بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
فإن كانت أركان الإسلام خمسة ، لكنه لا ينحصر على هذه الخمسة ، فهي أعمدته التي يقوم عليها، وتتضافر الخمسة مع الأمور الأخرى لتعطي الصورة الواضحة للإسلام .
وليس من الصواب أن نسأل لماذا كانت أركان الإسلام خمسة ،ولكن يمكن أن نسأل: لماذا كانت هذه الخمسة بذاتها؟
أما عن حكمتها أن تكون هذه الخمسة هي أركان الإسلام ، لأنها الشعائر الظاهرة على التوحيد والدين، لأنها أمور خالصة لله أولا، وقد يكون فيها من مصالح العباد ما قد يأتي في المرتبة الثانية ، فهي تعبير عن الإيمان بوحدانية الله ، وتوحيده ، وليس فيها نفع للمرء في المقام الأول .
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله :
تُرَى لو كانت أربعة أو ستة أكان السؤال ينتفي؟
لا، والسؤال الدائر يسقط من تلقاء نفسه، مثل: لماذا كان اسم فلان زيدًا ولم يكن عَمرًا؟
إنه سؤال يتسلل إلى ما لا نهاية فلا مَعنَى له.
ومع ذلك فهناك إجابة مقنِعة في هذه القضية قدمها الشيخ الكبير الدكتور عبد الله دراز، تدور على أن هذه العبادات خاصةً هي شارات الإسلام ومعالمه التي تميزه عن غيره، وأن غيرها قد يقوم به يهود أو نصارى أو ماديون، كمكارم الأخلاق مثلاً.
وقد تكون هناك عبادات إسلامية محضة لكنها دون هذه الأركان في الدلالة والقيمة.
وننقل ما قاله الرجل الذكي رحمه الله، فبعد أن تحدث عن الإيمان وأنه عصب الحياة في الدين ومصدر الطاقة الكامنة في أعماله كلها، تساءل عن الصلاة والزكاة والصيام والحج؛ لماذا ذُكرَت دون شُعَب الإسلام الأخرى!
فقال: لأنها أعظم المظاهر وأوضح العناوين على الإيمان بهذا الدين من حيث هو دين سماوي؛ لما فيها من الاستسلام لأمر الله لمجرد أنه أمره دون قصد إلى مصلحة عاجلة من المصالح العامة أو الخاصة، أما ما عداها من الأعمال فليست لها هذه المنزلة في الدلالة على الانتماء إلى الإسلام.
ذلك أن الفروع الدينية منها ما هو باطن لا اطِّلاعَ لنا عليه؛ كالإخلاص والتوكل والرضا ومحبة الخير للغير وسائر ما يبحث عنه علم الأخلاق. وهذا القسم لا يصلح شعارًا ولا علامة ظاهرة للمسلمين فضلاً عن أن يكون أساسًا لشتى العبادات والمعاملات.
أما الأعمال الظاهرة في الشريعة فأنواع:
منها ما يرجع إلى المصالح التي تقتضيها الفطرة؛ كوسائل الحفاظ على الشخص أو النوع ـ من النظافة، والستر، وطلب الرزق، وابتغاء النسل من طريق شريف ـ وكالجهاد دفاعًا عن النفس أو العرض أو الحق كيف كان.
ومنها ما يرجع إلى المصالح التي تدركها العقول وتَهدي إليها التجارب؛ كقوانين المعاملات، وآداب الاجتماع من الصدق والوفاء بالعهد والإقساط في الحكم، وبذل العون للمحتاجين، والدعوة إلى الخير والضرب على أيدي المفسدين.
وهذان النوعان لا يُعَدُّ الاستمساك بهما دليلاً على إسلام صاحبهما، فقد يستمسك بهما من هو على دين باطل ومن لا دين له أصلاً، استجابةً منه لدواعي الفطرة والعقل دون نظر إلى توجيه سماوي.
بقي قسم العبادات، وأعني بها الأمور التعبيرية التي لها رسوم وأوضاع دينية خاصة لا تَهدي إليها الغرائز ولا العقول؛ كالصلاة المحدودة بأوقاتها وأعدادها وهيئاتها، وكالزكاة المحدودة بأنواعها وأنصِبَتِها ومقاديرها ومواقيتها، وكالصيام المحدود بزمانه وكيفيته، وكالحج، والأضاحي، والكفارات، ونظام التوارث، والعقوبات المقدَّرة المعروفة بالحدود، ونحو ذلك من الأمور التي لا حظَّ للاجتهاد في وضعها ولا في تبديلها وتغييرها مهما تغيرت الأحوال والعصور.
فهذه الأمور جديرة بأن تُسمَّى "رموزًا دينية وشعائر إسلامية"؛ لأنها لا يتعاون فيها مع باعث الدين باعثٌ آخر من غرائز النفس ولا هدايات العقول، ولذلك لا يشارك المسلمين فيها أهل دين آخر بصورتها المرسومة في الإسلام. لكن منها ما ليس بواجب قطعيٍّ عينًا كالضحايا.
ومنها ما لم يُقصَد وضعُه ابتداءً، بل عُلِّق على وقوع شيء من المخالفة لتعاليم الدين كالحدود والكفارات.
على أن الحدود ونظام المواريث ـ وإن كانا تَعَبُّديَّين ـ إلا أنهما من الأمور الموضوعة لإقامة مصالح الدنيا بالقصد الأول، وقد يأخذ بهما من ليس على هذا الدين لما فيهما من المناسبة للعقول.
فلم يَبقَ من فروع الدين ما يصلح أن يكون أساسًا لشعائر الدين سوى الأركان الأربعة المذكورة في الحديث ـ مع الشهادتين ـ لأنها شعائر ظاهرةٌ خاصةٌ بهذا الدين وحده، واجبةٌ وجوبًا عينيًّا، مقصودةٌ للشارع قصدًا أوليًّا، موضوعةٌ لإقامة مصالح الدين أولاً وبالذات، ومصالح الدنيا ثانيًا وبالعَرَض.
فلذلك كانت لها الصدارة على سائر الفروع، حتى نُظمَت مع الأصل الذي هو مبدأ الإسلام ـ يعني الشهادتين ـ في سلك واحد وصارت القواعد خمسًا.
وهذا الكلام للعلامة الشيخ دراز من خير ما قيل في شرح بناء الإسلام على خمس.
والله أعلم
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..