشاب من نصيبك فسيعود، ويقدر المولى لك الارتباط به، أما انتظارك له على أمل الرجوع لا فائدة منه بل قد تصدمين بعد فترة بأنه قد خطب أو تزوج من أخرى أو قد تشعرين بعد فترة بتغير في رؤيتك لاختيار شريك الحياة فتشعرين أنه ليس هذا الشخص الذي كنتِ تتمنين الارتباط به.لا أريد أن أحبطك من حلمك أو أن أصدمك في مشاعرك، ولكن هذه زاوية من الموضوع يجب أن تنظري إليها.
حبيبتي.. أشعر بصدق كلامك، ولكن كما نذكر دائما بأن الحب وحده لا يكفي لبناء ارتباط، ومن رسالتك يبدو أن اللقاءات التي كانت بينكما قليلة فهنا يجب أن تنظري إلى زاوية أخرى قد تكون غائبة عنك بأن الزواج يتضمن الحب وبجانبه العقل، وأنت لم تعطِ فرصة كافية للعقل بأن يفكر، كما أنك لم تضعي معايير للاختيار لديك، ويمكنك مراجعة إجابتنا السابقة في ذلك منها:
- الاختيار والرغبة - اختيار شريك الحياة.. والخطوات الأربع
هذه المعايير والأسس، مثل الترمومتر أو مؤشر درجة الحرارة يعين على قياس الأمور بصورة أوضح، ولا أقول لك الاستعانة بها فقط عقليا، فلا نستطيع أن نغفل القلب في هذا الأمر، ولكن يجب أن يمارس العقل دوره مع القلب فقد تتحدين كل الظروف وتنتظرين هذا الشاب وتعلقين آمالك عليه ثم تفاجئين بأنه ليس هذا الشخص الذي كنت تريدين الارتباط به، فيجب إدراك هذه الزاوية، والتعمق أكثر في طريقة الاختيار لمن سيشاركك حياتك.
حبيبتي.. إن كان هذا الشاب جادًّا في الارتباط بك لتحدى كل العقبات التي تواجهينها، وكان على الأقل قد أظهر لك جديته في متابعة الخطوات فهو لم يقم إلا بالخطوة الأولى، ثم توقف عن المتابعة بل يحاول الانسحاب من حياتك، وقد يعود ذلك لاحتمالات عديدة قد يكون ذلك لشعوره بأنه غير مناسب لك أو أنك غير مناسبة أو عدم وجود نقاط اتفاق كافية بينكما في جميع المعايير التي وضعها في اختياره، وشعر بذلك بعد اللقاءات التي تمت بينكما أو أنه ليس على درجة كبيرة من تحمل المسئولية، ومحاولة تحدي العقبات التي تواجهه. وهذه الناحية يجب الانتباه إليها أو لأمر آخر غير واضح لنا.
حبيبتي الغالية..
حاولي الخروج من دائرة التفكير بهذا الشاب ونسيانه، أعرف أنه صعب ومؤلم لك، ولكن حاولي أن تتحدي ذاتك وتبدئي حياة جديدة وبمنظور جديد للحياة فحاولي الانشغال بأنشطة اجتماعية وخيرية ودينية مختلفة والتعرف أكثر على خبرات الحياة والخوض في تجاربها فأنت ما زلت في العشرين من عمرك وفى مقتبل شبابك وفي ذروة بناء شخصيتك تحتاجين لاكتشاف ذاتك وتحديد أهدافك من الحياة بصورة أعمق وأعيدي النظر لمفهوم اختيار شريك الحياة فضعي معايير لاختيارك، وحاولي أن تنظري لمن يتقدم لك بنظرة شاملة ومحاولة إعطاء فرصة لنفسك لاكتشاف من يتقدم لك؛ لأنك الآن عقلك وقلبك محجوب عن التفكير بأي شخص فحاولي إزالة هذا الحاجب، ولو استغرق هذا بعض الوقت، ستظهر لك الرؤية أوضح فقد تجدين صفات في من يتقدم لك هي التي تتمنين أن تجديها في من يشاركك حياتك، وأنت غير مدركة لذلك.
حبيبتي.. استعيني بالله -عز وجل- بالدعاء له والالتجاء له بأن يعينك ويشرح صدرك لمن هو أهل للارتباط بك، وكوني على يقين بالله بأنه سيرزقك بالزوج الصالح، واستخيري الله -عز وجل- في أمرك فسيهيئ لك الخير حيث كان، إنه كريم مجيب الدعاء.
حبيبتي.. نحن معك، وفي انتظار معرفة أخبارك ولا تيئسي من نفسك في محاولة الخروج من هذه التجربة بشخصية أنضج وأقوى وأعمق وأقدر على تحليل الأمور والقدرة على معرفة ما تريدين من الحياة والقدرة على الاختيار المناسب لمن يشاركك حياتك..
وانظري إجابات سابقة منها:
- هواجس وأوهام الحب الأول.. الإجابة عندك - قيود الحب الأول ... تكسرها الأيام