بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالجهاد الاقتصادي من أهم أنواع الاجتهاد في حياة الأمم والشعوب، فبه يتم الاستغناء عن الأعداء، وتكون الأمة مكفولة بذاتها، وهذا يتطلب ألا تكتفي الأمة بالزراعة، والتخطيط الاقتصادي الذي يشترك فيه علماء في تخصصات عديدة، وتوفير المال اللازم للاقتصاد، كما ينبغي العدل في توزيع الثروات .
هذا خلاصة ما قاله الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، وإليك نص كلامه :
من الإعداد المطلوب للجهاد: الإعداد الاقتصادي. وهذا يتطلب جملة أمور أساسية، منها :
1- ألا تكتفي الأمة بالزراعة وحدها ، مغفلة الجوانب الأخرى التي تتطلبها الأمة القوية ، مثل الصناعات المختلفة ، وفي مقدمتها صناعه الحديد ، التي أشار القران إلى أهميته في الحياة العسكرية ، والحياة المدنية ، حين قال تعالى : (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) الحديد :25 فقوله ( فيه بأس شديد ) إشارة إلى الصناعات الحربية ، وقوله ( ومنافع للناس ) إشارة إلى الصناعات المدنية ، والأمة القوية تحتاج إلى كلتيهما.
2- وقد حذرنا الحديث الشريف من الرضا بالزرع والاكتفاء به، في حديث ابن عمر مرفوعا :(إذا تبايعتم بالعيينة ، ورضيتم بالزرع ، وتبعتم أذناب البقر ، وتركتم الجهاد في سبيل الله : سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ).
ومن هنا يجب أن يشترك في التخطيط الاقتصادي خبراء عسكريون ، يشيرون علي الاقتصاديين والماليين بما توجبه الأهداف والضرورات والخطط العسكرية من متطلبات ، حتى تراعي في الإنتاج ، ولا تفاجأ الأمة عند المعركة بفقدان هذه الضروريات ، التي قد لا تتوافر إلا عند خصومها ، ولن يمكنوها منها بالقطع.
3- توفير المال اللازم للإنفاق علي الجهاد ومتطلباته ، ولهذا فرض الإسلام الجهاد بالمال إلى جوار الجهاد بالنفس ، بل إنه يقدم الجهاد بالمال عادة على الجهاد بالنفس، إذ لا يمكن الجهاد إلا بمال ، فبالمال يصنع السلاح أو يشترى ، وبالمال نعد الخيل قديما ونعد اليوم الدبابات والمجنزرات والسفن والغواصات والطائرات والصواريخ والأسلحة النووية وغيرها .
وبالمال ينفق علي الجيوش والقوات المسلحة ، وعلى أهلهم وذويهم . وبالمال نؤمن الجبهة الداخلية .
وبالمال تؤلف قلوب من يمكن تأليفه من الأعداء ممن يستطيعون استمالته إليهم .
قال تعالى : (انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) التوبة : 41 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) . الصف : 10 – 11 .
وفي الحديث الصحيح:(من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا).
4- توزيع الثروة توزيعا عادلا ، بحيث يأخذ كل ذي حق حقه فيعطى الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ، ويعطى العامل علي قدر جهده وإتقانه ، ويعطى المحتاج علي قدر حاجته ، حتى تتم له كفايته من المأكل والمشرب والملبس والمسكن وكل ما لا بد له منه هو ومن يعوله علي ما يليق بحاله من غير إسراف ولا تقتير.
وعدالة التوزيع ، وتحقيق التكافل المعيشي بين أبناء المجتمع ، وشعورهم بأنهم في مجتمع يصون حقوقهم، ويرعى حرماتهم ، ويكفيهم حاجاتهم ، ويؤمن ذراريهم من بعدهم: تجعل أبناء المجتمع لا يضنون بأرواحهم من أجل الجهاد في سبيل الله ، بخلاف ما إذا كانوا يشعرون بالتظالم الاجتماعي ، وأنهم ينسون ولا ينالهم إلا الفتات ، وأنهم يزرعون ليحصد غيرهم ، ويغرسون ليجني القاعدون ثمرة ما غرست أيديهم : فهؤلاء لا يتحمسون للجهاد ، ويقولون : نحن في همهم مدعوون ، وفي فرحهم منسيون . أو كما قال الشاعر قديما :
وإذا تكون كريهة ادعى لها *** وإذا يحاس الحيس يدعى جندب!
ولا يجوز للحكام والولاة أن يستأثروا بالمال العام ، أو يكون لهم منه نصيب الأسد ، هم وأقاربهم ومحاسبيهم ، مهملين أهل الاستحقاق والحاجة فهم أحق منهم وأولى .
روى البخاري في كتاب الجهاد كيف قدم النبي صلى الله عليه وسلم (أهل الصفة ) على طلب ابنته وقرة عينه وأحب الناس إليه: فاطمة الزهراء، حين سألته فاطمة وشكت إليه الطحن والرحى أن يخدمها من السبي، فوكلها إلى الله.
كما روى كيف قدم عمر بن الخطاب أم سليط من الأنصار على زوجه أم كلثوم بنت علي – رضي الله عنهم – مع ما لها من وشائج القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى البخاري في كتاب(فرض الخمس) من طريق ابن أبى ليلى قال : أخبرنا علي رضي الله عنه : أن فاطمة عليها السلام ، اشتكت ما تلقى من الرحى مما تطحنه ، فبلغها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بسبي ، فأتته تسأله خادما فلم توافقه ، فذكرت لعائشة رضي الله عنها ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك عائشة له، فأتانا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا لنقوم، فقال: علي مكانكما، حتى وجدت برد قدمه على صدري، فقال: ألا أدلكما على خير مما سألتماني؟ إذا أخذتما مضاجعكما فكبرا أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وسبحا ثلاثا وثلاثين، فان ذلك خير لكما مما سألتما).
فدلهما على ذكر الله تعالى والاستعانة به سبحانه، فربما كانت القوة الروحية عوضا عن المطالب المادية.
أخرج البخاري هذا الحديث في باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله والمساكين، وأبناء النبي صلى الله عليه وسلم وأهل الصفة والأرامل، حين سألته فاطمة ـ وشكت إليه الطحن والرحى ـ أن يخدمها من السبي، فوكلها إلى الله. وكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته، وهو ما أخرجه احمد من وجه آخر عن علي في هذه القصة مطولا، وفيه " والله لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم"
وأخرج أبو داود عن أم الحكم بنت الزبير، قالت: أصاب النبي صلى الله عليه وسلم سبيا، فذهبت أنا وأختي فاطمة نسأله، فقال: سبقكما يتامى بدر".
والله أعلم
|