سمعنا أن فضيلة الدكتور القرضاوي يمثل مدرسة تدعو إلى وقف قتال الطلب.
وأن الجهاد المشروع الذي تحدث عنه القرآن، وأكدته السنة العملية والقولية، ونهج عليه الصحابة وتابعوهم في عصر الفتوحات الإسلامية الزاهرة هو جهاد الدفع.
وأنه ليس للمسلمين أن يبدأو الكفار بهجوم، وأن كل ما لهم هو أن يدفعوا عن أنفسهم إذا اعتدي عليهم، فهالنا ما سمعنا، وراعنا ما بلغنا، فقلنا نستوثق ونتثبت، فقد تؤتى الأخبار من رواتها.
وها نحن نسأل لنتثبت، فهل صحيح أن فضيلة الشيخ قال هذا؟
السؤال
20/08/2006
التاريخ
العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي
المفتي
الحل
بسم الله، والحمد لله، والصلاةوالسلام على رسول الله، وبعد :- اختلف العلماء حول قضية جهادالطلب، وهو تتبع الكفار في بلادهم دون أن يظهر منهم عدوان أو معاونة عليه، فذهب بعضالفقهاء إلى أن هذا الجهاد ليس مشروعا، وذهب الآخرون إلى مشروعيته بل وجوبه .
وأياما كان الأمر فمما لا خلاف فيه أنجهاد الطلب ليس كله ممنوعا فإن المدرستين كلتيهما أقرت جهاد الطلب لتأمين حدودالدولة الإسلامية، ولإبلاغ الشعوب دين الله عز وجل إذا حالت الحكومات دون ذلك كمافعل فرعون مع بني إسرائيل، ولإخلاء جزيرة العرب من كل دين سوى دين الإسلام، ولإنقاذالأسارى والمستضعفين.
وهذا خلاصة ماأفتى به الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي . وإليك نص فضيلته حولهذا الموضوع : أود أن أحرر هنا موضع الخلاف بينالمعتدلين والمتشددين، أو بين الدفاعيين والهجوميين، كما يسميهم البعض في هذهالقضية . فبعض الهجوميين لم يكن أمينا مع أصحاب الرأي الآخر،فهو يقوّلهم ما لم يقولوا، ويتهمهم بما هم منه براء، فهم يقولون: إن هؤلاء(الدفاعيين) لا يقرون جهاد الطلب بحال من الأحوال، ولا في أي صورة من الصور ولا لأيسبب من الأسباب، ولا يرون الجهاد مشروعا إلا في حالة واحدة، وهي : إذا اعتُدي علىالمسلمين في دارهم ووطنهم. هكذا صُوِّر رأي المعتدلين أو الدفاعيين .
وأرى أن هذا ليس من الإنصاف مع الخصوم، ولا من الدقة والأمانةفي عرض آرائهم، فمن قرأ أراء هؤلاء يجدهم يقرون جهاد الطلب، وغزو العدو في داره،لعدة أسباب، منها : 1- تأمين حرية الدعوة، ومنعالفتنة في الدين، وإزالة الحواجز المادية التي تحول بين جماهير الناس وبين بلوغدعوة الإسلام إليهم، وعلى هذا كانت فتوح الراشدين والصحابة ومن تبعهم بإحسان،لإزالة القوى الطاغية التي تتحكم في رقاب البشر وضمائرهم، وتقول ما قال فرعون لمنآمن من أبناء شعبه: (آمنتم له قبل أن آذن لكم؟). وهذا الهدف تجسيد لقوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) .
2-تأمين سلامة الدولة الإسلامية، وسلامةحدودها،إذا كانت مهددة من قبل أعدائها، الذين يتربصون بها، ويكيدون لها،وهو ما يسمونه في عصرنا الحاضر: (الحرب الوقائية). وهذه من ضرورات الملك، ومقتضىسنة (التدافع). ومعظم الفتوحات الإسلامية كانت من هذا النوع من الحرب الوقائية. بعدأن اصطدمت الدولة الإسلامية مبكرا، منذ عهد الرسول بالدولتين الكبيرتين في العالم:الفرس والروم، وبدأ الصراع مع الروم منذ سرية مؤتة، وغزوة تبوك. وبدأ يدور الصراعمع الفرس منذ مزق كسرى كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إليه، وتوعده بما توعد به .
3- إنقاذ المستضعفين من أسارى المسلمين،أو من أقلياتهم،التي تعاني التضييق والاضطهاد والتعذيب، من قبل السلطات الظالمة المستكبرة في الأرضبغير الحق، كما قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِوَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَاوَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَنَصِيراً)النساء: 75 .
بل إن الدولةالإسلامية إذا استغاث بها هؤلاء المستضعفون المضطهدون، ولو كانوا من غير المسلمين،وكانت تملك القدرة على إنقاذهم مما هم فيه، ليجب عليها أن تستجيب لدعوتهم، وتغيثلهفتهم إذا طلبوا نجدتها،فإن نصرة المظلوم، وإعانة الضعيف، وردع الظالم عن ظلمه:واجب شرعي، بل هو واجب أخلاقي في كل دين، وكل مجتمع يقوم على الفضائل، ورعاية القيمالعليا، سواء كان المظلوم مسلما أم غير مسلم .
4- إخلاء جزيرةالعرب من الشرك،واعتبارها وطنا حرا خالصا للإسلام وأهله، وبهذا يكونللإسلام معقله الخاص، وحماه الذي لا يشاركه فيه أحد .
ولله حكمة في ذلك:أن يكون الحجاز وما حوله من أرض الجزيرة هو الملاذ والمحضن لهذا الدين، الذي يأرز-أي يلجأ- إليه الإسلام كلما نزلت المحن والشدائد بأطرافه المختلفة. وهذا ما أثبتلنا التاريخ جدواه وأهميته خلال العصور والأزمات التي مر بها تاريخ الأمة.
وفي هذا نزلت آيات سورة التوبة فيالبراءة من المشركين وتأجيلهم أربعة أشهر، يسيحون فيها في الأرض ثم يختارونلأنفسهم: الإسلام، أو الرحيل من هذه الأرض أو القتال، وهذه الأشهر الأربعة هي التيسميت (حرما) لتحريم قتالهم فيها، ثم قال تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُالْحُرُمُفَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُوَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْوَاقْعُدُواْلَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَوَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) التوبة:5، وشاء الله أن يختار العرب الدخول في الإسلام، قبل أنتمر الأشهر الأربعة، وتصبح الجزيرة خالصة للإسلام، ويصبح العرب عصبة الإسلام، وجندهالأولين، وحملة رسالته إلى العالم . وهذا من فضل الله علىالعرب، مع ما فضلهم به: فالقرآن نزل بلغتهم، والرسول بعث منهم، والكعبة والمسجدالحرام والمسجد النبوي في أرضهم، وقد أصبحوا هم حراس الإسلام، ومبلغي دعوته إلىالعالمين . والله أعلم.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..