ارتبط مصطلح الجهاد في الإسلام في أذهان كثير من الناس بالقتال وسفك دماء الأبرياء وترويعهم بغير حق حتى أصبح مرادافا في أذهان الناس بالإرهاب والتطرف فما صحة هذا الكلام؟
السؤال
05/11/2006
التاريخ
المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث
المفتي
الحل
بسم الله،والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد : فللجهادفي الإسلام صور متعددة، منها جهاد النفس وجهاد الدعوة، ومنها قتال الأعداء ردالاعتدائهم، أو وقوفهم في طريق دعوة الإسلام، والجهاد في الإسلام بعيد كل البعد عنالإرهاب الذي يعتمد على تخويف الناس، وسفك دمائهم، وأخذ أموالهم بغير حق، ولا يعدالدفاع المشروع عن الأرض والعرض والنفس، ومجابهة الاحتلال من الإرهاب لا عرفا ولاقانونا ولا شرعا. وقد تناول المجلسالأوربي للبحوث والإفتاء موضوع الجهاد ونفي علاقته بالإرهاب، وبعد استعراضه للبحوثوالدراسات، وتداول المناقشات حوله خلص إلى : أنّ النظرة الإجمالية الشمولية لنصوص القرآن الكريم وصحيحالسنة النبوية تبيّن أنّ الأساس في علاقة المسلم بغيره هي علاقة الرحمة والمحبةوالبرّ والتواصل والتعارف والتعايش السلمي والتضامن ومحبّة الخير والهداية للجميع،لقوله تعالى: (يا أيّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثِى) ]الحجرات: الآية 13[، ولقوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الّذِينَ لميُقَاتِلُوكُم في الدّينِ ولم يُخْرجُوكُم مِنْ دِيَارِكم أنْ تَبرُّوهُموَتُقْسِطُوا إليْهِم، إنَّ اللهَ يُحِبُّ المقْسِطينَ. إنما ينْهَاكُمُ اللهُ عَنِالذينَ قَاتَلُوكُمْ في الدّينِ وأخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَاركُم وظَاهَرُوا عَلىإخْرِاجِكُم أنْ تَوَلَّوْهُم، ومَنْ يَتَوَلهَّم فأولئكَ هُمُ الظَّالمونَ) (الممتحنة:8 و9).
ويرتبط بهذهالعلاقة مفهوم الجهاد الذي أُسِيءَ فهمه وتطبيقه في بعض الأحيان سواءً في الماضي أوالحاضر . وللجهاد معانٍ عدة منها: جهاد النفس بتزكيتها،والجهاد بالمال والقلم واللسان والعلم والتقنية، بل الجهاد بالقرآن نفسه، أي بإظهاروإبلاغ ما نزلَ فيه من الحـق لقوله تعالى: (فلا تُطِع الكَافِرينَ وجَاهِدْهُم بهِجِهِاداً كَبيراً) [الفرقان: الآية: 52 [.
ومن الجهاد كذلك، الجهاد في ميدان المعركة، والذي يشار إليهفي القرآن بلفظ "القتال"، وذلك من أجل الدفاع المشروع عن النفس ورد العدوان، كماأجمع عليه الفقهاء، لقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ الَّذينيُقاتِلونَكم وَلا تَعْتِدُوا، إنّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ) ]البقرة:الآية190]، وقوله تعالى: (أُذِنِ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بأنّهُمْ ظُلِمُوا وإنَّاللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ]الحج: الآيات 38 ـ 40 [.
وقد أجمع الفقهاء كذلك على مشروعيةالجهاد لمقاومة شتى أنواع الاضطهاد، مثل ما يسمّى بـ"التطهير العرقي" والاحتلالالعسكري لأراضيهم، وكذلك الاضطهاد الديني، لقوله تعالى: (وَقَاتِلوُهُم حَتّى لاتَكُونَ فِتْنَة ويَكُونَ الدّينُ لله، فإنْ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلا عَلَىالظَّالمينَ) ]البقرة: الآية 193[، وقوله تعالى: (وَقَاتِلوهُم حَتّى لا تَكونَفِتْنَة ويَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ للهِ، فإنْ انْتَهَوْا فإنَّ اللهَ بمايَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ]الأنفال: الآية 39[. وهذا الصنف من الجهاد هو كذلك أمروثيق الصلة بالحقوق المشروعة والإنسانية لسائر البشر وخاصة في عالمنا المعاصر، وفيكلتا الحالتين، دفعٌ للعدوان ووقفٌ للاضطهاد، ولا يكون القتال إلاّ آخر خيار بعداستنفاذ الوسائل السلمية .
