English

 
           

 

ابحث

بحث متقدم

شرعي

آخر تحديث:01:26 GMT, Wednesday, Nov. 25, 2009

بنك الفتاوى » شرعي
 
اطبع أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد
أسامة   - تونس الاسم
التبني في نظر الشريعةالعنوان
ما حكم التبني في الإسلام ؟ السؤال
03/12/2006التاريخ
شيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوتالمفتي
الحل
بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :
فالتبنِّي له صورتانِ: إحداهما أن يضمَّ الرجل إليه طفلا ليس ابنا له فيربيه ويعتني بشأنه دون أن يُلْحِقَ به نسبَه، ولا يثبُت له شيءٌ من أحكام البُنُوَّةِ، ولا ريب أنه عملٌ يستحبُّه الشرع ويدعو إليه ويُثيب عليه، أما الصورة الثانية، فهي أن ينسب الشخص إلى نفسه طفلًا ليس ولدًا له ينسبه إلى نفسه ويُثبت له أحكام البنوة وهذا صرَّح الشرع ببُطلانه، وأهدَر آثاره.

فيقول الشيخ محمود شلتوت -شيخ الأزهر الأسبق رحمه الله- ردا على سؤال مماثل :
ينبغي لمعرفة حُكم الشريعة في التبنِّي أن يعرف له في معناه صورتينِ:
إحداهما: أن يضمَّ الرجل الطفل الذي يعرف أنه ابن غيره إلى نفسه، فيُعامله مُعاملة الأبناء من جهة العطف والإنفاق عليه، ومِن جهة التربية والعناية بشأنه كلِّه، دون أن يُلْحِقَ به نسبَه، فلا يكون ابنًا شرعيًّا، ولا يثبُت له شيءٌ من أحكام البُنُوَّةِ. والتبني بهذا المعنى صَنِيعٌ يلجأ إليه بعض أرباب الخير من المُوسرين الذين لم يُنعم الله عليهم بالأبناء، ويَرونه نوعًا من القُرْبَةِ إلى الله بتربية طفل فقير، حُرم من عطف الأُبوَّة، أو حُرم من قدرة أبيه على تربيته وتعليمه، ولا ريب أنه عملٌ يستحبُّه الشرع، ويدعو إليه، ويُثيب عليه، وقد فتحت الشريعة الإسلامية للمُوسر في مثل تلك الحالة باب الوصية، وجعلتْ له الحقَّ في أن يُوصي بشيء مِن تركتِه يَسُدُّ حاجة الطفل في مستقبل حياته، حتى لا تضطرب به المعيشة، ولا تقسو عليه الحياة.

التَّبَنِّي المَحْظُورُ:
أما الصورة الثانية: وهي المفهومة من كلمة: "تبنِّي" عند الإطلاق، وفي عُرف الشرائع ومُتعارف الناس، فهي أن ينسب الشخص إلى نفسه طفلًا يعرف أنه ولد غيره، وليس ولدًا له ينسبه إلى نفسه نسبة الابن الصحيح ويُثبت له أحكام البنوة من استحقاق إرْثه بعد موته، وحُرمة تزوُّجه بحليلته، وهذا شأنٌ كان يعرفه أهل الجاهلية، وكان سببًا من أسباب الإرْث التي كانوا يُورِّثون بها، فلمَّا جاء الإسلام ـ وبيَّن الوارثين والوارثات بالعناوين التي قرَّرها سببًا في استحقاق الإرث ـ أسقطه من أسباب التوارث، وحصرها في البنوة والأُبوَّة والأمومة والزوجية والأخوة والأرحام على ترتيب بينهم (وأُولُوا الأَرْحَامِ بعضُهمْ أوْلَى بِبَعْضٍ في كتابِ اللهِ). (آخر سورة الأنفال).

ولم يقف الإسلام في إبطال آثار التبني الجاهلي عند حدِّ إسقاطه من أسباب الميراث، بل صرَّح ببُطلانه، وأهدَر آثاره، وأرشد نبيَّه إلى التمسُّك بالواقع الصحيح، وقد جاء ذلك في قوله ـ تعالى ـ من سورة الأحزاب: (وما جَعَلَ أدْعِيَاءَكُمْ أبْنَاءَكُمْ ذلكُمْ قَوْلُكُمْ بأَفْوَاهِكُمْ واللهُ يقولُ الحقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هوَ أقْسَطُ عندَ اللهِ فَإِنْ لمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ ومَوَالِيكُمْ). (الآيتان: 4 ـ 5 من سورة الأحزاب).

