نرى في واقعنا المعاصر عبر الفضائيات، أن من يقع في الأسر لا قيمة له، فيضرب ويهان وسمعنا وقرأنا عن حقوق الأسير خاصة في موقعكم المفضل، وأريد أن أعرف الآن موقف الشريعة والقانون من جرحى الحرب فهل نتخلص منهم بقتلهم أم يعالجوا، أم ماذا نفعل بهم ؟ وجزاكم الله خيرا
السؤال
10/05/2003
التاريخ
الحل
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فقد ذكر العلماء أن الشريعة الإسلامية تهتم اهتماما بالغا بجرحى الحروب، فأمرت بالإحسان إليهم، ومداواتهم، وحضت على إطعامهم، وهنا تظهر ميزة الشريعة الإسلامية على مر العصور في مراعاتها للجانب الإنساني، وجاءت القوانين والاتفاقيات الدولية بمثل ما جاءت به الشريعة الإسلامية.
يقول الأستاذ الدكتور أحمد يوسف سليمان أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة:
إن جريح الأعداء الذي يقع في أيدي المسلمين يأخذ حكم الأسير، وأمره يكون للإمام يرى فيه رأيه، إما الحرية أو المفاداة بمال أو تبادل الأسرى أو القتل، وهذا لا يحدث أبدا إلاّ في حالات ضرورية بالغة الأهمية.
ولا يجوز بحال قتله باجتهاد الأفراد، فإما أن يرى فيه الإمام رأيه، وإما أن يترك، والأولى أن يتعاون الجنود وينقلوه ليعالج، أو يترك إن تعذر ذلك ولا يقتل.
ويقول الأستاذ الدكتور يوسف قاسم أستاذ الشريعة بكلية الحقوق جامعة القاهرة:
لا يجوز قتل جريح الحرب أبدا لوجود النهي عن قتل الجرحى، ومن باب الإنسانية أيضا لا يصح، بل لابد من تقديم العلاج له، وقد امتدح الله تعالى من يطعم الأسير قال تعالى:" وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً" الإنسان 8
وفي حالة عدم استطاعة نقله، وخشية أن يعالج ويكون حربا مرة أخرى على الإسلام، فالأولى تركه إلاّ إن رأى الإمام أمرا آخر يحقق مصلحة المسلمين، ولكن لا يجوز بحال أن يقتله الأفراد.
ويقول الأستاذ الدكتور أنور دبور أستاذ الشريعة بكلية الحقوق جامعة القاهرة:
من تعاليم الشريعة الإسلامية ألاّ يزفف على الجريح، بمعنى ألاّ يجهز عليه ولا يقتل، ولكن يعالج ، أو يترك إذا لم يوجد علاج.
وعلى الإمام أن ينظر مصلحة المسلمين، والامتثال للقواعد الدولية المتفقة مع الشريعة الإسلامية يضبط كثيرا من الأمور، ولا يجوز للأفراد أن يقرروا فيه رأيهم، فهذا الأمر موكول للحاكم.
ويقول الأستاذ الدكتور أحمد أبو الوفا أستاذ القانون الدولي بحقوق القاهرة:
بالنسبة لموقف الشريعة الإسلامية من جرحى الحروب فقد انتظمته عدة مبادئ أهمها ما يلي :
مبدأ مراعاة القواعد الإنسانية في معاملة الأعداء:-
يتمثل سبب وجود قواعد القانون الدولي الإنساني (المطبقة أثناء النزاعات المسلحة) أساسًا في حماية كل الأنفس البشرية المندمجة، بطريقة أو بأخرى، فيها أو الذين يعتبرون ضحية لها، وتجنيبهم أوجه المعاناة غير الضرورية، هذا هو أيضًا ما قرره الإمام علي رضي الله عنه، إذ يقول:
".. فإذا كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مدبرًا، ولا تصيبوا معورًا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تهيجوا النساء بأذى، وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم، فإنهن ضعيفات القوى والأنفس والعقول؛ إن كنا لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالقهر والهراوة، فيعير بها وعقبه من بعده" كذلك تجد قواعد القانون الدولي الإنساني في الإسلام أساسها المكين في طبيعة إرسال النبي صلى الله عليه وسلم وهي: الرحمة يؤيد ذلك قوله تعالى: (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: 159)، وقوله تعالى:(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 128)، وقوله تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107).
أمثلة تبين رحمة الإسلام بالأعداء في الحروب:
فالإسلام لا يتبنى أبدًا قاعدة "ويل للمغلوب" التي طبقتها كثير من الدول والأمم، بل يقرر الإسلام قاعدة عكسية هي " رحمة وعفو عن المغلوب" وهكذا حينما انتصر الرسول صلى الله عليه وسلم على قريش قال لهم: ما تظنون أني فاعل بكم، قالوا: أخ كريم ابن أخ كريم، قال: أقول لكم ما قال أخي يوسف لأخوته، لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، إذهبوا فأنتم الطلقاء، كذلك يقول الرسول الكريم: " أنا نبي المرحمة وأنا نبي الملحمة" فالمرحمة والملحمة مرتبطان ارتباطًا وثيقًا.
