هل يجوز أن تعتبر المذاهب التي ليست من الإسلام السني جزءا من الإسلام الحقيقي، أو بمعنى آخر هل كل من يتبع ويمارس أي واحد من المذاهب الإسلامية – يعني المذاهب السنية الأربعة، والمذهب الجعفري والمذهب الزيدي والمذهب الإباضي والمذهب الظاهري، يجوز أن يعد مسلما؟
السؤال
26/07/2006
التاريخ
العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي
المفتي
الحل
الحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد يقول فضيلة الشيخالدكتور يوسف القرضاوي: من شهد أن "لا إله إلا الله، وأنمحمدا رسول الله" خالصا من قلبه، فقد أصبح مسلما، له ما للمسلمين، وعليه ما علىالمسلمين،ونجا بذلك من الخلود في النار، وإن قالها بمجرد لسانه، ولم يؤمن بها قلبه،فذلك هو المنافق، الذي تجري عليه أحكام المسلمين في الظاهر، وإن كان في الدركالأسفل من النار. ولهذا جاء في الحديث المتفق عليه: "أمرتأن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهموأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" ( متفق عليه) ولهذا قال من قال من العلماء: الإسلام الكلمة! أي كلمةالشهادة، فبها يدخل الإنسان الإسلام، ويحكم له بالإسلام.
وعلى هذا تدل أحاديث صحاح كثيرةمنها: "من شهد أن لا إله إلا الله، وأنمحمدا رسول الله: حرم الله عليه النار"(رواه مسلم)
"منشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبدهورسوله، وابن أمته، وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النارحق، وأن البعث حق: أدخله الله الجنة – على ما كان من عمله – من أي أبواب الجنةالثمانية شاء" ( رواه الشيخان) كل هذه الأحاديث –وجميعها صحاح- تدل بوضوح على أن مدخل الإسلام هو الكلمة أو الشهادة، وأن المرء إذامات عليها صادقا مخلصا – ولم يقلها نفاقا- كانت سبب نجاته من النار ودخوله الجنة،على ما كان من عمل، أي إذا صحت عقيدته أنجته من الخلود في النار، وإن كان له منالسيئات ماله. ولا عبرة بالتسميات التي يتسمى بها الناس،أو يسمي بها بعضهم بعضا، كقولهم: هذا سلفي، وهذا صوفي، وهذا سني، وهذا شيعي، وهذاأشعري، وهذا معتزلي، وهذا ظاهري، وهذا مقاصدي، لأن المدار على المسميات والمضامين،لا على الأسماء والعناوين. كما أن تلك الأحاديث ترد علىمن استدل بظواهر أحاديث أخرى تنفي الإيمان عمن ارتكب بعض الذنوب مثل: الزنى والسرقةوشرب الخمر وغيرها. كحديث: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن". والمقصود: وهومؤمن كامل الإيمان، فالنفي للكمال لا للوجود.. وهذاالتأويل ضروري: حتى لا تضرب النصوص بعضها ببعض، وهو تأويل سائغ في العربية، تقول:إنما العلم ما نفع، أي العلم الكامل، إنما الأم من ربّت، أي الأم الكاملة، وإن كانتالأمومة المجردة تثبت بالولادة. ويكفي من دخل في الإسلام:أن يلتزم بأركان الإسلام وفرائضه الأخرى، ويذعن لها، وإن لم يقم بها فعلا، بدليل أنالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل إسلام من ينطق بالشهادتين، ويعتبره مسلما، وإنكان أداؤه لفرائض الإسلام بعد ذلك، حين يأتي وقت الصلاة، وحين يحين أداء الزكاة،وحين يأتي شهر رمضان.