زيد بن حارثة:
وقد تبَنَّى النبي ـ صلى الله عليه وسلم، على سُنة العرب، وقبل التشريع ـ زيدَ بن حارثة، فكان يُدعي: زيدَ بنَ محمد، وحينما طلبه أَبُوه وأهلُه من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وَكَلَ النبي الأمر إلى اختيار زيد، فآثَرَ زيدٌ أُبُوَّةَ النبي على أبوة أبيه، ورضي الجميع بذلك، وانصرفوا عنه، وتركوه مُتَبَنَّى تَبِنِّي الرسول فرحينَ مسرورينَ، فلما جاء القرآن بإبطال التبنِّي أمر الله نبيَّه أن يُنَفِّذَ بنفسه تطبيق ذلك التشريع الجديد في مُتَبَنَّاهُ؛ ليكونَ ذلك عند الأمة باعثًا على الامتثال والمُسارعة إلى القبول، دون تحرُّج من ترْك ما ألِفُوا.

أمر الله نبيه بتنفيذ التشريع الجديد، وإهدار السُّنَّةَ السابقة فيما يختصُّ بالتبنِّي، وفي سبيل ذلك طلب منه أن يتزوج بحليلةِ مُتبناه زيد بن حارثة، وقد اتَّفق في ذلك الوقت أن زيدًا كان قد طلَّقها، وقد جاء ذلك في قوله ـ تعالى ـ من سورة الأحزاب أيضًا: (فلمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لكَيْ لا يَكُونَ على المُؤمِنينَ حَرَجٌ في أزواجِ أدْعيائِهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وكانَ أمْرُ اللهِ مَفْعُولًا). (الآية: 37 من سورة الأحزاب) وبذلك بطل هذا النوع من التبنِّي، وصار مُحَرَّمًا على المسلم أن يُلحق بنسَبه الطفلَ الذي يَعرف أنه ابن غيره وليس ابنًا له، عرَف أبَاه أم لم يَعرفه.

إبطال هذا التبنِّي:
ولعل من واجب المسلمين علينا أن يعرفوا الحِكْمَةَ في إبطال هذا النوع من التبنِّي، ونُزول القرآن بإنكاره وتحريمه وإبطال آثاره، ليتبيَّن لهم مقدارُ حرص الشريعة الإسلامية على صوْن الأنساب وحِفظ الحقوق الأُسرية التي ارتبطت في التشريع الإسلامي بجهات القرابة العِماد الواقعي بين الوارثينَ ومُورِّثِهم.

وليس مِن ريبٍ أن في هذا التبنِّي حرمانَ الأب الحقيقي المعروف من أن يتصل به نسبه المُتولد منه، المنسوب إليه في الواقع وفيما يعلم الله والناس، وفيه إدخال عنصر غريب في نسب المُتبنِّي، يَدخل على زوجته وبناته باسم البُنُوَّةِ والأخوة، ويُعاشرهن على أساس منهما وهو أجنبي عنهن، لا يُباح له منهن ما يُباح للابن أو الأخ الحقيقي لهنَّ، وبقدر ما تتركز هذه البُنوة الكاذبة في هذه الأسرة، فإن البنوة الحقَّة، في الأسرة الحقة، تسير إلى الفناء والمَحْوِ والزوال، وبذلك تضيع الأنساب، ويختلُّ نظام الأُسَر.

وفيه ـ وراء ضياع الأنساب واختلال نظام الأسر ـ تضييعٌ لحقوق الورثة الذين تَحَقَّقَ سبب إرْثهم الشرعي من الأب الكاذب "المُتبنِّي" فلا تَرِثُ إخوته ولا أخواته لوُجود الابن "الزُّور" الذي منَع بِبُنُوَّتِهِ الكاذبة إرْثهم الشرعي، وبذلك تقع العداوة والبغضاء بينهم وبين مُورثهم بهذا الدعِيِّ الذي تَبنَّاه وضيَّع به حقهم في التركة.

هذا. وقد قال بعض العلماء إجمالًا لتلك الحكمة: لو فُتح باب الانتفاء من الأب لأُهملت المصالح ولاختلطتِ الأنساب ولضاعت حِكمة الله في جعْل الناس شعوبًا وقبائلَ.

وبعدُ:
فهذا هو الوضْع الشرعي لمَن يريد أن يتقرَّب إلى ربه بضَمِّ ابن غيره إليه، يُربيه ويُنفق عليه ويُوصي له، دون أن ينسُبه إلى نفسه، ويَجعله ابنًا يَرِثُهُ وتَحرُم عليه حليلتُه، وذاك هو الوضْع الآخر الذي يَمْقُتُهُ الله ويُنكره: ينسب ولَدَ غيره إليه ويُثبت له حقوق البُنُوَّةِ الصادقة، ويمنع به المُستحقينَ حُقوقهم. وأرجو ألَّا يختلط أحدُ الوضعينِ بالآخر عند مَن يُريد التبنِّي ممَّن يُؤمنون بالله وشرْعه.
والله أعلم .
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..

 

 

تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث