بسم الله، والحمد لله، والصلاةوالسلام علي رسول الله، وبعد: فالإجهاض محرممن أول يوم من بداية الحمل عند جمهور الفقهاء، وهو المفتى به الآن في المجامعالفقهية، وتزداد الحرمة كلما مرت الأيام على الحمل ، حتى إذا بلغ أربعة أشهر( 120يوما) فتكون الحرمة قاطعة مؤكدة ، ويجب بالإجهاض دية للجنين ، يرثها أقاربه ويحرممنها من قام بالإجهاض أو شارك فيه ، وفي كل الحالات تجب التوبة من هذه الجريمة . إلا إذا كان الحمل خطرا على حياة الأم بقرار لجنة طبيةموثوق بها فيجوز الإجهاض، وإصابة المرأة بالإيدز ليست ضرورة تبيح الإجهاض .
يقول الدكتور عبد الفتاح إدريسأستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة بجامعة الأزهر: إن الوقوف علي حكم إجهاض المرأة المصابة بفيروس الإيدز يقتضيبيان مراحل تخلق الجنين والحد الزمني لكل مرحلة لمعرفة حكم التسبب لإسقاط الجنين فيأي منها، وهذه المراحل هي مرحلة النطفة، ومرحلة العلقة، ثم المضغة ثم نفخ الروح .
وبالنظر إلي آراء الفقهاء فيحكم إسقاط الجنين الذي يكون في أي مرحلة من مراحل التخلق السابقة بغير عذر؛ يتضحأنه لا خلاف بين الفقهاء في أنه يحرم التسبب لإسقاط الجنين الذي يكون في حالة نفخالروح فما بعدها إلي الوضع، وهو الذي مضت عليه مائة وعشرون يوما من بدأ الحمل، وأنإسقاطه – والحال هذه- يعد قتلا للنفس بالإجماع الذي حكاه ابن حزم والدردير وغيرهما-فتجب فيه الغرة .
لكنهم اختلفوافي حكم التسبب لإسقاط الجنين الذي يكون في أي مرحلة من المراحل الثلاثة الأخرى عليخمسة مذاهب : المذهب الأول:يرىأصحابه أنه لا يجوز التسبب في إخراج النطفة وذلك لأن لها حرمة تقتضي عدم إباحةإفسادها أو التسبب في إخراجها بعد استقرارها في الرحم .
المذهب الثاني:يرى من ذهب إليه من الفقهاء أنه يجوز التسبب لإسقاط النطفةبخلاف العلقة أو المضغة فيحرم التسبب لإسقاطها علي تفصيل بين بعض أصحاب هذا المذهبفي ذلك .
المذهب الثالث:يرى من ذهب إليه أنه يجوز التسبب لإسقاط النطفة والعلقة دونالمضغة التي يحرم التسبب لإسقاطها .
المذهب الرابع:يرى أصحابه أنه يجوزالتسبب لإسقاط الحمل ولو كان علقة أو مضغة ما لم يخلق له عضو أو لم يظهر شئ منخلقه، وذلك لا يكون إلا بعد مضى مائة وعشرين يوما من بدء الحمل .
المذهب الخامس:يرى من ذهب إليه أنه يجوز التسبب لإسقاط الجنين قبل أن ينفخفيه الروح .
والذي يبدو لي رجحانهمن مذاهب الفقهاء- بعداستعراض ما استدل به لها – هو ما ذهب إليه القائلون بحرمة التسبب في إخراج النطفةوإفسادها لغير عذر، لما وجهوا به مذهبهم، ولأن النطفة في الرحم يصدق عليها أنهاجنين لاستتاره فيه، فالاعتداء علي النطفة بإخراجها يصدق عيه أنه اعتداء علي جنين .
ومما يدل كذلك علي أن النطفة هيأول مراحل تخلق الجنين قول الحق سبحانه: " يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعثفإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة و غير مخلقة لنبينلكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلي أجل مسمى " إذا بينت الآية أن ابتداء خلق الإنسان –بعد خلق أبيهم آدم عليه السلام من تراب – هو من النطفة، ومثل هذا قوله تعالي : "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين" إذ المقصود بـ "الإنسان" في الآية الجنس، لأنهم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم عليه السلام وقيل :المراد به آدم والمراد بـ "جعلناه" في الآية أي الجنس باعتبار أفراده الذين هم بنواآدم، أو جعلنا نسله علي حذف مضاف، إن أريد به آدم ، و"القرار المكين" هو الرحم .
ويدل لهذا أيضا قوله سبحانه : "فلينظر الإنسان مم خلق* خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب" فالماءالدافق هو المدفوق في الرحم، وأراد الحق بذلك ماء الرجل والمرأة ، لأن الإنسانمخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما .
فكل هذه الآيات تدل علي أن النطفة هي ابتداء تخلق الجنين "كمايدل عليه أيضا قول رسول الله صلي الله عليه وسلم فيما رواه عنه ابن مسعود : "إنأحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك...." الحديث،ولهذا فإنا نقول – كما قال جمهور المالكية والغزالي ومن ذهب مذهبهم من الحنفيةوالحنابلة ـ إن لهذه النطفة حرمة، فلا يجوز إخراجها أو إفسادها بعد الاستقرار فيالرحم .
وبعد هذه العجالة فيبيان حكم إجهاض المرأة لغير عذر ، نتطرق لبيان حكم إجهاض المرأة لضرورة، إذا كانتمصابة بمرض نقص المناعة، الذي تنتقل فيروساته منها إلي جنينها عبر المشيمة أو عندالولادة ، كما قال أهل الاختصاص في ذلك .
وباستعراض آراء الفقهاء الذين أدلوا بدلوهم في حكم التسببلإسقاط الحمل عند عدم العذر، فانه يتبين أنه لم يقل أحد منهم بجواز إسقاطه للعذرإلا الحنفية، الذين أجازوا ذلك قبل أن يتصور الجنين ، أي قبل أن يظهر له أصابع أورجل أو شعر أو نحو ذلك، وذكروا مثالا للعذر المبيح للإسقاط وهو ما إذا انقطع لبنالمرضعة التي ظهر بها الحمل، وخيف هلاك الرضيع، ولم يكن لأبيه ما يستأجر به منترضعه، وإن كان غير الحنفية لم يصرحوا بجواز التسبب لإسقاط الجنين لعذر إلا أنهوفقا لما ذهب إليه أصحاب المذهب الثاني، يجوز التسبب في إسقاطه إذا كان نطفة أوعلقة ويجوز التسبب لإسقاطه تبعا لما قاله بن عقيل الحنبلي ما لم ينفخ فيه الروح ،ولا إثم في إسقاطه في أي مرحلة من المراحل السابقة، تبعا لكل مذهب ولو كان لغيرعذر .
وإجهاض المرأة المصابة بمرض الإيدزقد تعارضت فيهمفسدة التسبب في إسقاط حملها حتى لا يولد مصابا بهذا المرض ، مع مصلحة الإبقاء عليهحفاظا علي حقه في الحياة ، وإن كان يولد مريضا بنقص المناعة، ولا يمكن تحقيقالمصلحة في الإبقاء عليه ودفع مفسدة إصابته بالمرض الذي تنتقل فيروساته إليه عنطريق المشيمة أو عند الولادة في نفس الوقت، وقواعد الشريعة تقضى بأنه "إذا اجتمعتمصلحة ومفسدة في عمل معين ، ولم يمكن تحصيل المصلحة ودرء المفسدة جميعا وكانتالمصلحة أعظم من المفسدة التي تقابلها، قدمت المصلحة" ولهذا فإني أرى أن مصلحةالإبقاء علي هذا الحمل أرجح من المفسدة التي تقابلها وذلك لأن الجنين وإن ولد حاملاالمرض ، فلن يعدم العلم وسيلة لشفائه من هذا المرض ، فكم من مرض كان في عدادالأمراض التي لا يرجى البرء منها، ثم صار مما يرجى البرء منه وذلك نتيجة للطفرةالهائلة في مجال العلاج في زماننا هذا، ولم يعد مرضا مما يستعصي علاجه إلا النذراليسير، بعد أن خطا العلم خطوات واسعة في مجال البحوث الطبية لمعالجة الأدواءالمختلفة ، والتي منها هذا الداء الذي ما فتئ العلماء يبحثون عن وسائل للتغلب عليه،ونسمع أو نقرأ بين الحين والآخر عن بعض اجتهاداتهم في معالجته ، وقد ذكر بعضالعلماء في هذا السبيل عدة وسائل تفيد مرضى نقص المناعة، من أهمها دواء "إلانترفيرون" الذي يعمل كمادة قاتلة لفيروس مرض الإيدز مساعدا مع جهاز المناعة فيجسم المريض ، هذا بالإضافة إلي المركبات التي من شأنها أن تمنع تكاثر الفيروس "والذي أطلق عليها بعض العلماء "مثبطات تكرر الحمة" إلا أن التداوي بهذه المركباتوغيرها ، لابد وأن يصحبه التداوي من الأمراض المختلفة التي تغزو الجسم من ضعف جهازالمناعة عنده كبعض الالتهابات الرئوية والطفيليات المعوية والآفات الجلدية ونحوها . فهذه الاجتهادات وغيرهاترجح مصلحة الإبقاء علي هذا الحمل ، لأن المرض الذي يصاب به مما يرجى البرء منه،ومن ثم فليس ثمة ضرورة إلي إجهاض المريضة به حتى لا يولد الجنين حاملا له . وعلى فرض عدم وجود علاج له فإنه سيعيش ما شاء الله تعالى له ،وإن مات فإنه سيموت قضاء الله تعالى ، وذلك خير من قتله. والله أعلم .
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..