كماأنّ هناك للجهاد شروطاً وقيوداً صارمة على سلوك المسلم في ميدان المعركة، ومنها عدمإيذاء غير المحاربين المعتدين، وعدم تحطيم الممتلكات وترويع الآمنين، كما بيّن رسولالله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون .
وقد أبطل الإسلام كل ضروب القتال من أجل تكريس المنفعةالشخصية، أو تكريس المجد القومي أو العرقي، أو الاستيلاء على أراضي وممتلكاتالآخرين، أو القتال من أجل الإكراه في الدين وحمل الناس على الدخول في الإسلام،لقوله تعالى: (لا إِكْرَاهَ في الدِّينِ) ]البقرة: الآية 256]، وقوله تعالى: (ولَوْشَاءَ اللهُ لآمَنَ مَنْ في الأرْضِ كُلُّهُم جَمِيعاً، أَفَأنْتَ تُكْرِهُالنَّاسَ حتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنينَ) -يونس: الآية -99 .
وبذلك يتضح أنّ الجهاد في الإسلاملا علاقة له البتّة بالأعمال الطائشة التي قام أو يقوم بها البعض، والتي لم تُفْضِإلا إلى المزيد من المعاناة وسفك الدماء . كما يتضّح أنّالجهاد في الإسلام بشروطه وأحكامه وقيوده لا يمكن بحال أن يُدرج في إطار ما يسمّىاليوم بالإرهاب كما تشيع بعض وسائل الإعلام. فالإرهاب في المصطلح المعاصر هو:الاستعمال المنظّم غير المشروع للعنف، أو التهديد به، بقصد إزهاق الأرواح البريئة،كالاغتيال وأخذ الرهائن وتدمير الممتلكات وتلويث البيئة، من جانب أي فرد أو جماعةأو منظمة أو دولة .
ومن أشد درجاتالإرهاب هو الاحتلال بكل أشكاله. ولهذا فإنّ المقاومة المشروعة للاحتلال لا تدخل فيإطار الإرهاب، كما استقرت على ذلك القوانين والمواثيق الدولية. ويذكّر المجلس المسلمين الذينيقيمون في بلاد الغرب بصفة خاصة بالقيام بواجبات المواطنة، ومنها احترام القوانينوالحفاظ على السلام والأمن العام والإسهام الإيجابي والفعاّل في تقدّم ورقي وإصلاحمجتمعاتهم ودولهم، والالتزام بمقتضيات الشرع وواجبات المواطنة من حسن الجواروالتعايش السلمي والتعاون في الخير .
ويلاحظ أنّ شروط وقيود استخدام القوة ينطبق كذلك على ما ينشببين المسلمين أنفسهم من خلافات مذهبية وسياسية، فإنّ الأصل في ذلك هو الجهاد السلميالمدني الذي تكفله القوانين المعاصرة كالإضرابات والاعتصامات والمسيرات السلمية،وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ في إطار القانون ـ والصبر والمصابرة .
ومن المعلوم أن استخدام العنفوالقوة في تغيير الظلم أو المنكر تؤدي عادة إلى عكس مطلوبها. ومن المعلوم أنّه منقواعد النهي عن المنكر ألاّ يفضي إلى منكر أشدّ .
لذلك ينصح المجلسُ الشبابَ المسلم بالإعراض صفحاً عن التحريضعلى اللجوء إلى سفك دماء الأبرياء والتعدّي على ممتلكاتهم واللجوء إلى أساليبالجهاد السلمي ومنها ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"أفضل الجهادكلمة حق عند سلطان جائر " وفي إطار هذه المفاهيم العامةيمكن فهم نصوص القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية الشريفة، والتي أساء البعض فهمهافي الماضي والحاضر نتيجة لفصل هذه النصوص عن الملابسات التي أحاطت بظهور الإسلاموتكالب الأعداء عليه وعدوانهم على أهله. ويوصي المجلس بدراسة وفهم هذه القضايا بما تستحقه من أهميةمما يؤدي إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة التي تخالف مجمل نصوص القرآن والسنة وتنتزعبعض النصوص من سياقها، وذلك بغض النظر عن شيوع هذه المفاهيم الخاطئة في الماضيوالحاضر . والله أعلم.
وللمزيد يمكن مطالعة ما يلي : الإرهاب بين الشريعة والـ "إف بي آي" الجهاد والقتال أيهما فرض عين قصر الجهاد على القتال:مراجعة ذاتية
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..