فضيلة الشيخ : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: سمعت أنه لا يجوز لمن نوى أن يضحي أن يحلق رأسه قبل أن يضحي أفيدونا بالصواب؟ولكم جزيل الشكر
السؤال
28/12/2006
التاريخ
أ.د حسام الدين بن موسى عفانة - أستاذ الفقه وأصوله - جامعة القدس
المفتي
الحل
بسم الله،والحمد لله ،والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد : اختلف الفقهاء في حلق الشعر، وتقليمالأظافر لمن أراد أن يضحي ، وذلك خلال العشر الأوائل من ذي الحجة، فقيل بالحرمة ،وقيل بالكراهة، و قيل : إن الترك مستحب ، وليس بواجب ، وقيل : لا يكره ، والمسألةمن الأمور الخلافية التي تسع الجميع في الأخذ بأي رأي فيها دون تعصب لرأي على حسابآخر، ويمكن الخروج منها أن الحلق والتقصير والتقليم لمن أراد التضحية خلاف الأولى، و يمكن الجمع بين كثير من الآراء الواردة في المسألة ، والرجل والمرأة في ذلكسواء .
يقول الأستاذ الدكتور حسام الدين عفانة أستاذ الشريعة بفلسطين:
ثبت في الحديث الصحيحعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال :( إذا دخلت العشر،وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً ) رواه مسلم.
وفي رواية أخرى :( من كان له ذِبحيذبحه فإذا أهلَّ هلالُ ذي الحجة فلا يأخذ من شعره وأظفاره شيئاً حتى يضحي ) رواهمسلم . والذِبح بكسر الذال : الذبيحة.
وقد قال بمقتضى هذا الحديث طائفة من أهل العلم فيحرم على منأراد الأضحية أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية وهو قول سعيد بنالمسيب وربيعة الرأي والإمام أحمد وإسحاق وداود وابن حزم الظاهريين وأبي الحسنالعبادي من الشافعية ، واحتجوا بحديث أم سلمة السابق وقد ورد بروايات عند مسلم وهي:
أ. عن أم سلمة أن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال :(إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً ) . قيللسفـيان : فإن بعضهم لا يرفعه . قال : لكني أرفعه.
ب. عن أم سلمة رضي الله عنهاترفعه قال النبي – صلى الله عليه وسلم - :( إذا دخل العشر وعنده أضحية يريد أن يضحيفلا يأخذنَّ شعراً ولا يقلمن ظفراً).
ج. عن أم سلمة رضي الله عنهاأن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال :( إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أنيضحي فليمسك عن شعره وأظفاره).
د. عن أم سلمة رضي الله عنهاقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :( من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذيالحجة فلا يأخذنَّ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي).
ووجهالاستشهاد به أن فيه نهيا عن أخذ الشعر والأظفار ، ومقتضى النهي التحريمكما قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في المغني 9/437.
واحتجوا أيضاً بما رواه ابن حزمبإسناده أن يحيى بن يعمر كان يفتي بخراسان أن الرجل إذا اشترى أضحية ودخل العشر أنيكف عن شعره وأظفاره حتى يضحي.
قال سعيد قال قتادة : فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال : نعم .فقلت : عمن يا أبا محمد ؟ قال عن أصحاب رسول الله.
وقد حمل طائفة من أهل العلم النهي الوارد في حديث أم سلمة علىكراهة التنزيه فقط وأيدوا قولهم بما ثبت من حديث عائشة رضيالله عنها قالت :( لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم - فيبعثهديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حلَّ للرجال من أهله حتى يرجع الناس ) متفق عليه.
قالالماوردي : "فكان هدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وضحاياه ، لأنهكان بالمدينة وأنفذها مع أبي بكر – رضي الله عنه - سنة تسع ، وحكمها أغلظ لسوقهاإلى الحرم ، فلما لم يحـرم على نفسه شيئاً كـان غيره أولى إذا ضحى في غـير الحـرم "الـحاوي الكبير 15/74.
والذي يغلبعلى ظني ـ بعد طولِ تأملٍ وتفكرٍ ـ رجحان القول الأول لقوة أدلته ويظهر ذلك فيمايلي:
أولاً: إن حديث أم سلمة خاص ، وحديـث عائشة عام ،والخاص مقدم على العام. قال الشيخابن قدامة :" وحديثهم عام وهذا خاص يجب تقديمه بتنزيل العام على ما عدا ما تناولهالحديث الخاص " المغني 9/437.
وقال الشوكاني :" ولا يخفى أن حديث الباب – أي حديث أم سلمة –أخص منه – أي من حديث عائشة - مطلقاً فيبنى العام على الخاص ويكون الظاهر مع من قالبالتحريم ولكن على من أراد الأضحية " نيل الأوطار 5/128.
ثانياً: يجب حمل حديث عائشة على غير محل النزاع لوجوه منها: أ. أن النبي – صلى الله عليه وسلم - لم يكن ليفعل ما نهى عنه وإن كانمكروهاً ، قال الله تعالى :( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَاأَنْهَاكُمْ عنه ) سورة هود الآية 88.
ب. ولأن أقلَّ أحوال النهيأن يكون مكروهاً ، ولم يكن النبي – صلى الله عليه وسلم - ليفعل المكروه فيتعين حملما فعله في حديث عائشة على غيره.
ج. ولأن عائشة تخبر عن فعله –صلى الله عليه وسلم - ، وأم سلمة تخبر عن قولـه – صلى الله عليه وسلم - ، والقوليقدم على الفعل ، لاحتمال أن يكون فعله خاصاً له.