ومن دخل فيالإسلام بيقين: لا يخرج منه إلا بيقين، لأن اليقين لا يزال بالشك، واليقين المخرجمن الإسلام: أن ينكر معلوما من الدين بالضرورة، أو يستحل حراما قطعيا لا شك فيه، أويصدر عنه قول أو فعل لا يحتمل تأويلا غير الكفر، كأن يسجد لصنم بغير إكراه، أو يدوسعلى المصحف الشريف، أو يرميه في القاذورات، أو يسب الله، أو رسوله، أو كتابه،بعبارة صريحة لا لبس فيها ولا شبهة.
ولا يحل لمسلم أن يخرج مسلما من الإسلام بسببمعصية ارتكبها، ولو كانت كبيرة من الكبائر، فإن الكبائر تخدش الإسلام، ولكنها لاتزيله بالكلية، بدليل أن القرآن أثبت أخوّة القاتل مع أولياء دم المقتول، فبعد أنقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} قال بعدها: {فمن عُفيله من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان}البقرة:178. وكذلك أثبت الإيمان للمقتتلين من المسلمين، فقال: {وإنطائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى، فقاتلواالتي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} الحجرات:9. ثم قال: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوابين أخويكم}الحجرات:10. وكذلك فرقت الشريعة بين عقوباتالزاني والقاذف والسارق وقاطع الطريق وشارب الخمر، وعقوبة المرتد ولو كانت كل كبيرةكفرا، لعوقب الجميع عقوبة الردة. وهذا يوجب على أهل العلمأن يتأولوا الأحاديث التي اعتبرت قتال المسلمين بعضهم لبعض كفرا، أو عملا من أعمالالكفار "لا ترجعوا بعدي كفار يضرب بعضكم رقاب بعض"( متفق عليه )، ويجب ربط النصوصبعضها ببعض، ورد متشابهها إلى محكمها، وفروعها إلى أصولها. وكما لا يجوز إخراج المسلم من إسلامه بسبب معصية: لا يجوزإخراجه منه بسبب خطأ أخطأ فيه، لأن كل عالم معرض للخطأ، وهو مرفوع عن هذه الأمة،فقد وضع الله عنها الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، كما جاء ذلك في حديث ابن عباسعند ابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم.
وأصحاب المذاهب المعروفة في العالم الإسلامي، التي تتبعهاجماهير من المسلمين، كلهم داخلون في مفهوم الإسلام الذي ذكرناه، سواء كانت هذهالمذاهب فقهية ، تعنى بالأحكام العملية عند المذاهب السنية الأربعة المعروفة ،ومعها المذهب الظاهري، أم كانت مذاهب عقدية ، تعنى بأصول الدين ، أي بالجانبالعقائدي منه، مثل المذهب الأشعري، أو المذهب الماتريدي، أم كانت تجمع بين الجانبالعقدي والجانب العملي شأن المذهب الجعفري، والمذهب الزيدي والمذهب الإباضي. فهذه المذاهب كلها تؤمن بأركان الإيمان التي جاء بها القرآن (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر) والإيمان بالقدر الذي جاءت بهالسنة داخلٌ ضمن الإيمان بالله تعالى. وكلها تؤمن بأركان الإسلام العلمية: الشهادتان، وإقام الصلاة،وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. وكلها تؤمن بمحرمات الإسلام القطعية من: القتل والانتحاروالزنى وعمل قوم لوط، وشرب الخمر، والسرقة والغصب، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم،وقذف المحصنات المؤمنات، وغيرها من الموبقات التي جاء النهي عنها، والوعيد عليها فيمحكمات القرآن والسنة ، وأجمعت عليها الأمة. وكلها تؤمنبالأحكام القطعية في شريعة الإسلام، في العبادات والمعاملات، والأنكحة والحدودوالقصاص، والسياسة الشرعية والمالية وغيرها. وكلها تؤمنبالاجتهاد فيما ليس فيه نص قطعي الثبوت والدلالة، وهو اجتهاد له أصوله وضوابطه التيترجع جميعاً إلي أصول الشرع، وإن اختلفت طرائق الاجتهاد بين مذهب وآخر، فمنهم من هوأميل إلى النص، ومنهم من هو أميل إلى الرأي، ومنهم من يجنح إلى الظواهر، ومنهم منيهتم أكثر بالمقاصد. فمن أصاب منهم الحق في اجتهاده فلهأجران ، ومن أخطأ فله أجر واحد لأنه بذل جهده ، وتحرى الحق ، فلم يحرم من الأجر،وقد صح بذلك الحديث المتفق عليه. وسواء كان الخطأ فيالأصول أم في الفروع، في المسائل العلمية أم في المسائل العملية ، كما بين ذلكالمحققون من العلماء. وتأثيم المجتهد في المسائل العلميةالاعتقادية – ناهيك بتكفيره!!