English

 
           

 

ابحث

بحث متقدم

شرعي

آخر تحديث:06:32 GMT, Tuesday, Dec. 01, 2009

بنك الفتاوى » شرعي
 
اطبع أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد
محمود الاسم
مفهوم الجهاد: تأصيل وترشيدالعنوان
نعرف أن الجهاد فريضة ماضية إلى يوم القيامة، كما نعرف أن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت مليئة بالجهاد، وكثير من شباب المسلمين يتوق إلى الجهاد، ويرجو أن يلقى الله شهيدا، لكن الذي التبس علينا هو ميدان الجهاد، ففي أي الميادين نجاهد، ومن نقاتل ونعادي، ومن نسالم ونهادن؟ أم أن عصر الجهاد مضى وانقضى كما نسمع من بعض من استولى الوهن على قلبه؟ السؤال
12/02/2007التاريخ
العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاويالمفتي
الحل
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:-


الجهاد ذروة سنام الإسلام، وشعيرته الكبرى، فبه تحمي الأمة دينها، وتحفظ كرامتها، وتؤمن الحياة العزيزة لأفرادها، وتسد أبواب الفتنة العاتية على المسلمين.


وقد تعددت نظرة المسلمين اليوم للجهاد إلى ثلاثة مواقف طرفان ووسط، فطرف يريد أن يميت هذه الفريضة، ويمحو آثارها، ويستئصلها من ذاكرة الأمة، وطرف يريد حرب غير المسلمين كافة من سالم منهم، ومن حارب، ومن كان عنده بقية من كتاب، ومن ليس عنده ذلك.


وأما الموقف الوسط الذي دعا إليه فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي فهو الذي يدعو إلى الجهاد لرد عادية المعتدين، ولوأد فتنة من يريد فتنة المسلمين، أما غير هؤلاء ممن ليس بيننا وبينهم حدود ولا سدود من غير المسلمين فليكن جهادهم باللسان لا بالسنان ، وبالحجة والبيان.


يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:-


إن موضوع (الجهاد في الإسلام) من أعظم الموضوعات خطرا وأبعدها أثرا، مما له من قيمة وأهمية في الحفاظ على هوية الأمة، والدفاع عن كيانها المادي والمعنوي، وعن رسالتها التي هي مبرر وجودها وبقائها.

وبغير الجهاد يصبح حماها مستباحا، ودم أبنائها رخيصا رخص التراب، وتغدو مقدساتها أهون من حفنة رمل في صحراء، وتهون الأمة عند أعدائها فيتجرأ عليها الجبان، ويتعزز عليها الذليل، وتغزى الأمة في عقر دارها، ويتحكم أعداؤها في رقابها، فقد نزع الله من صدور عدوها المهابة منها، بعد أن كانت تنصر بالرعب على أعدائها مسيرة شهر.

وأخطر من ذلك ـ أو قل: من أسبابه ـ أن الأمة أغفلت الجهاد، بل ربما أسقطت الجهاد من حسابها من برنامجها: أسقطته ماديا، وأسقطته نفسيا، وأسقطته فكريا وثقافيا. فالأمة يجب أن تعد نفسها للجهاد عسكريا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وأخلاقيا، وإن لم تقم بذلك تداعت الأمم من كل أفق على الأمة، كما تداعى الأكلة على قصعتها. كما نبأنا الحديث الشريف، الذي نبهنا على مؤامرة دولية على المسلمين، رغم كثرتهم العددية، ولكنهم للأسف: كمٌّ بلا كيف، كما صورهم الحديث النبوي فأحسن التصوير، حين سأل الصحابة متعجبين من هذا التآمر العالمي على الأمة، فقالوا: "أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن" قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت" رواه أحمد وأبو داود.


إن سبب وهن الأمة وضعفها: سبب نفسي وأخلاقي في الأساس، هو: حب الدنيا وكراهية الموت، وإنما ينتصر الإسلام بقوم شروا الحياة الدنيا بالآخرة، وآثروا ما عند الله على ما عندهم، وآمنوا بأن الموت في سبيل الله هو عين الحياة، فبذلوا أنفسهم رخيصة في سبيل الله، وهم الذين كان خالد بن الوليد يهدد بهم طغاة الفرس والروم، إذ يقول: "وإلا غزوتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة".


