هل الدولة في الإسلام دولة مدنية أم دينية، وما هي الضوابط التي وضعها العلماء كهيكل الدولة في ظل التطور الذي تعيشه الدول ؟
السؤال
07/06/2003
التاريخ
مجموعة من المفتين
المفتي
الحل
بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
فتخوف البعض من مصطلح الحكومة الدينية ، يرجع إلى ظلالها الكنسي، وما فعلته الكنيسة من شلل للحياة، وأصبح الدين معوقا عن التطور الحضاري لشعوبها، ففصلوا الدين عن الدولة، ولكن الإسلام لم يكن يوما من الأيام هو المعوق عن الحياة، بل الإسلام هو الذي دفع للحضارة، وأنشأ للمسلمين أمة، وقد ترك الإسلام للمسلمين اختيار أسلوب الحكم، وما يتبعه من أنظمة، في الإطار العام للإسلام، وما لا يخالف قواعده الكلية، ومقاصده الشرعية.
يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :
الدولة في الإسلامية هي دولة مدنية مرجعها الشريعة الإسلامية ، وكلمة رجل دين ليس لها نصيب في الإسلام، وإنما هم رجال الدين ، فلا كهنوت في الإسلام، و إنما هو تخصص كباقي التخصصات ، ولا يشترط أن يحكم الدولة رجال الدين، بل يحكمها المتخصصون بشريعة الله ، على أن يكون فيها جميع التخصصات المطلوبة في الحياة ، ويتم اختيار الحاكم عن طريق البيعة والرضا والاختيار والانتخاب، فهي دولة ديمقراطية تستمد قانونها من شرع الله .
والدولة في الإسلام لا تقوم على الحق الإلهي، وأن الله تعالى أعطى إنسانا سلطة مطلقة في الحكم، فنحن نجد عندنا قول أبي بكر رضي الله عنه: "إني وليتم عليكم ولست بخيركم، إن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فقوِّموني"، وقول عمر: "من رأي منكم فيَّ اعوجاجا فليقومه".
كما أن الدولة لا تعني أن تنحصر على نفسها ، بل لها أن تستفيد من قوانين الغير بما يصلح شأنها ، ومما ليس لها فيه قانون أو دستور من الكتاب أو السنة ، فلها أن تأخذ قانون المرور مثلا، أو قانون العمل وغيره، مالم يتصادم مع الشريعة الإسلامية.
إن الإسلام الحق ـ كما شرعه الله ـ لا يمكن أن يكون إلا سياسيًا، وإذا جردت الإسلام من السياسة، فقد جعلته دينًا آخر يمكن أن يكون بوذية أو نصرانية، أو غير ذلك، أما أن يكون هو الإسلام فلا.
وذلك لسببين رئيسين :
الأول : إن للإسلام موقفًا واضحًا، وحكمًا صريحًا في كثير من الأمور التي تعتبر من صلب السياسة.
فالإسلام ليس عقيدة لاهوتية، أو شعائر تعبدية فحسب، أعني أنه ليس مجرد علاقة بين الإنسان وربه، ولا صلة له بتنظيم الحياة، وتوجيه المجتمع والدولة.
كلا ... إنه عقيدة وعبادة، وخلق وشريعة متكاملة، وبعبارة أخرى : هو منهاج كامل للحياة، بما وضع من مبادئ، وما أصّل من قواعد، وما سن من تشريعات وما بين من توجيهات، تتصل بحياة الفرد، وشئون الأسرة، وأوضاع المجتمع، وأسس الدولة وعلاقات العالم.
ومن قرأ القرآن الكريم والسنة المطهرة، وكتب الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه، وجد هذا واضحًا كل الوضوح.
حتى قسم العبادات من الفقه ليس بعيدًا عن السياسة، فالمسلمون مجموعون على أن ترك الصلاة، ومنع الزكاة، والمجاهرة بالفطر في رمضان، وإهمال فريضة الحج مما يوجب العقوبة، والتعذير، وقد يقتضي القتال إذا تظاهرت عليه فئة ذات شوكة، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه مع مانعي الزكاة.