ثالثاً: إن ما قاله بعض أهلالعلم بأن حديث أم سلمة موقوف ؛ غير صحيح ، بل هو حديث مرفوع ، رفعه جماعة منالمحدثين ، وقد رواه مسلم مرفوعاً من وجوه:
أ. الرواية الأولى في صحيحمسلم بإسناده وفيها حدثنا سفيان … قيل لسفيان : فإن بعضهم لا يرفعه . قال لكنيأرفعه. ب.الرواية الثانية في صحيح مسلم وفيها :( عن أم سلمةترفعه …) . ج.الرواية الثالثة في صحيح مسلم مرفوعة. د.الرواية الخامسة في صحيحمسلم مرفوعة. وأجاب العلامة ابن القيم جواباً مفصلاً عنالادعاء بأن حديث أم سلمة موقوف فقال :"وقد اختلف الناس في هذا الحديث وفي حكمه .فقالت طائفة : لا يصح رفعه وإنما هو موقوف . قال الدارقطني في كتاب العلل : ووقفهعبد الله بن عامر الأسلمي ويحيى القطان وأبو حمزة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد ،ووقفه عقيل على سعيد . ووقفه يزيد بن عبد الله بن قسيط عن سعيد عن أم سلمة : قولهاووقفه عبد الرحمن بن حرملة وقتادة وصالح بن حسان عن سعيد : قولـه . والمحفوظ عنمالك موقوف . قال الدارقطني : والصحيح عندي قول من وقفه.
ونازعه في ذلك آخرون فصححوا رفعه منهممسلم بن الحجاج ورواه في صحيحه مرفوعاً . ومنهم أبو عيسى الترمذي قال : هذا حديثحسن صحيح . ومنهم ابن حبان خرَّجه في صحيحه . ومنهم أبو بكر البيهقي قال : هذا حديثقد ثبت مرفوعاً من أوجه لا يكون مثلها غلطاً ، وأودعه مسلم في كتابه . وصححه غيرهؤلاء وقد رفعه سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد عن أم سلمة عن النبي –صلى الله عليه وسلم - . ورفعه شعبة عن مالك عن عمرو بن مسلم عن سعيد عن أم سلمةعن النبي – صلى الله عليه وسلم - .
ولا مثل هذا اللفظ من ألفاظ الصحابة بل هو المعتاد من خطابالنبي – صلى الله عليه وسلم - في قولـه ( لا يؤمن أحدكم ) ( أيعجز أحدكم ) ( أيحبأحدكم ) ( إذا أتى أحدكم الغائط ) ( إذا جاء أحدكم خادمه بطعام ) ونحو ذلك ] شرحابن القيم على سنن أبي داود 7/346.
وقال صاحب تحفة الأحوذي بعد أن ذكر الطرق المرفوعة لحديث أمسلمة :" وهذه الطرق المرفوعة كلها صحيحة ، فكيف يصح القول بأن حديث أم سلمةالموقـوف هو أصل الحديث " تحفة الأحوذي 5/100 .
وقد بيَّن الشيخ الألباني أن هذا الحديث مرفوع ؛ حتىوإن لم يصرح سعيد بن المسيب برفعه فله حكم الرفع لأنه لا يقال بالاجتهاد والرأي.إرواء الغليل 4/378 .
وقال ابن حزم :" ...ثم لو صح القياس لكان هذا منه عين الباطل ، لأنه ليس إذا وجب أن لا يمسالشعر والظفر بالنص الوارد في ذلك ، يجب أن يتجنب النساء والطيب ، كما أنه إذا وجباجتناب الجماع والطيب ،لم يجب بذلك اجتناب مس الشعر والظفر ، فهذا الصائم فرضٌ عليهاجتناب النساء ، ولا يلزمه اجتناب الطيب ، ولا مس الشعر والظفر ، وكذلك المعتكف ،وهذه المعتدة يحرم عليها الجماع والطيب ، ولا يلزمها اجتناب قص الشعر والأظفار .…وهذه فتيا صحت عن الصحابـة رضي الله عنهم ، ولا يعرف فيها مخالفٌ منهم لـهـم "المحلى 6/26.
وقال ابن القيم :"وأسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره لصحته وعدم ما يعارضه … ولهذا كان أحمدوغيره يعمل بكلا الحديثين : هذا في موضعه وهذا في موضعه.
وقد سأل الإمام أحمد أو غيره عبدالرحمن بن مهدي عن هذين الحديثين ؟ فقال : هذا له وجه وهذا له وجه " شرح ابن القيمعلى سنن أبي داود 7/348.
وبعد هذاالعرض أرجو أن يكون ما رجحته هو الراجح ، وقد كنت أميل للقول بالكراهة فقط ، ثمترجح عندي القول بالتحريم.
والحكمة في النهي عن الأخذ من الشعر والأظفار في حق من أرادالأضحية هي ما قاله الإمام النووي :" قال أصحابنا : والحكمة في النهي أن يبقى كاملالأجزاء ليعتق من النار " شرح النووي على صحيح مسلم 5/120.
وإذا لم يلتزم مريد الأضحية بهذاالنهي فأخذ شيئاً من شعره أو أظفاره فإنه يستغفر الله سبحانه وتعالى ولا فدية فيهإجماعاً سواء فعله عمداً أو نسياناً كما قال الشيخ ابن قدامة في المغني 9/437أ.هـ
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..