وقد رأينا في الجهاد ثلاثة مواقف أو ثلاث فئات:


الفئة التي تريد إماتة الجهاد:


1
ـ فئة تريد أن تهيل التراب على الجهاد، وأن تسقطه من حياة الأمة، وأن تجعل أكبر همها ومبلغ علمها: أن تربي الأمة على المعاني الربانية، والقيم الروحية، والفضائل السلوكية، وتعتبر هذا هو (الجهاد الأكبر): جهاد النفس والشيطان.

ومن الغريب أن يتفق في هذا الاتجاه: دعاة التصوف السلبي الموروث من عهود التراجع والتخلف على خلاف التصوف السني الإيجابي الذين ساهموا في الجهاد بنصيب وافر، مثل الأمير عبد القادر في الجزائر، وعمر المختار في ليبيا والسنوسيين.. ودعاة العلمانية الدخيلة، المتغربون، الذين يريدون أن يجردوا الأمة من أسلحتها، لتبقى عارية مكشوفة أمام أعدائها، فهاجموا فكرة الجهاد، وحركة الجهاد، قديما وحديثا، واتهموا الجهاد الإسلامي بالعدوانية.


ولقد صنع الاستعمار البريطاني نحلة في الهند كان أشهر ما قدمته هو (إلغاء الجهاد) لإخلاء الطريق للاستعمار، ليفرض سلطانه دون مقاومة.

ومن المؤسف حقا: أن يوجد من علماء الشرع ودعاته: من يريد أن يدين كل أنواع الجهاد المعاصر:

صالحها وطالحها، مستقيمها ومنحرفها، معتدلها ومتجاوزها، في حين يبرر لطواغيت الحكام كل ما تقترفه أيديهم من تعطيل للشريعة، وإفساد للأخلاق، وارتكاب للمظالم، فكم من دماء سفكت، وكم من أعراض هتكت، وكم من حرمات انتهكت، وكم من حقوق ضيعت، وكم من حرمات أهدرت، وكم من أناس اختطفوا من منازلهم لا يدرى أهم أحياء أم أموات، وكم …. وكم… وهذا كله حلال مبرر. أما المؤثّم والمجرم والمحرم، فهو ما تقوم به الشعوب المقهورة، والجماعات المهضومة من تنفيس دفاعي، قد يتجاوز بعضهم فيه، ولكن ربما كان لهم من العذر ما ليس لظالميهم من العادين لدينهم، الماكرين بملتهم، من الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد.


الفئة التي تعلن الحرب على العالم كله:

2ـ وفي مقابل هذه الفئة: فئة فهمت الجهاد على أنه (قتال العالم كله) من حارب المسلمين أو وقف في سبيل دعوتهم، أو فتن المسلمين في دينهم، ومن جنح للسلم ومد يد المسالمة بالمصالحة للمسلمين، وألقى إليهم السلم. فكل الكفار سواء في وجوب مقاتلتهم إذا كانوا قادرين، فالكفر وحده كاف لقتال غيرنا.

وكل ما ورد من آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، تدعو إلى المسالمة لمن سالمنا أو البر والإقساط إلى من لم يقاتلنا في الدين ولم يخرجنا، أو يظاهر على إخراجنا، ونحو ذلك: فكلها كانت آيات مرحلية، انتهى مفعولها، وأمست موجودة في المصحف خطا، معدومة معنى. فقد نسختها كلها ـ وهي نحو مائة وأربعين وآية أو أكثر ـ آية واحدة سموها (آية السيف(!

والعجب كل العجب أن آية السيف هذه قد اختلفوا في تعيينها.


هؤلاء لا يرتضون ميثاق الأمم المتحدة لأنه يمنع الأمة من الجهاد، ويفرض عليها احترام الحدود الإقليمية للدول ذات السيادة، ويوجب حل النزاعات الإقليمية بالوسائل السلمية.

كما يرفض هؤلاء الاتفاقية الدولية للتعامل مع الأسرى، إذ يرون أن لهم حق قتل الأسرى بلا قيد ولا شرط.

كما يرفضون اتفاق العالم كله على (إلغاء الرق) ويرون في هذا تحريم ما أحل الله، وإبطال ما شرع الله!

