نكتب إليكم من باقة الغربية, قرية ضمن نطاق ما يسمى عرب ال 48 في فلسطين المحتلة.. نسأل الله عز وجل أن تشرق في سمائها الحرية ويعززها بالإسلام... . تعداد السكان في القرية يقارب العشرين ألف نسمة. لدينا بلدية منتخبة وتخضع لنظام الحكم الإسرائيلي. المشكلة أن البلدية المنتخبة قد كثر فيها الفساد وساءت الأحوال بالقرية، فمع اقتراب موعد الانتخابات ارتأينا ترشيح مرشح كفء، ووجدنا ذلك الإنسان المناسب، وهو بالأصل طبيب وهو من رجال التبليغ والدعوة ،وهو رجل نحسبه على خير ولا نزكيه على الله، ولكنه يرفض هذه الفكرة جملة وتفصيلا بحجة عدم خلط الدين بالسياسة فنسألكم أعزكم الله وحفظكم عن رأيكم في هذا الأمر؟ وما هي الحجج الدينية القطعية في ذلك إن وجدت.
السؤال
31/05/2003
التاريخ
الحل
بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
فدين الإسلام هو خاتمة الأديان جميعًا، فيه كلُّ ما يحقق السعادة في كلِّ القطاعات، بما جاء به من عقيدة صحيحة ومن شريعة كاملة وافيه، وقد نَظَّمَ الإسلام علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبأسرته وبمجتمعه، ونظَّم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين الجماعات والدول، وذلك من كل النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والثقافية وغيرها، والقول بأن الدين لا علاقة له بالسياسة بدعة روج لها دعاة العلمانية لإقصاء الإسلام عن منصة الحكم، وقد حذرنا الله من ذلك فقال في سورة المائدة في آيات ثلاث متتاليات (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (فأولئك هم الظالمون) (فأولئك هم الفاسقون) وهذا ما ذهب إليه سماحة المستشار فيصل مولوي –نائب رئيس المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء- وإليك نص الفتوى:
عدم خلط الدين بالسياسة بدعة غربية، بدأها الأوروبيون عندما رفعوا الدعوة إلى العلمانية، ورفضوا بقاء الدولة عندهم خاضعة للدين المسيحي. ثم لما هزم العثمانيون في الحرب العالمية الأولى، ووقعت البلاد الإسلامية تحت الحكم الغربي الاستعماري، انتشرت في بلادنا الدعوة العلمانية، وقامت كثير من الأحزاب الوطنية والقومية والاشتراكية على أساسها. وتأثر كثير من المسلمين بهذه الدعوة.
وإخواننا جماعة الدعوة والتبليغ هم من أصدق العاملين للإسلام في هذا العصر، لكنهم وللأسف الشديد تأثروا بهذه الدعوة، ورفعوا شعار عدم الخلط بين الدين والسياسة. وهو شعار خاطىء يقيناً. وخطؤه واضح للعيان.
فالدين عندنا هو الإسلام وهو يعني تسليم أمورنا كلها لله تعالى، سواء على نطاق الفرد أو الجماعة أو الأمة. وإذا سلمنا بعض أمورنا لله، وسلمنا الباقي لغيره بإرادتنا فذلك نوع من الشرك والعياذ بالله. استمع لقوله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين) فحياة المسلم يجب أن تكون كلها لله، خاضعة لدينه، وإذا كان بعضها لغيره فهو شرك بنص القرآن.
فالسياسة جزء من الدين، ولا يجوز أن تنفصل عنه. وحين تنفصل معنى ذلك أن المسلم يخضع لحكم غير إسلامي يحل الحرام ويحرم الحلال وينشر الفساد، فهل يجوز له أن يقول أنا لا أتدخل في ذلك حتى لا أخلط الدين بالسياسة. وإذاً فأين هي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟وأين فريضة الحكم بما أنزل الله؟ وإذا كان المسلم لا يستطيع إزالة المنكر بسبب ظرف ضاغط، فإن هذا لا يسقط عنه واجب إنكاره باللسان، وحتى لو لم يستطع الإنكار باللسان فيجب عليه الإنكار بالقلب على الأقل أي أن لا يعتقد بجواز فصل الدين عن السياسة، لأنه (ليس وراء ذلك مثقال حبة من خردل من إيمان) كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن الواجب أن نشير إلى أن المجالس البلدية لا شأن لها بالسياسة أصلاً. فهذا شأن المجالس النيابية، أما المجالس البلدية فهي التي تقوم على خدمة المدينة وأهلها، وكل أعمالها واختصاصاتها غير سياسية، لذلك فإنه حتى لو وافقنا على عدم الاشتغال بالسياسة كما يدعو إخواننا جماعة الدعوة والتبليغ، فإن رئاسة البلدية ليست عملاً سياسياً، بل هي عمل خدماتي. وهو من أهم واجبات الدعاة تجاه مجتمعهم الإسلامي. لذلك فإني أتمنى أن تبلغوا الأخ الكريم مناشدتي إياه أن يقبل دعوة إخوانه لحمل هذه المسؤولية، فهي في جميع الأحوال لا علاقة لها بالسياسة، وأنا أعلم يقيناً أن مبادىء جماعة الدعوة والتبليغ لا تسمح له بالتهرب من هذه المسؤولية إذا طلبت منه. واذكره بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة" والسير في حاجات المسلمين من أعظم القربات عند الله تعالى.
والله أعلم.
وللمزيد طالع لفضيلة الدكتور القرضاوي وفضيلة الشيخ عطية صقر ما يلي:
السياسة وعلاقتها بالدين الرد على من أنكر كون السياسة جزءا من الدين
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..