إذا كان المسلمون في معظم البلاد اليوم يصطلون بنار أعدائهم من غير المسلمين؟ أفليس في شريعة المسلمين نصوص تبغضهم هم أيضا في أعدائهم، وتطلب منهم إن هم قدروا أن يستئصلوا الكفار فلا يبقوا منهم أحدا، وأن يعملوا السيف فيهم فيبيدوهم؟ فأي الفريقين خير مقاما؟ أليس كل فريق يتربص بالآخر فرصة مواتية ليبيده؟
السؤال
20/09/2006
التاريخ
العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي
المفتي
الحل
بسم الله، والحمد لله، والصلاةوالسلام على رسول الله، وبعد:- الجهاد في الإسلام ليس لإبادة الآخر؛ فالإسلام لا يضيق ذرعابالآخرين، ولا يطلب من المسلمين أن يعملوا آلة القتل في غيرهم حتى لو كانوايقدرون.. وغاية الجهاد في الإسلامهو تبليغ دعوة الله للناس وتركهم وما يختارون، حيث لا إكراه في الدين. أما من منع المسلمين من تبليغدعوتهم إلى غيرهم فقد وقف حجر عثرة لا يزيله إلا الجهاد مالم يرجع عن غيه. أما غير المسلمين من اليهودوالنصارى فكتبهم المحرفة مليئة بأن شريعتهم لا تعرف الآخر ولا تقبله، فالتوراة التييؤمن بها اليهود والنصارى لا تعرف إلا رجلا مؤمنا بها ورجلا لا يؤمن بها فهو مقتولحتما لا يستحق الحياة صغيرا كان أم كبيرا، رجلا كان أو امرأة. يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :-
من أراد أن يعرف فضلما جاء به الإسلام من إصلاح وتجديد وتهذيب في أحكام الجهاد والقتال، بالنسبة لماكان عليه الوضع في الشرائع القديمة، والأمم السابقة، فعليه أن ينظر ـ ولو نظرةسريعة عاجلة ـ إلى ما اشتملت عليه (التوراة) الحالية، التي يؤمن بها اليهودوالنصارى جميعا، على أنها الكتاب الإلهي الذي أنزله الله على موسى عليه السلام،وأعلن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: أنه ما جاء لينقض الناموس (الذي جاء بهموسى)، بل جاء ليتممه.
ولا أدريأقرأ الغربيون الذين يزعمون أنهم يؤمنون بـ (الكتاب المقدس) ومنه التوراة: هذهالنصوص التي سأوردها أم لم يقرأوها؟ وإذا قرأوها فهل وعوها أو لم يعوها؟ والآن أود أن نقف قليلا عند ما تقوله التوراة ـ التي نعتقدنحن المسلمين: أنها حرفت وبدلت لفظيا ومعنويا ـ والتي يؤمن بقدسيتها وإلهيتها:اليهود والمسيحيون، ومنهم المبشرون والمستشرقون، الذين شنوا الغارة على شريعةالجهاد في القرآن، وفي سنة محمد عليه الصلاة والسلام، وبالمقارنة والموازنة تتبينالحقائق، وبضدها تتميز الأشياء.
فأنصت أخيالقارئ المنصف لما تقوله التوراة في أمر الحرب والقتال. تقول التوراة في (سفر تثنية الاشتراع) في (الأصحاح العشرين)تحت عنوان (شرائع حصار وفتح المدن البعيدة) وأعتقد أن هذا العنوان من وضع ناشريالتوراة، في الفقرة العاشرة وما بعدها: (وحين تتقدمونلمحاربة مدينة فادعوها للصلح أولا. فإن أجابتكم إلى الصلح واستسلمت لكم، فكل الشعبالساكن فيها يصبح عبيدا لكم. وإن أبت الصلحوحاربتكم فحاصروها، فإذا أسقطها الرب إلهكم في أيديكم، فاقتلوا جميع ذكورها بحدالسيف. وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما في المدينة من أسلاب، فاغنموهالأنفسكم، وتمتعوا بغنائم أعدائكم التي وهبها الرب إلهكم لكم. هكذا تفعلون بكل المدنالنائية عنكم التي ليست من مدن الأمم القاطنة هنا. انتهى.
هذا أمر التوراة الصارم لبني إسرائيل، أو لليهود المؤمنينبشريعة موسى في شأن حصار المدن البعيدة وفتحها: إذا لم تسلّم لهم فليحاربوا، وإذاسقطت في أيديهم، فعليهم أن (يقتلوا جميع ذكورها بحد السيف) هكذا أمرهم الرب الإله.ولم تقبل شريعة التوراة من هؤلاء بديلا لقتلهم بحد السيف: أن يدخلوا في ديناليهودية مثلا، أو يدفعوا لهم جزية، أو غير ذلك. ولم يستثن أمر (الرب الإله) أحدامن الذكور: لا شيخا كبيرا، ولا طفلا صغيرا.
