ما هدي الإسلام في الواجب على المسلمين تجاه أسراهم لدى الأعداء، لا سيما في هذا الوقت الذي يكثر فيه الحديث عن قضية الأسرى الفلسطينيين والعرب لدى اليهود؟ ثم ما الفداء؟ وهل يجوز قتل الأسير العادي؟
السؤال
04/09/2003
التاريخ
الحل
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
يجب على المسلمين السعي بكل الطرق لتخليص أسراهم من الأعداء ويكون ذلك أولا بالمال، وذكر المالكية وجوب تخليصهم ولو استغرق ذلك كل أموال المسلمين، كما يجوز تخليصهم بالمبادلة بأسرى الأعداء، أو بالقتال.
يقول الأستاذ الدكتور عجيل النشمي أستاذ الشريعة بالكويت:
على المسلمين التضامن وعلى أولياء أمرهم خاصة أن يستنقذوا أسراهم ويفكوا أسرهم بكل وسيلة يستطيعون بها ذلك. وقد ذكر البخاري في (باب فكاك الأسير) من كتاب الجهاد، حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فكوا العاني يعني الأسير وأطعموا الجائع وعودوا المريض".
وقد يكون ذلك من باب فداء الأسرى عند الأعداء بأسرى عند المسلمين. وهذا داخل في قوله تعالى عن أسرى العدو: "فإما منا بعد وإما فداء" (محمد:4).
وقد يكون ذلك بدفع مال للأعداء لافتكاك المسلم من بين أيديهم. يقول الإمام مالك: يجب على المسلمين أن يفدوا أسراهم ولو استغرق ذلك جميع أموالهم.
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن قوله تعالى: "وفي الرقاب" (التوبة:60)، يشمل فك الأسرى.
قال في (الفتح): قال ابن بطال: فكاك الأسير واجب على الكفاية، وبه قال الجمهور.
وقال إسحاق بن راهويه: من بين المال، وروي عن مالك أيضاً. وقال أحمد: يفادى بالرؤوس، أما بالمال فلا أعرفه.
ولو كان عند المسلمين أسارى وعند المشركين أسارى واتفقوا على المفاداة: تعينت، ولم تجز مفاداة أسارى المشركين بالمال في هذه الحال.
قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالي: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان" (النساء:75) وقوله: "وما لكم لا تقاتلون"، يعني الجهاد وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، ويفتنونهم عن الدين، فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته، وإظهار دينه، واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده، وإن كان في ذلك تلف النفوس، وتخليص الأسارى واجب على جماعة المسلمين، إما بالقتال وإما بالأموال وذلك أوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها.
وقال مالك: واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم، وهذا لا خلاف فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم: "فكوا العاني" وكذا قالوا: عليهم أن يواسوهم، فإن المواساة دون المفاداة.
وقال الإمام في كتابه عن الجهاد: مذهب الشافعي: أن فداء الأسير مستحب، وأوجبه أحمد بن حنبل، كما أوجبه مالك.
وروى ابن أبي شيبة وأحمد عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار: "أن يعقلوا معاقلهم (أي يتحملوا دياتهم) وأن يفدوا عامتهم". وقال القرطبي أيضاً في قوله: "وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق" (الأنفال:72).
ما الفداء؟
معنى الفداء: أن نفدي الأسرى بأسرى مثلهم في العدد أو أقل أو أكثر حسب المصلحة، فرب أسير منا له وزن وقيمة، نفديه بأكثر من أسير لهم عندنا.. والعكس يحدث أيضاً.
وقد يكون الفداء بمال كما فعل الرسول والصحابة معه في أسرى بدر حيث طلبوا الفداء بالمال لمسيس حاجتهم إليه وقدرة أهليهم من قريش عليه.
وروى البخاري في باب فداء المشركين في الجهاد: حديث أنس بن مالك أن رجالاً من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقالوا: يا رسول الله، ائذن لنترك لابن أختنا عباس بن عبد المطلب فداءً، فقال: "لا تدعون منها درهماً".
وفي معركة بدر: سن الرسول صلى الله عليه وسلم في فداء الأسرى سنة مهمة، وهي أن يؤدي من ليس لديه مال خدمة مناسبة للمجتمع المسلم يقدر عليها الأسير، ويحتاج إليها المسلمون، ومن أجل هذا شرع الرسول الكريم لمن كان يعرف الكتابة من أسرى المشركين أن يكون فداؤه تعليم عشرة من أولاد المسلمين الكتابة.
ولم يخش النبي صلى الله عليه وسلم على أبناء المسلمين من تأثير هؤلاء المشركين على عقول الصغار من ذرا ري المسلمين، فإن محو الأمية لا يحمل معه فكرا ولا اعتقادا، ثم هم في قلب المجتمع المسلم، وتحت رعايته وإشرافه ورقابته.
وقد كان زيد بن ثابت الأنصاري كاتب الوحي، وأحد كتبة المصحف الإمام بل قائد المجموعة أحد الذين تعلموا الكتابة في هذه الفرصة، وبهذا كان النبي الأمي أول من حارب الأمية بطريقة عملية، تعتبر خطوة سباقة في ذلك الزمن البعيد.
لا يجوز قتل الأسير العادي:
الذي أرجحه من استقراء النصوص أنه لا يجوز قتل الأسير العادي وإنما يُعامل وفق آية سورة محمد التي تحدد كيفية التعامل مع من شددنا وثاقهم من الأسرى "فإما منا بعد وإما فداء" (محمد:4).
ولكن يستثنى من ذلك: من نسميهم في عصرنا مجرمي الحرب الذين كان لهم مع المسلمين ماضٍ سيئ لا يمكن نسيانه، مثل عقبة بن أبي معيط وابن خطل ويهود بني قريظة وأمثالهم، فهؤلاء يجوز أن يحكَم عليهم بالقتل جزاء ما اقترفت أيديهم من قبل. فهؤلاء يعاَملون معاملة استثنائية وتطبق عليهم آية سورة التوبة.أ.هـ
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..