إذا تم عقد النكاح مستوفيا أركانه وشروطه ولكن لم تزف الزوجة إلى بيت زوجها فهل يحل للعاقد معاشرتها باعتبار أنها زوجته؟ نرجو التوضيح
السؤال
31/03/2006
التاريخ
مجموعة من الباحثين
المفتي
الحل
بسم الله، والحمد لله، والصلاةوالسلام على رسول الله، وبعد .. فلا يجوز للعاقد أن يعاشرزوجته معاشرة الأزواج حتى تزف إلى بيته، فالإشهاد عند الدخول واجب عند المالكية،ومن ثم فتحرم المعاشرة إذا لم يتم الإشهاد، وذلك لنفي التهمة وظن السوء عن الزوجةإذا تم فسخ العقد قبل الدخول، والأخذ بهذا المذهب يؤيده العرف، كما يحتم الأخذ بهفساد الذمم وضعف الدين في النفوس، فما أهون أن ينكر العاقد معاشرته للمعقود عليهادون أن يجد في نفسه أدنى حرج، وفي ذلك من الشر والبلاء والفضيحة التي تلحق بالمعقودعليها وأهلها ما لا يعلمه إلا الله.
جاء في كتابتبصرة الحكام لابن فرحون المالكي: (الإشهاد علىعقد النكاح , ليس بواجب على مذهب مالك رحمه الله , وإنما يجب الإشهاد عند الدخوللنفي التهمة والمظنة عن نفسه , ومعنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا نكاحإلا بولي وصداق وشاهدي عدل } , أي لا يكون وطء النكاح إلا باجتماع هذه الأشياء;لأن النكاح حقيقة إنما يقع على الوطء, وإنما سمي العقد نكاحا لأن النكاح الذي هوالوطء يكون به , فسمي باسم ما قرب منه , ولا يصح أن يحمل الحديث على العقد ; لأنهقد ذكر فيه الصداق , وذلك مما لا يفتقر إليه العقد بإجماع ; لأن القرآن قد جوز نكاحالتفويض) .
ويقول فضيلة الدكتور حسام الدين عفانة - أستاذ الفقهوأصوله بجامعة القدس بفلسطين-: من المعلوم أن عقدالزواج إذا وقع صحيحاً ترتبت عليه آثاره الشرعية، ومنها حل استمتاع كل من الزوجينبالآخر، فهذا الأمر واضح ومعلوم .
ولكن العرف قد جرى بأن المعاشرة الزوجية لا تكون إلا بعدالزفاف لا قبله أي بعد أن ينقل الزوج زوجته إلى بيت الزوجية . لذا فإني أرى تقييد هذا المباح بالعرف حيث إن هذا العرف صحيح،ويحقق مقاصد الشارع الحكيم وبيان ذلك بما يلي : إن العرفقد جرى في بلادنا أن يتم عقد الزواج، ويكتب، وتبقى الزوجة في بيت أبيها مدة منالزمن قد تطول، وقد تقصر، فأحياناً تمكث الزوجة في بيت أبيها سنة، أو أكثر، أو أقل،وفي هذه الحال يتردد الزوج لزيارة زوجته في بيت أبيها، ويسميه الناس خاطباً مع أنهذه التسمية فيها نظر لأنه ليس بخاطب وإنما هو زوج شرعاً، وعندما يتفق الزوجانوأهلهما على الزفاف، ويعين موعد لذلك، وتقام الأفراح، وفي يوم الزواج يحضر الزوج،وأقاربه لأخذ الزوجة من بيت أبيها إلى بيت الزوج، فعندها تتم المعاشرة الزوجيةبينهما، وأما قبل ذلك، فينبغي منع إقامة أي علاقة جنسية بينهما لما قد يترتب علىإقامة العلاقة الزوجية في الفترة التي تسبق الزفاف من مفاسد .
فمثلاً إذا تمت معاشرة بينهما فيتلك الفترة، وحصل الحمل فقد لا يستطيع الزوج إتمام الزفاف لسبب من الأسباب، فعندئذتظهر علامات الحمل على الفتاة، وهذا ينعكس عليها سلباً وعلى زوجها ، وماذا لو قدرالله سبحانه وتعالى وفاة هذا الزوج قبل الزفاف، وكان قد عاشرها، وحملت منه، فلا شكأن مشكلات كثيرة ستقوم، وتؤدي إلى نزاع وخصام ، وهنالك احتمال أن يقع سوء تفاهمبينهما، وقد يصل الأمر إلى الفراق بالطلاق، أو غيره، فحينئذ ستكون الفتاة في موقفصعب جداً .