وقد قال القرآن هنا: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) محمد:4فاكتفى القرآن في قتال الأعداء: أن يثخنوهم، أي يضعفوهم، وفي هذه الحالة عليهم أنيشدوا الوثاق. أي: يأسروا بدل أن يقتلوا.
وقال القرآن أيضا: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) التوبة:29 فجعل للأعداء المحاربين فرصة تنجيهم منالقتل، ومن الدخول في الإسلام جبرا، وهي إعطاء الجزية عن يد أي عن قدرة، وهي مبلغزهيد في مقابل التكفل بالدفاع عنهم.
شرائع حصاروفتح مدن أرض الموعد: أما شعوبالمنطقة التي يطلق عليها (أرض الميعاد) فتقول التوراة في شأنها: (أما مدن الشعوبالتي يهبها الرب إلهكم لكم ميراثا، فلا تستبقوا فيها نسمة حية، بل دمروها عن بكرةأبيها، كمدن الحثِّيِّين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويينواليبوسيين، كما أمركم الرب إلهكم، لكي لا يعلموكم رجاستهم التي مارسوها في عبادةإلهتهم، فتغووا وراءهم وتخطئوا إلى الرب إلهكم. انتهى.
هذه الشعوب الستة، يجب أن تبادإبادة تامة، دون أن يبدأوا بالدعوة، أو تقبل منهم جزية، أو يعقد معهم صلح أو هدنة.ليس هناك إلا السيف. والموت والدمار الكامل هما نصيب هذه الشعوب المسكينة، ولا ذنبلها إلا أنها سكنت أرض الميعاد قبلهم. ويعلق شراح التوراةعلى هذه الفقرة فيقولون: "كيف يمكن لإله رحيم أن يأمر بإهلاك كل المراكز الآهلةبالسكان؟ لقد فعل ذلك لحماية بني إسرائيل من عبادة الأوثان، التي كانت، ولا بد،ستجلب الخراب عليهم (18:20). وفي الحقيقة، لأن بني إسرائيل لم يقضوا تماما على هذهالشعوب الشريرة كما أمرهم الله، تعرضوا باستمرار لاضطهادهم، وإلى الكثير من سفكالدماء والتخريب، أكثر مما لو كانوا أطاعوا توجيهات الله قبل كل شيء!! اهـ.
وهكذا ترى هؤلاء الشراح يرووا هذهالإبادة الكاملة لهذه الشعوب؛ بأمر الرب الإله! فأين ماجاءت به التوراة هنا مما جاء به القرآن من أحكام؟ إنالبلاد القريبة ـ التي يطلق الشراح عليها (أرض الموعد) ـ (لا تُستبقى فيها نسمةحية!) يعني: إبادة كاملة، استئصال لأهل هذه البلاد! فلا تستبعد ما صنعه الأوربيونالمسيحيون حين نزلوا بأرض أمريكا الشمالية، من استئصال الهنود الحمر، أهل البلادالأصليين!! ولا تستغرب ما صنعه البريطانيون وغيرهم حينما ذهبوا إلى (استراليا)واكتشفوها وقضوا على سكانها الأصليين. وقد رأينا بأعيننا ماذا فعلت العصاباتاليهودية الصهيونية بأهل فلسطين، وشعب فلسطين؟ لقد قاموا بجملة مذابح بشرية رهيبة،من قتل النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين العزل، بلا هوادة ولا رحمة، ولا مراعاةلأي اعتبار إنساني، حتى بقروا بطون الحوامل، وأخرجوا الأجنة من أحشائها، وعبثوابها، وقتلوا الابن أمام عين أبيه، والأب أمام أعين أبنائه وبناته، وبهذه الوحشيةأدخلوا الرعب في قلوب الفلسطينيين، ففروا من ديارهم مذعورين، وتركوها لهؤلاءالسفاحين الإرهابيين.
لقد كانهؤلاء المجرمون السفاحون يطبقون شريعة التوراة التي لقّنوها: ألا تدعوا فيها نسمةحية!! هذه هي شريعة التوراة بالنسبة لهذه الشعوب: دمروهاعن بكرة أبيها! لا تبقوا فيها نسمة حية! هكذا أمر الرب الإله موسى وقومه وأتباعه:أن يفعلوا بهذه المدن وأهلها حين تقع في أيديهم، وقد أرادوا أن يبدأوا بقتالهموقتلهم. فليس لهم خيار إلا السيف. فأين هذا مما جاء به القرآن من قوله تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ *وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ) البقرة:189 – 190.
وأين هذا ما جاء به القرآن حتى بعد ما سموه (آية السيف) منقوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ) التوبة:6 وأين هذا من قوله تعالى: (وَإِن جَنَحُواْ
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..