بل قالوا : لو ترك أهل بلدة ما بعض السنن التي هي من شعائر الإسلام مثل الآذان أو ختان الذكور، أو صلاة العيدين، وجب أن يدعوا إلى ذلك وتقام عليهم الحجة، فإن أصروا وأبوا وجب أن يقاتلوا، حتى يعودوا إلى الجماعة التي شذوا عنها.
إن الإسلام له قواعده وأحكامه وتوجيهاته : في سياسة التعليم، وسياسة الإعلام وسياسة التشريع، وسياسة الحكم، وسياسة المال، وسياسة السلم، وسياسة الحرب، وكل ما يؤثر في الحياة، ولا يقبل أن يكون صفرًا على الشمال، أو يكون خادمًا لفلسفات أو أيديولوجيات أخرى، بل يأبى إلا أن يكون هو السيد والقائد والمتبوع والمخدوم.
بل هو لا يقبل أن تقسم الحياة بينه وبين سيد آخر، يقاسمه التوجيه أو التشريع ولا يرضى المقولة التي تنسب إلى المسيح عليه السلام : " أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله ".
فإن فلسفته تقوم على أن قيصر وما لقيصر لله الواحد الأحد، الذي له من في السماوات ومن في الأرض، وما في السماوات وما في الأرض ملكًا وملكًا.
وفكرة التوحيد في الإسلام تقوم على أن المسلم لا يبغي غير الله ربا، ولا يتخذ غير الله وليًا، ولا يبتغي غير الله حكمًا، كما بينت ذلك سورة التوحيد الكبرى المعرفة باسم " سورة الأنعام ".
وعقيدة التوحيد في حقيقتها ما هي إلا ثورة لتحقيق الحرية والمساواة والأخوة للبشر، حتى لا يتخذ بعض الناس بعضًا أربابًا من دون الله، وتبطل عبودية الإنسان للإنسان، ولذا كان الرسول الكريم صلوات الله عليه يختم رسائله إلى ملوك أهل الكتاب بهذه الآية الكريمة من سورة آل عمران: (يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون). (آل عمران : 64).
وهذا سر وقوف المشركين وكبراء مكة في وجه الدعوة الإسلامية، من أول يوم، بمجرد رفع راية " لا إله إلا الله " فقد كانوا يدركون ماذا وراءها، وماذا تحمل من معاني التغيير للحياة الاجتماعية والسياسية، بجانب التغيير الديني المعلوم بلا ريب.
شخصية المسلم شخصية سياسية
السبب الثاني : إن شخصية المسلم ـ كما كونها الإسلام وصنعتها عقيدته وشريعته وعبادته وتربيته ـ لا يمكن إلا أن تكون سياسية، إلا إذا ساء فهمها للإسلام، أو ساء تطبيقها له.
فالإسلام يضع في عنق كل مسلم فريضة اسمها : الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وقد يعبر عنها بعنوان : النصيحة لأئمة المسلمين، وعامتهم، وهي التي صح في الحديث اعتبارها الدين كله، وقد يعبر عنها بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وهما من الشروط الأساسية للنجاة من خسر الدنيا والآخرة، كما وضحت ذلك " سورة العصر".انتهى
وقبل الحكم على الحكومة الدينية ، أو اعتبار الإسلام هو المحرك للحكم في الدولة لابد أن نعرف أولا ما الذي يطلبه الإسلام في الحكم حتى نحكم عليه بعد هذا .
وفي نظام الحكم في الإسلام يقول الشيخ العلامة محمد الغزالي – رحمه الله :
الإسلام مثلا لم يضع رسما محددا لأسلوب الحكم ، وإنما وضع له أخلاقا ترعى ، وقيما تصان ، فكيف نولي حاكما ؟ وكيف نعزله ؟ أو كيف نحاسبه ونراقبه ؟ ما هي أجهزة الشورى ؟ وكيف نستوثق من التقاء الآراء الناضجة فيها ؟ وكيف تمضي في مجراها دون إرهاب أو إغراء ؟ للأمم في هذه الميادين أن تجتهد في وضع النظام الذي يحقق مصلحتها دون ما قيد ".[دستور الوحدة الثقافية : 42-43، وانظر: الإسلام في وجه الزحف الأحمر، ص:193 ]."