ويرى هؤلاء: أن الإسلام إنما انتشر في العالم بالسيف والجهاد، وأن الذين يزعمون أن الإسلام انتشر بالحجة والإقناع وأخلاق المسلمين، لا بالسيف والسنان، مثل المؤرخ البريطاني (توماس أرنولد) في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) هؤلاء مضللون، يريدون أن يبعدوا المسلمين عن الجهاد، والذين يمدحون مثل هؤلاء المستشرق من المسلمين، إنما هم جهلة بحقيقة الإسلام، وبضاعتهم مزجاة في علومه، وهم تلاميذ للاستشراق الخبيث!

وقد كان لهذا الفكر آثار سيئة، في أنفس من آمن به من الشباب المخلصين في نيتهم، فحملوا السلاح على قومهم وأهليهم، وقاتلوهم وقتلوا منهم، فقد أدخلوهم في زمرة الكفار الذين يجب قتالهم، لأنهم ارتدوا عن الإسلام، وباتوا يوزعون تهمة التكفير على كل من يخالفهم من الناس، ولم يبالوا بمن قتلوا من البرآء في سبيل ذلك حتى ألصقوا بالإسلام تهمة )العنف).


وزاد على ذلك بعضهم فقتلوا من ليس لهم بهم علاقة، ولا لهم معهم مشكلة، مثل السياح وركاب الطائرات والرهائن وأمثالهم، ليرهبوا غيرهم بقتلهم، أو اختطافهم واحتجازهم، وبذلك ألصقوا بالإسلام تهمة أخرى ـ إلى جانب تهمة العنف ـ وهي تهمة (الإرهاب(.


فقه التوسط والاعتدال:-

3ـ والفئة الثالثة، هي (الأمة الوسط) التي هداها الله إلى الموقف الوسط، وآتاها العلم والحكمة، ورزقها البصيرة في فقه الشرع، وفقه الواقع، فلم تقع في تفريط الفئة الأولى التي تريد للأمة أن يبقى حقها بلا قوة، ومصحفها بلا سيف، وأن تبقى دارها بلا حراس، وحرماتها بلا حماة.

كما لم تقع في إفراط الفئة الثانية وغلوها، التي تريد أن تقاتل المسالمين، وتشن الغارة على الناس أجمعين، وتعلن الحرب على الأحمر والأسود، والشرق والغرب، بدعوى أنها تسوق الناس إلى الله، وتأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم، وتزيل الحواجز المادية التي تضعها السلطات الطاغية أمامهم، فلا يتاح لهم تبليغهم كلمة الله، ودعوة رسوله، ليسمعوها عالية صريحة، خالية من كل شوب.

وهذا كان صحيحا في الزمن الماضي حيث كان كسرى وقيصر وأمثالهم يقفون عقبة في سبيل شعوبهم وأممهم، فلا يمكن إيصال الدعوة إليهم إلا بالانتصار عليهم، وهذا ما فعل الصحابة ومن تبعهم بإحسان.

أما اليوم فلم تعد في حاجة إلى ذلك، وقد أتاحت لنا وسائل العصر: أن نبلغ العالم كله دعوتنا، وأن نسمعهم كلمتنا، دون أن يستطيع حاكم منعنا من ذلك. فعندنا القنوات الفضائية التي تملأ الآفاق، والإذاعات الموجهة التي تنقل موجاتها إلى أقصى العالم، وشبكة الإنترنت التي تدخل كل بيت دون إذن من أحد، والرسائل والنشرات المكتوبة بلغات العالم، كل هذه الأدوات والآليات هي أسلحتنا القوية والمؤثرة في جهاد العصر، وهي تحتاج إلى جيوش جرارة من الدعاة والمعلمين والإعلاميين المدربين الأكفاء الأقوياء الأمناء المقتدرين على مخاطبة العالم بلسان عصره، وبأساليب عصره، ليبينوا لهم، ويفهموهم ويؤثروا في عقولهم وعواطفهم.

وهذا ـ للأسف الشديد ـ ما لا نملك عشر معشاره، بل ولا واحدا على الألف من المطلوب في هذا الميدان الخطير.


والله أعلم .

 

جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..

 

 

تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث