بسم الله الرحمن الرحيم " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ " صدق الله العظيم
الإخوة الكرام: علماء الأمة في هذا الزمان يجيدون الخطابة المكتوبة والموجهة من قبل ثلة الظلم والبغي والضلالة امتثالا لأمر الطغاة من الكفار والملحدين حتى بات التحريم فيما أحل الله, وتحليل ما حرم الله إرضاء لأعداء الله، ما حكم العالم الصامت عن الحق وإعطاء الفتوى الحقيقية للمسألة المطروحة من قبل العامة من الناس؟
السؤال
31/03/2004
التاريخ
مجموعة من الباحثين
المفتي
الحل
بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
فالأصل في أهل العلم أن يكونوا عدولاً ثقاة يجمعون بين العلم والعمل، وواجب أهل العلم أن يصونوا علمهم وأن يبتعدوا به عن مواطن الريب ومن ذلك إتيان السلاطين والحكام،وألا يغتروا بالدنيا وملذاتها ومتعها وشهواتها المادية والمعنوي.
وأن يحملوا ميراث الأنبياء.
وواجب العلماء هو البيان، والظن في علماء الأمة أنهم قائمون على تعليم الناس أمور دينهم ، وأنهم يذودون عن حمى هذا الدين يدافعون عنه بالحجة الساطعة والبراهين البينة، وقد جاءت نصوص الشريعة ناطقة باحترام مثل هؤلاء العلماء، والتشديد في الوعيد والزجر في من قدح فيهم.
فقد قال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [المجادلة: 11] ، وقال: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) [الزمر: 9] وفي الحديث: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) [أخرجه الترمذي في باب "ما جاء في فضل الفقه على العبادة من كتاب العلم".
وفي الحديث الآخر: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء) [أخرجه أبو داود في باب "فضل العلو من كتاب العلم ".
أما إذا استغل العالم علمه في قلب الحقائق، وتحليل الحرام وتحريم الحرام اتباعا للهوى ولذي السلطان فمثل هذا على أمر عظيم في دينه، وننصح أمثال هؤلاء بتقوى الله عز وجل، ونحذرهم مما توعد الله به من يسعون لإفساد الناس، فقد قال الله عز وجل في محكم كتابه: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [النور: من الآية19].
وقد نبَّه الله عز وجل إلى خطورة الكذب عليه والافتراء عليه، لأن هذا ظلم عظيم.
قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأنعام: من الآية 144]. وقال تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ* مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل:116 -117] .
قال ابن كثير في تفسيره: يدخل في هذا كل من حرم شيئا مما أحل الله، أو أباح شيئا مما حرم الله بمجرد رأيه وتشهيه.
وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.
فعلى العلماء أن يقوموا بميراث النبوة من تببين الحق للناس، وأن ينتهزوا ما يتيسر لهم من الفرص، في توجيه الناس وتذكيرهم.
فالواجب على الإنسان إذا سئل عن مسألة شرعية وهو يعلم حكمها أن يبينها ولا يكتمها وإلا تعرض للعن، وهو الطرد من رحمة الله، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في الحديث:"من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" رواه ابن حبان والحاكم، وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح الترغيب.
وقال سبحانه:" إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ" [البقرة:159].
قال أهل التفسير إن هذه الآية عامة في كل من كتم علما من دين الله يحتاج إلى بثه، قال القرطبي في تفسيره: والتحقيق في هذا: أن العالم إذا قصد كتمان العلم عصى، وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره، وأما أن سئل فقد وجب عليه التبليغ.
ولا شك أن الذي يعلم، ويفتي بخلاف ذلك أنه أشد إثماً لأمرين:
أحدهما: أنه كتم ما سئل عنه.
والأمر الآخر: أنه افترى على الله الكذب، حيث قال ما لم ينزل الله به سلطاناً، قال سبحانه:" وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ" [النحل:116].
ولا يرتفع هذا الإثم إلا إذا كان العالم واقعاً تحت الإكراه فإنه في هذه الحالة لا يؤاخذ ؛ لأن الله تعالى يقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، وقال سبحانه وتعالى في حق من أكره على قول كلمة الكفر: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ [النحل:106]. ولكن يشترط أن يكون الإكراه مُلِجئاً.
والله أعلم.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..