" وقد ترك الإسلام لأبنائه أن يختاروا حاكمهم بالطريقة التي يحبون ، وبالشروط التي يضعون ، وكل ما أوصى به أن يكون الحكم وليد بيعة محترمة، أو نابعا من رغبة الأمة ، ومتلاقيا مع مشيئتها .
فلا قسر ولا تزوير ولا إرهاب.
وأن يقوم الحكم على الشورى فلا يسمح بتسلط جبار ، ولا افتيات مستبد.
إن نبي القرآن ـ عليه الصلاة والسلام ـ أرسى دعائم العقيدة والعبادة والخلُق، وساق نصوصًا حاسمة تَضبِط سيرة المرء وتقاليد الجماعة، وهذه أسس وتوجيهات لا تختلف باختلاف العصور، ولا يمكن اختراق أسوارها.
أما ما وراء ذلك من شئون ـ وما أكثره ـ فموكول إلى العقل الإنساني يمحو فيه ويُثبت.
في ميدان العلوم والأنشطة الأرضية وشئون الحياة المَدَنِيَّة والأطوار الحضارية يُقَدِّر العقل على الحركة دون قَيْد يضعه الدين. وفي كل المجالات التي تتحدد فيها المبادئ وتتحرر الوسائل يستطيع العقل أن يتصرف دون عائق.
فالشورى مثلاً مبدأ ديني لمنع الاستبداد السياسي، ومنع عبادة الفرد، وتمكين الأمة من فرض رقابتها على ما يعنيها.
والعقل له أن يضع من الدساتير ما يحقق هذه الغاية.
والعدل مبدأ ديني لمنع الافتئات والتظالم.
وللعقل أن يشرِّع من القوانين وينشئ من المحاكم ما يحقق هذه الغاية إداريًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا.
تحديد وقت تولي الرئاسة
والإسلام لم يحدد وقتا لتولي الحكم ، كما لا يمنع من أن تستفيد الدولة الإسلامية من خبرات من سبقوها من الدول التي لا تدين بالإسلام .
اختيار الخليفة في الإسلام
أما تاريخ الخلافة الراشدة فإن اختيار الخليفة فيه لم يَتَّخذْ نهجًا واحدًا، فأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ انتخبه أهل الحَل والعَقد انتخابًا مباشرًا. وعمر عَهِد إليه الخليفة القائم بعد مشورة عامة، وذلك للظروف التي كانت تمر بالدولة، فهي مشتبكة في قتال ضار مع الروم والفرس جميعًا. وعثمان اختِير من بين ستة عيَّنهم عمر، ثم أقبل الناس يبايعونه حتى تم استخلافه. وعليٌّ بايعته الجماهير بعد مقتل عثمان مبايعة حرة لا ثغرة فيها!
وهذا الأسلوب المُتَجَدِّد يشير إلى جواز كل ما يمنع الاستبداد الفردي مهما اختلفت صوره، ولا يجرؤ مسلم على تحريم تصرف لم يجئ في تحريمه نص من الكتاب أو السنة أو القياس الجلي، أو الفوائد المحرمة، بل الذي يقال هنا: إذا وُجدَت المصلحةُ فثَمّ شرعُ اللهِ!
وعندما نراجع تاريخ الخلافة غير الراشدة وجنايتها الشديدة على الإسلام نميل إلى توقيت زمن الخليفة، وتعريضه لانتخابٍ عامٍّ بين الحين والحين.
ولا يَخدِش هذا الحكم أن الأجانب سبَقونا إليه في معالجة الاستبداد السياسي الذي أُصيبوا به، ونَجَوْا من عَقَابِيلِه وما نَجَونا!".انتهى
ويقول يسري عبد الغني عبد الله الباحث السياسي في مقاله :"أساس سلطان الحاكم في الدولة الإسلامية ..رؤية مقارنة" في مجلة الفقه السياسي:
يرجع النظام السياسي للحكم في الدولة الإسلامية إلى أحكام القرآن الكريم ، والسنة النبوية المطهرة ، بصفة أساسية ، وهذان المصدران يتميزان بالمرونة التي تلائم جميع الأزمان والمجتمعات ، مع المحافظة على القواعد الكلية التي أوردها القرآن الكريم ، وتولت شرحها وتوضيحها السنة النبوية المطهرة ، والتي تتلخص في : العدل ، والمساواة ، والشورى .