وكذلك إذا تم الزفاف،وكانت العلاقة الجنسية قد تمت قبله، فقد يطعن الزوج في عفاف زوجته، وهذا يوقعالفتاة وأهلها في مشكلات وحرج . وقد يقول قائل ما دام أنالعقد قد وقع صحيحاً فهي زوجته شرعاً، وقانوناً، فلماذا تحرمون استمتاع كل منهمابالآخر؟ وأقول إنني لا أحرم ما أحل الله سبحانه وتعالى،ولكن نقيد هذا المباح حفظاً لمصالح العباد ودفعاً للمفاسد التي قد تترتب على هذاالفعل، والعرف الصحيح الذي لا يصادم النصوص الشرعية معتبر عند أهل العلم .
قال الإمام القرافي – من فقهاءالمالكية-: [وأما العرف، فمشترك بين المذاهب، ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها.شرح تنقيح الفصول ص 88 . وقال الشيخ ابن عابدين – منفقهاء الحنفية-: (والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار) رسالة " نشرالعرف في بناء بعض الأحكام على العرف "
وقد قامت الأدلة الكثيرة على اعتبار العرف ووضع الفقهاءالقواعد الفقهية في ذلك كما في قولهم : العادة محكمة، والمعروف عرفاً كالمشروطشرطاً، واستعمال الناس حجة يجب العمل بها وغير ذلك .
وسلطان العرف العملي كبير في أحكام الأفعال المعتادةوالمعاملات المختلفة المتعلقة بحقوق الناس أو أحوالهم الشخصية أو القضاء أوالشهادات والعقوبات وغيرها ويعمل بالعرف ما لم يصادم نصاً شرعياً من القرآن، أوالسنة واضح الدلالة قطعيا، أو نصاً تشريعياً كالقياس، ويعتبر ما ثبت بالعرف حينئذثابتاً بالنص اتباعاً للـقاعدة الـشرعية الـثابت بالعرف كالثابت بالنص أو الـثابتبالـعرف ثابت بدليل شرعي .
ومنأوسع مجالات اتباع العرف ما يتعلق بالأسرة مثل عشرة النساء والنفقة عليهن ومن ضمنذلك ما تعارف عليه الناس أن الزوج لا يعاشر زوجته المعاشرة الزوجية إلا بعد الزفاف،وهذا عرف صحيح ينبغي اعتباره، والعمل به فهو لا يصادم النصوص الشرعية بل يؤكد مقاصدالشارع الحكيم .
كما أنه يمكنمنع المعاشرة الزوجية بين الزوجين قبل الزفاف استناداً إلى قاعدة سد الذرائع وهيقاعدة معتبرة عند أهل العلم، فمعلوم كم هي المفاسد التي قد تترتب على إقامة مثل هذهالعلاقات .
وقد صرح بعض الآباءالذين سئلوا عن رأيهم في ذلك لو حصل هذا الأمر مع بناتهم بأن بعضهم سيقتل ابنتهوزوجها لما في ذلك من مس بشرفه وشرف عائلته، وصرح بعضهم بأمور أفظع من ذلك وقد جاءهذا في دراسة واستطلاع لرأي بعض الناس قام به بعض طلبة العلم، وهذا على سبيلالمثال لا على سبيل الحصر من ردود الأفعال التي قد تقع من الآباء والأهل تجاهبناتهم إن حصلت هذه المعاشرة .
ومن المفاسد التي قد تقع، ووقعت فعلاً أنه في إحدى الحالاتالتي تمت فيها المعاشرة قبل الزفاف وحصل الحمل، ولم يتمكن الزوج من إتمام إجراءاتالزفاف أقدم على إجهاض زوجته، وأدى ذلك إلى قتل الجنين ؟ ! فَسَدّاً لطرق الفساد هذه وغيرهاينبغي منع الزوجين من ذلك وحصره على ما بعد الزفاف فقط . واللهأعلم
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..