بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرجو من حضراتكم الإجابة عن تساؤلاتي بأسرع وقت ممكن؛ لأنني بحاجة لمساعدتكم، أنا فتاة أبلغ من العمر 24 سنة، متعلمة ومعي شهادة بكالوريوس، مثقفة، وملتزمة بأمور ديني.
قصتي أني تزوجت من شاب متدين ومثقف أيضا، عشنا معًا بعد زواجنا شهرين فقط؛ حيث إنه استُشهِد خلال انتفاضة الأقصى، مع العلم أنني لستُ حاملا، القضية الآن هي مع نفسي، إنني أعمل على التأقلم مع الحياة من جديد؛ فأنا ما زلتُ في بداية العمر وريعان الشباب، وأنظر إلى الموضوع بعاطفية، وأيضا بواقعية؛ فمن الناحية الواقعية أرى أنه عليَّ نسيان ما فات، واعتباره ذكرى جميلة مرت في حياتي، أو على الأقل محاولة التناسي، والعمل على بدء الحياة من جديد.
أما من الناحية العاطفية والرُّوحانية؛ فإنني أرى في ذلك خيانة لزوجي الشهيد؛ لأنني أفكر في أمور الدنيا من بعده، وكذلك أرى أن في ذلك قطعًا لعلاقتي معه في الحياة الآخرة، وأشعر من داخلي أنه سيتخلى عني يوم القيامة كما تخليت عنه في الدنيا، وفكرتُ أن أعيش من جديد، وأتزوج، وأنجب أطفالا، هذه الأفكار تراودني باستمرار، وأنا في حيرة من أمري..
هل أستجيب لعقلي، أم لعواطفي؟ يعني هل أبدأ حياتي من جديد، أم أبقى كما أنا أعيش مع الذكريات؟ لذلك أرجو من حضراتكم إفادتي من الناحية الدينية والواقعية، ماذا أفعل؟ وكيف أستمر في حياتي؟
في البداية يا سيدتي أدعو الله أن يربط على قلبك، ويزيدك ثباتاً ويقيناً بقضاء الله، كما أدعوه - تعالى - أن يمن علينا بهذا الشرف العظيم – شرف الشهادة في سبيله الذي منَّ به على زوجك الكريم.
أسجل إعجابي بصراحتك مع نفسك، وبأنك لم تستحي من كشف الصراع الذي يدور بداخلك، ولم تترددي في أن تطلبي المشورة والحل.
والموضوع في الحقيقة في غاية البساطة؛ فهناك بعض المفاهيم المشوشة والمضطربة في ضمير مجتمعنا وأعرافنا، رغم أنها في الحقيقة بسيطة وبديهية جدًّا، ونحن إذا اتفقنا معاً على توضيح هذه المفاهيم تكونين قد وصلت بإذن الله للإجابة الشافية.
أول مفهوم هو مفهوم (الخيانة)؛ فالخيانة في الحقيقة لها معنى واحد فقط نعرفه جميعاً ولا نقبله، أما زواج الأرملة بعد موت زوجها – وإن كان شهيداً فلا يعتبر خيانة وإلاَّ لاعتبرنا السيدة (أسماء بنت عميس) خائنة؛ لأنها تزوجت أبا بكر -رضى الله عنه- بعد استشهاد زوجها (جعفر بن أبي طالب)، ثم تزوجت عليًّا بن أبي طالب بعد موت أبي بكر- رضي الله عنه- وكذلك نعتبر السيدة أم عمارة نسيبة بنت كعب التي شهد لها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأنها من أهل الجنة خائنة؛ لأنها تزوجت بعد وفاة زوجها.
وكذلك السيدة فاطمة بنت الوليد التي تزوجت سالمًا ثم الحارث.
وغيرهن كثيرات من الصحابيات- رضى الله عنهن جميعاً- وألحقنا بهن في الفردوس الأعلى.
المفهوم الثاني هو أن التفكير في الزواج (من أمور الدنيا)، وهو فعلاً من أمور الدنيا، ولكن هذا لا يعني أنه شيء دنيء أو محتقر، بل هو رسالة، وعبادة، وحياة، وعفة للنفس، والفرج، وبناء أسرة مسلمة، وإنجاب الذرية الصالحة التي تدافع عن هذا الدين، والرسول - صلى الله عليه وسلم - عظم لنا شأن الزواج؛ فاعتبره نصف الدين.
أما المفهوم الثالث فهو أنك تعتبرين أن هناك صراعاً على طول الخط بين (العقل والعاطفة)، وهذا غير صحيح؛ فالعقل والعاطفة يلتقيان في قضيتك في عدة نقاط:
أليست الأمومة التي تتمنينها وتفتقدينها عاطفة؟!
أليست الحياة الزوجية التي تتشوق إليها كل أنثى عاطفة؟! أليس حب الدفء الأسري الذي لا تستقيم الحياة بدونه عاطفة؟
كل هذه العواطف تلتقي مع نداء العقل الذي يدعوك لمحاولة (التأقلم مع الحياة من جديد) كما تقولين في خطابك مع زوج جديد تقبلين عليه بكل الحب، وتأخذين بيد قلبك الجريح خطوة خطوة حتى يمتلئ بحب هذا الضيف الجديد؟! وتنجبين أولاداً – بإذن الله – يملئون عليك حياتك وينشرح بهم صدرك، ثم يبقى الشهيد الراحل ذكرى جميلة تحملين له كل الوفاء والتقدير والاحترام.
وأخيراً أختم كلامي بفقرة أنقلها إليك من أحد الكتب:
(بين الحين والحين يندفع الموت فينهش نهشة ويمضي، أو يقبع حتى يلتقط بعض الفتات الساقطة من مائدة الحياة، والحياة ماضية في طريقها حية متدفقة فوارة، لا تكاد تحس بالموت أو تراه، قد تصرخ من الألم مرة حين ينهش الموت من جسمها نهشة؛ لكن الجرح سرعان ما يندمل، ويندفع الناس والحيوان والطير لتغمر وجه الأرض بالحياة والأحياء).
شاركت في الإجابة عن هذا السؤال د. فيروز عمر مستشارة فريق الحلول