- مناف لما قرره القرآن في خواتيم سورة البقرة : (لايُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَااكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَاوَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَارَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْلَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)البقرة:286. وجاء في الصحيح أن الله تعالى قد استجاب هذا الدعاء ، فلو عاقب اللهبعد ذلك المجتهد الذي استفرغ وسعه ولكنه أخطأ الوصول إلى الحق ، لكان معاقباً لهعلى الخطأ وهو مرفوع ، ومكلِّفاً له ما ليس في وسعه ، ومحمِّلاً له مالا طاقة له به.
وقال الإمام ابن تيمية:فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأهكائناً ما كان، سواء كان في المسائل النظرية العلمية، أو في المسائل الفروعيةالعملية .... هذا الذي عليه أصحاب النبي وجماهير أئمة الإسلام . وأما تفريق المسائلإلى : أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها فهذا التفريق ليس له أصللا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان ، ولا عن أئمة الإسلام).
قال الإمام ابن الوزير:قد تكاثرت الآيات في العفو عن الخطأ، والظاهر أن أهل التأويل أخطأوا،ولا سبيل إلى العلم بتعمدهم، لأنه من علم الباطن الذي لا يعلمه إلا الله تعالى فيخطاب أهل الإسلام خاصة: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم}الأحزاب: 5، وقال تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} البقرة: 286، وصح فيتفسيرها أن الله تعالى قال: قد فعلت، في حديثين صحيحين: أحدهما عن ابن عباس، والآخرعن أبي هريرة، وقال تعالى: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} آل عمران: 135، فقدذمهم بعلمهم، وقال في قتل المؤمن مع التغليظ العظيم فيه: {ومن يقتل مؤمنا متعمدافجزاؤه جهنم} النساء: 93، فقيد الوعيد فيه بالتعمد، وقال في الصيد: {ومن قتله منكممتعمدا} المائدة:95، وجاءت الأحاديث الكثيرة بهذا المعنى، كحديث سعد وأبي ذر وأبيبكرة – متفق على صحتها – فيمن أدعى أبا غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه، فشرطالعلم في الوعيد. ومن أوضحها حجة: حديث الذي أوصى –لإسرافه- أن يحرق ثم يذرى في يوم شديد الرياح، نصفه في البر، ونصفه في البحر، حتىلا يقدر الله عليه، ثم يعذبه! ثم أدركته الرحمة لخوفه، وهو حديث متفق على صحته عنجماعة من الصحابة، منهم حذيفة وأبو سعيد وأبو هريرة، بل رواته منهم قد بلغوا عددالتواتر، كما في جامع الأصول، ومجمع الزوائد، وفي حديث حذيفة: أنه كان نباشا. وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد، ولذلك خافالعقاب، وأما جهله بقدرة الله تعالى ما ظنه محالا فلا يكون كفرا إلا لو علم أنالأنبياء جاءوا بذلك، وأنه ممكن مقدور، ثم كذبهم أو أحدا منهم، لقوله تعالى: {وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا}الإسراء:15. وهذا أرجى حديثلأهل الخطأ في التأويل. ويعضد ما تقدم بأحاديث: "أنا عندظن عبدي بي فليظن بي ما شاء" وهي ثلاثة أحاديث صحاح. والله أعلم
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..