أرجو بيان الحكم الشرعي في تولي المرأة المناصب العامة ، وهل يجوز لها أن ترشح نفسها للمجالس النيابية ، وماذا عن استناد كثير من الفقهاء لحديث " خاب قوم ولوا أمرهم امرأة" وكيف يبيح البعض للمرأة مع وجود الحديث في الصحيح؟
السؤال
27/04/2005
التاريخ
أ.د محمد سليمان الأشقر
المفتي
الحل
بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
فاستناد المانعين لتولي المرأة أية منصب، مهما قل أوصغر يرجع لحديث البخاري، وراوي الحديث هو أبو بكرة ، وقد رد عمر شهادته ، ومع اعتماد صحة الحديث ، فهو في تولي الخلافة ورئاسة الدولة ، وليس في الترشيح في المجالس النيابية ، أو رئاسة بعض البلديات .
يقول الدكتور محمد سليمان الأشقر ، أستاذ الشريعة بالكويت :
إن أهم مستند يستند إليه من يدعون أن الشرع الإسلامي يمنع من مشاركة المرأة في الميادين المتقدمة هو الحديث المشهور الذي أخرجه البخاري وأخرجه أيضا الإمام أحمد في مسنده ، كلاهما عن أبي بكرة - رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة» هذا لفظ البخاري، وعند احمد «لا يفلح قوم تملكهم امرأة» هذا الحديث هو المستند الرئيسي لكل من يتكلم في هذا الأمر ولم يرد هذا الحديث من رواية أي صحابي آخر غير أبي بكرة.
وتصحيح البخاري وغيره لهذا الحديث وغيره من مرويات أبي بكرة رضي الله عنه هو أمر غريب لا ينبغي أن يقبل بحال ، والحجة في ذلك ما عرف في كتب التاريخ الإسلامي كما عند الطبري وابن كثير وغيرهما أن أبا بكرة قذف المغيرة بن شعبة بالزنى ووصل الخبر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فأمر بحضور الرجلين من الكوفة إليه في المدينة فسألهما عن ذلك وطلب عمر رضى الله عنه من أبي بكرة أن يأتي بشهوده على ما ادعاه ، فلم تتم الشهادة التي هي كما قال الله تعالى أربعة شهود قال الله تبارك وتعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون) " النور :40" فحكم على من يقذف امرأة محصنة والرجل المحصن مثلها بثلاثة أحكام:
الأول: أن يجلد ثمانين جلدة .
والثاني: أن تسقط شهادته فلا تقبل شهادته بعد ذلك على شيء.
والثالث : انه محكوم عليه بالفسق. وتمام الآية "إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم"
ولذلك جلد عمر رضي الله عنه أبا بكرة ثمانين جلدة حد القذف بالزنى، ثم قال له: تب اقبل شهادتك، فأبى أن يتوب ، وأسقط عمر رضى الله عنه بعد ذلك شهادته، فكان أبو بكرة بعد ذلك إذا استشهد على شيء يأبى أن يشهد ، ويقول: إن المؤمنين قد أبطلوا شهادتي.
وقد قال الله تعالى في آية لاحقة (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) "النور: "13 أي أنهم في حكم الله تعالى كاذبون، لا يثبت بقولهم حق . هكذا حكم الله تعالى على من قذف محصنا ، وهذا منطبق على أبي بكرة، فإن الآية تدمغه بالفسق وبالكذب، وهذا يقتضي رد ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مما انفرد به كهذا الحديث العجيب «لن يفلح قوم تملكهم امرأة» فينبغي أن يضم هذا الحديث إلى الأحاديث الموضوعة المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم ، على أنا نقول جدلا: لو صح هذا الحديث افتراضا جدليا لكان حجة فقط في منع أن تتولى المرأة الملك أو رئاسة الدولة، ولا يصلح حجة لمنع أن تتولى المرأة القضاء أو إمارة قرية أو مدينة، فليس معنى كون الرجل لا يصلح أن يكون ملكا أنه لا يصلح أن يكون قاضيا أو أمير مدينة أو قرية أو يكون رئيس دائرة أو وزيرا أو رئيس وزراء أو نائبا في البرلمان، و من احتج بهذا الحديث على ذلك فهو مخطئ خطأ كبيرا، بل إنني اعتبره يسيء الفهم جدا، على أن مما يدل على بطلان هذا الحديث أنه يقتضي أنه لا يمكن أن يفلح قوم تتولى رئاسة دولتهم امرأة في حال من الأحوال ، ومعنى هذا أنه لو وجدت امرأة على رأس إحدى الدول ، ونجحت تلك الدولة في أمورها الدنيوية فيكون ذلك دالا على أن هذا الحديث كذب مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وجد في العصور الحديثة دول كثيرة تولت رئاستها نساء، ونجحت تلك الدول نجاحات باهرة تحت رئاسة النساء نذكر من ذلك رئاسة انديرا غاندي للهند ورئاسة مارغريت تاتشر لبريطانيا وغيرهما كثير في القديم والحديث ، وإنما قلنا في الأمور الدنيوية لان الحديث ورد على ذلك.
ففي رواية البخاري قال أبو بكرة: «لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى» قال «لن يفلح قوم ولوا امرهم امرأة" .
بل أقول: إن القرآن العظيم قد نقل قصة قوم ملكتهم امرأة ، وروى القرآن العظيم أنها نجحت أيما نجاح، وهي ملكة اليمن التي وردت قصتها في القرآن العظيم ، وأن سليمان جاءه طيره الهدهد فقال (وجئتك من سبأ بنبأ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم) وأن سليمان عليه السلام أرسل إليها كتابا يدعوها إلى الإسلام، وأن تأتي إليه مقرة بذلك.
فأحسنت التدبير كل الإحسان، فاستشارت رجال دولتها وبذلك ضمنت ولاءهم وطاعتهم لقراراتها، وأرسلت إلى سليمان عليه السلام هدية تستجلب بها وده ، فرفض الهدية وأصر على أن يصله منها ومن قومها الطاعة والإذعان، فكان عاقبة ذلك أن سارت بنفسها ومن معها إلى سليمان عليه السلام في مدينة القدس فذكرت الآيات القصة إلى أن قالت (قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب عالمين) فآل أمرها إلى هذه العاقبة الجملية "اقرأ القصة في سوة النمل ، الآيات 23 إلى 44 "
فأي ثناء أثناه الله تعالى على هذه الملكة وعلى النجاح الذي وصلت إليه بحنكتها ودهائها وحسن تقديرها للأمور، حيث استطاعت تجنيب قومها وبلادها من إفساد الجيوش الغازية وإذلالهم لقومها، ولهذا نقل ابن كثير في تفسيره عن قتادة قال رحمها الله ورضي عنها: ما كان أعقلها في إسلامها وفي شركها يعني حيث أخرجت قومها من عبادة الشمس إلى عبادة الله تعالى.
هذا وإن في مشاركة المرأة في المجالس النيابية خيرا كثيرا من حيث مشاركتها في الشورى في الأمور العامة خاصة وأن النساء يلتفتن أكثر من الرجال إلى الأمور الخاصة بالبيوت والأسر والأطفال، وعلى مجلس الأمة قبل أن يتيح للنساء المشاركة في الترشيح والانتخاب أن يضع الضوابط الشرعية لمنع الانفلات المخالف للشرع قدر الإمكان ، والله تعالى المسؤول أن يوفق العاملين لمصلحة البلاد إلى ما فيه خيرها وان يجنبهم المزالق والأضرار.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..