ما حكم التعاون مع الشركات الأمريكية لإعمار العراق بالنسبة لكل من: أصحاب الشركات الوطنية والتي تقوم بأعمال المقاولات المختلفة (الطرق- الكباري – الوحدات السكنية) فهل يجوز لأصحاب هذه الشركات أن يكونوا شركاء للشركات الأمريكية الكبرى من أجل المساهمة في إعمار العراق، وما حكم العامل الذي يجول في الأرض بحثا عن الرزق كما هو شأن الكثيرين على أرض العراق فهل يجوز لهم أن يكونوا أجراء عند الشركات التي تقوم بأعمال البناء ونحوها أيا كان أصحاب هذه الشركات حتى وإن كانت شركات أمريكية أو بريطانية؟ وهل الأجر الذي يتقاضاه العامل في هذه الحالة حلال أم حرام؟
نسأل الله تعالى أن يجعل الحق في قلوبكم وأن يجريه على ألسنتكم وأقلامكم.. وجزاكم الله عنا خير الجزاء..
السؤال
20/09/2005
التاريخ
مجموعة من المفتين
المفتي
الحل
بسم الله، والحمد لله، والصلاةوالسلام على رسول الله، وبعد..
فالمساهمة في إعمار العراق لتعود الحياة لما كانت عليه أمرواجب، ولا تتعارض مع نص شرعي، ولا مع أصل من أصول الدين، المهم أن لا تعطي هذهالمساهمة صبغة أو صفة الشرعية على هذا الاحتلال الغاشم، ومن ثم فما يتقاضاه العاملبسبب عمله كسب طيب، ولكن بشرط ألا يرضى العامل بالدنية في دينه، وألا يقدم على فعلشيء فيه معصية لله تعالى، وهذا ما أفتى به العلماء ونسوق إليك تفصيل ما أفتوا به:
يقول فضيلةالدكتور أمير عبد العزيز أستاذ الشريعة بجامعة النجاح الوطنية بفلسطين:
المسلمون أمة واحدة متحدة يقضهاويؤلمها ما يحيق بأحدهم من أسى أو ضنك أو بلاء وفي الحديث: (المسلمون كرجل واحد إذااشتكى رأسه اشتكى كله وإذا اشتكى عينه اشتكى كله) رواه مسلم، وعلى هذا فأمة الإسلامفي كل مناحي الدنيا مدعوة لمناصرة الأهل في العراق في هذه الظروف العصيبة فتبذل لهمالمعونات بكل صورها وأشكالها سواء بالعطاء المجاني أو التعامل من خلال الشركات،وذلك في حق المسلمين واجب إذا ما دهمت العراقيين المهالك كالجوع أو المرض وغير ذلكمن وجوه المحن والمصائب ولا يهم المسلمين بعد ذلك إذا ما توافق هذا البذل مع بذلالمعونات والشركات الأمريكية للعراقيين وإنما يحاسب المرء تبعا لقصده ونيته وفيالحديث الشريف ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ).
فالقصد هو إغاثة الأهل في العراقودفع الأذى والشر والمآسي عنهم أما إن كان العراقيون غير محتاجين لمثل هذهالمعونات، وليس في بذلها لهم مع المحتلين إلا إشاعة الدعاية وحسن السمعة للأمريكانفي العالم فضلا عن تحقيق المقاصد الاقتصادية لهم، فليس من حاجة أو مدعاة لمثل هذاالتعاون مع الأمريكان وهم الغزاة الطغاة المحتلون. ويقول فضيلةالشيخ جعفر الطلحاوي – من علماء الأزهر -:
أولا: بالنسبة للشركات الوطنية:
أهل البلد أحق من يقوم على إعماربلادهم، فالمساهمة في تعمير ما تم تخريبه وصيانة ما تم إفساده وإتلافه، من الواجباتالشرعية الضرورية، للقاعدة: "من أفسد منا شيئا فعليه إصلاحه"، وأيا ما كان الغطاءأو اللافتة التي ستوضع فوق هذا العمل، فلا ضرر من ذلك ما دامت لا تتعارض مع نصشرعي، ولا مع أصل من أصول الدين، المهم أن لا تعطي هذه المساهمة بالإعمار صبغة أوصفة الشرعية على هذا الاحتلال الغاشم، الذي نجأر إلى الله تعالى أن يندحر، وأن يردالله تعالى سهام هؤلاء المعتدين إلى نحورهم، ولعلك تكون أحرص من غيرك على إتقان هذاالعمل وتجويده، لإخوانك العراقيين، لأمانتك وصدقك وأنت على هذا تكون أولى من غيركبهذه المواصفات، وفي القرآن الكريم ما يشير إلى هذا الجواز من قول الصديق عليهالسلام: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) يوسف: 55.
ثانيا: بالنسبة للعامل: أ- بالنسبة للعمل لدى الشركات "أمريكية أو بريطانية ": أولا:لا بأس بالضرب في الأرض سعيا على الرزق وتحصيلا للقمةالعيش لقوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة)النساء:
ثانيا:لهؤلاء الذين يسافرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله خفف الله تعالى من وقت قيام الليلكما هو واضح في آية المزمل قال تعالى: (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلث الليلونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لم تحصوه فتابعليكم فاقرأوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرضيبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرأوا ما تيسر منه)20.
ثالثا:من العقود المشروعة ليتبادلالناس فيما بينهم الأعيان ومنافعها عقد الإجارة أو عقود الإجارة وكذا الصناعةوغيرها.
يستوي في إباحة هذهالعقود جميع الناس على اختلاف أديانهم وأجناسهم، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليهوسلم قد استأجر غير مسلم لليلة الهجرة على منفعة خبرته بالطريق، ثم إن النبي صلىالله عليه وسلم، استأجر أدرعا من صفوان بن أمية ولم يكن قد أسلم بعد وذلك في غزوةحنين، حتى سأل صفوان النبي صلى الله عليه وسلم: "أغصبا يا محمد؟ قال عليه السلام: "بل عارية مضمونة أو مؤداه ".
رابعا:شريطة ألا تكون هذه العقود التي يبرمها المسلم مع غيرالمسلمين (هذه الشركات الواردة في السؤال) ألا تكون عقود إذعان وألا يكون ذلك علىحساب دينه و عقيدته، إذ لا يقيم على ضيم يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتد. والمعنى من كله أن المسلم إذا شارك في أعمال الإعمار فلا يعطيالدنية في دينه.
ب-أما بالنسبةللأجر الذي يأخذه العامل الذي يقوم بما يطلب منه من عمل في هذه الشركات التي تقومبإعمار ما تدمر وتشييد بنيان ما تهدم فلا بأس شرعا بتقاضيه لأجرة عمله الذي قام به.
ويقول فضيلة الدكتور ناصر الدين الشاعر -عميد كلية الشريعة فيجامعة النجاح الوطنية بفلسطين-: لا أرى مانعا في الأمرين اللذين وردا في سؤال السائل منالناحية الشرعية إلا إذا كان هناك أمور احترازية، من باب السياسة الشرعية والمصالحوهي أمور يقررها العارفون بالأمر في البلد ذاته لتحديد أين تكمن المصلحة.
وأما من الناحية الشرعية المجردةفلا أجد محظورا شرعيا، خاصة ما يتعلق بالعامل الذي قد لا يجد مصدرا للرزق وللنفقةعلى عياله إلا من خلال باب العمل بأجر في هذه المؤسسات.
والله أعلم.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..