ومن المعلوم أن المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة ، ويعتمد عليها نظام الحكم فيها ، قد وردت من عند الله تعالى ، في نصوص القرآن الكريم ، وفي أقوال وأفعال وتقارير الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ( أي السنة النبوية ) ، وفي المبادئ الكلية عامة والتي سبق أن ذكرناها ، وغيرها من التوجيهات والتعليمات التي وردت في هذين المصدرين
وفيما يتعلق بوضع الحاكم في الدولة الإسلامية ، فإنه يتبدى لنا بإمعان النظر أن الدولة الإسلامية قد رأسها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، أول ما بدأت ، ولم يكن أحد من الخلق هو الذي اختاره لهذه المهمة ، ولكن الله عز وجل هو الذي اصطفاه ، وحمله أمانة القيام بشئون الدين والدنيا في الدولة الوليدة ، فهو عبد الله ورسوله الذي عهد إليه بهذا الأمر ، ولكنه لم عهداً مطلقاً ، بل تولاه عليه الصلاة والسلام في نطاق أحكام الرسالة ، ونصوص القرآن الكريم ومبادئه التي أنزلها المولى جل علاه لخيرية البشر في كل زمان ومكان وعلى أي حال فقد كان هذا الأساس مقتصراً على وضع الرسول صلى الله عليه وسلم وحده ، وفي عهده ، أما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد جرى العمل على نحو آخر .
لقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو القائد والمعلم ، ترك الأمر كله للمسلمين فيما يتعلق باختيار خلف له ، وكان أن اهتدوا بهدي الله إلى الطريقة المسلى في اختيار الإمام أو الخليفة .
ويركز نظام الحكم في الإسلام على أساس فكرة الإمامة ، وقد كانت مسألة الإمامة مثار جدل وخلاف شديدين بين المسلمين ، ولكن حاصل ما انتهى إليه رأي المجتهدين ( عدا الشيعة ) أن ثبوت الإمامة ( الخلافة ) يكون بالاتفاق والاختيار ، أو بالنص والتعيين
ويقصد بقيام الإمامة على النص ، أن يكون التعيين من عند الله ، وإذا لم يتحقق ذلك ، ولم يقم الدليل على وجود هذا الأسلوب ، فلم يبقى إلا اختيار الإمام بواسطة الأمة .
ومعنى ذلك أن الأمة هي التي تقوم باختيار من يتولى أمورها ، ويتم الاختيار بطريقة البيعة الصحيحة الشرعية .
ويتولى هذه البيعة جماعة من المسلمين ( هم ممثلي الأمة ) يطلق عليهم ( أهل الحل والعقد ) ، ويسميهم ( الماوردي ) في كتابه : ( الأحكام السلطانية ) ، أهل الاختيار .
ويقول الماوردي عن أهل الاختيار ، أن الشروط المعتبرة فيهم ، شروط ثلاثة هي : ـ
أولاً :ـ العدالة الجامعة لشروطها ( الاستقامة ، والأمانة ، والورع ، والتقوى ، والأخلاق الفاضلة .
ثانياً : ـ العلم الذي يتوصل به إلى معرفة مستحق الإمامة ، على الشروط المعتبرة فيها ( والتي اتفق عليها العلماء .
ثالثاً : ـ الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو أصلح للإمامة ، ولتدبير المصالح ( مصالح الأمة ) أقوي وأعرف .
وحاصل الأمر أن السيادة في الدولة الإسلامية تستند إلى إرادة الأمة ، والتي تعمل في نطاق الشريعة الغراء ، وتعتبر السيادة مشروعة ومبررة طالما كانت في نطاقها الشرعي .
والله أعلم
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..