من ذلك ما حدث من ثمامة (أحد أشراف بني حنيفة) الذي صمم على منع تموين مكة بالحبوب التي تنتجها بلاده (اليمامة) ما لم ينهه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك نهيًأ صريحًا، فلما عاني أهل مكة ما عانوا من بأس هذا الحصار اتجهوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برسالة قالوا فيها: "إنك تأمر بصلة الرحم ولكنك قطعت أرحامنا فقتلت الآباء وجوعت الأبناء" فبعث النبي صلى الله عليه وسلم على الفور إلى ثمامة يأمره، برفع هذا الحظر وبأن يدع أهل مكة يتمتعون بهذه الموارد اللازمة لصيانة حياة الإنسان.
بل إن صلاح الدين الأيوبي حينما وقع في يده عدد ضخم من الأسرى ولم يملك إطعامهم لم يتردد لحظة في إطلاق سراحهم، ولم يأذن بالحل الآخر والمتمثل في تمويتهم جوعًا، وذلك على الرغم من أنه كان يعلم احتمال انقلابهم عليه بعد ذلك ويقاتلوه، وقد كان.
كل ذلك يدل على إنسانية الإسلام حتى أثناء وبعد النزاعات المسلحة، وهو أمر لم يراعه أعداؤه معه.
موقف القانون الدولي من جرحى الحروب:
وجدت في القانون الدولي العديد من الاتفاقيات والقواعد القانونية التي تضمن عدم المساس بالجرحى، وعدت الإجهاز عليهم من جرائم الحرب المعاقب عليها، كما اقتضت هذه الاتفاقيات كمعالجة المرضى، وضمان تحسين حالتهم.
ومن أهم تلك القواعد التي تم تقنينها في بعض الاتفاقات الدولية: اتفاقات جنيف الأربعة لعام 1949م، وهي: اتفاقية تحسين حال الجرحى والمرضى من أفراد القوات المسلحة في الميدان، واتفاقية تحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى من أفراد القوات المسلحة في البحار، واتفاقية معاملة أسرى الحرب، واتفاقية حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب، وفي عام 1977 اعتمد مؤتمر القانون الدولي الإنساني ملحقين للاتفاقيات المذكورة، وهما: الملحق رقم (1) الخاص بالمنازعات الدولية والملحق رقم 2 الخاص بالمنازعات الداخلية التي تدور فوق إقليم إحدى الدول بين قواتها المسلحة وقوات مسلحة منشقة أو جماعات نظامية مسلحة أخرى.
ومن قواعد القانون الدولي أيضا: أنه لا يجوز للمرضى أو الجرحى أو غيرهم من المستفيدين من قواعد القانون الدولي الإنساني، بأي حال من الأحوال التنازل عن بعض أو كل الحقوق الممنوحة لهم بمقتضى هذه القواعد (م7 من اتفاقية جنيف الأولى) والغرض من ذلك، على ما يبدو، هو جعل هذه القواعد ذات تطبيق عام، وكذلك سد الذرائع أمام الدول المتحاربة لتبرير عدم تطبيقها، بدعوى وجود تنازلات تحصل عليها في الغالب، تحت تأثير القهر أو الإكراه.
ومن الضمانات المقررة في هذا الأمر دوليا وجود جهات محايدة للإشراف على هذا الأمر مثل جمعية الهلال الأحمر أو الصليب الأحمر: يكون مراعاة قواعد القانون الدولي الإنساني بواسطة أطراف النزاع أنفسهم، باعتبار أن الأمر يهمهم بالدرجة الأولى، ويمكن قيام بعض الجهات المحايدة (كجمعية الهلال الأحمر أو الصليب الأحمر) ببعض الجهود الإنسانية بقصد حماية وإغاثة المرضى والجرحى والأسرى، بل يجرى العمل أيضًا على إمكانية قيام دولة ثالثة (يطلق عليها اسم الدولة أو السلطة الحامية) بتأمين تطبيق هذه القواعد لحماية مصالح أطراف النزاع، وتلتزم الدول الأطراف في الاتفاقيات المقننة لقواعد القانون الدولي الإنساني، بوضع أي تشريع داخلي لازم لفرض عقوبات فعالة على الأشخاص الذين يقترفون إحدى المخالفات الخطيرة لهذه القواعد (كالقتل العمد أو التعذيب أو المعاملة غير الإنسانية أو الأعمال التي تسبب آلامًا شديدة أو إصابات خطيرة للجسم أو الصحة... الخ).
ومن المقرر أيضا دوليا : أن قواعد القانون الدولي الإنساني تسري حتى عند عدم الارتباط بها بالتطبيق لنص اتفاقي.
والله أعلم.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..